سياسة

امتحان للغرب في تركيا طباعة ارسال لصديق
أنور إبراهيم*   


Image
أنور إبراهيم
وُصفت الانتخابات التي سوف تجري في تركيا خلال هذا الشهر بأنها معركة من أجل السيطرة على روح الأمة. ولكن بعيداً عن كونها معركة بين العلمانية والإسلام، كما يحلو للبعض أن يعتقد، فإن المعركة هي في الحقيقة صراع بين قوى الحرية والديمقراطية من جهة وبين السلطوية من الناحية الأخرى.

نتيجة الانتخابات سوف تقرر ما إذا كانت تركيا سوف تواصل طريق التحديث الذي اتبعته خلال السنوات الخمس الماضية تحت حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم، أو أن تعود بالخطى إلى الوراء حيث تصبح القوة موازية للحق، والقوة تتحقق من خلال فوهة البندقية. هل سيكون هناك قرار لتحقيق توافق جديد بين الدولة والمواطنين يكون مقبولاً ومنسجماً مع تراث تركيا الإسلامي وثقافتها العلمانية السياسية، أو هل ستتمكن القوة العسكرية من اغتصاب حق الشعب في اختيار حكومته والنيل من صلاحية الحكومة في خدمة الشعب؟

المظاهرات التي جرت في أنقرة في شهري أبريل ومايو أثارت شبح الإسلام الراديكالي كسبب للتحايل على العملية الديمقراطية. ولكن وصم هذه الحكومة بصفة الإسلام الراديكالي هو افتئات صارخ على الحقيقة. فهذه حكومة ملتزمة بشكل واضح بعملية المحافظة على الديمقراطية مهما كلف الأمر، في الوقت الذي تأخذ فيه خطوات ملموسة لإزالة ما يحيط بالأحزاب ذات الخلفية الإسلامية من سوء فهم. ومع أن قواعد الدولة التركية العلمانية كانت ترتكز في الماضي على القوة العسكرية فإننا اليوم نرى أخيراً حكومة مدنية انتخبت انتخاباً ديمقراطياً وليست في حاجة إلى أبلسة الدين. إن خطوات رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الشجاعة في توجهه لعضوية الاتحاد الأوروبي، وبالأخص في حقل الإصلاح القانوني، يجب أن يزيل أيضاً أية شكوك حول إيمان تركيا بالديمقراطية.

منذ أوائل عقد الثمانينات من القرن الماضي، كانت السياسة التركية تتسم بوجود دولة قوية ومجتمع مدني ضعيف، كانت فيه الحقوق الفردية مقبولة فقط في حالة انسجامها مع التصور الوسطي. كانت تهيمن على الانتخابات في تلك الحقبة الإجراءات الكاسحة لخنق المجموعات المعارضة والنيل منها على امتداد الساحة السياسية. بيد أن تلك الإجراءات المناهضة للديمقراطية قد بدت، حتى وقعت التطورات الأخيرة، وكأنها أصبحت في سلة التاريخ، نتيجة للانتخابات البرلمانية التاريخية التي جرت في عام 2002.

إن الالتزام بالعملية الديمقراطية يُمثل تحولاً مفصلياً في السياسات التركية والذي من خلاله تم ترجمة إرادة الشعب في توخي سياسات اقتصادية حكيمة، تبجيل الرفاه الاجتماعي دفع عملية الاندماج بشكل أكبر مع أوروبا. وعلى نقيض واضح من تهديدات العسكريين بالتدخل، فقد أبدى قادة تركيا إرادة واضحة والتزاماً بالمضي في عملية الإصلاح.

إن تداعيات تدخل عسكري سوف تكون بعيدة المدى وبالغة الخطورة. لا حاجة إلى إعادة بعث الخطايا التي ارتكبت في الجزائر. وفيما تحول بنود الدستور في تركيا دون إمكانية خطف العملية الانتخابية، فإن من غير المحتمل أن يقبل الشعب التركي بمثل تلك الحركة بسهولة لو حدثت بالفعل. عندها يمكننا أن نتوقع بأن المفاوضات مع المجموعة الأوروبية سوف تتوقف فوراً، الأمر الذي يرضي تلك الحكومات في أوروبا التي كانت منذ البداية عازمة على إقصاء تركيا. إن النمو غير المسبوق الذي حققه الاقتصاد التركي سوف يتباطأ دون شك. وفي نهاية المطاف يمكن أن نشاهد انهيار الجسر الحضاري الذي تقوم اسطنبول ببنائه بين الشرق والغرب.

ومن الأمور التي تدعو إلى القلق أيضاً أن مثل ذلك الحدث سوف يكون بمثابة خيانة لتطلعات المسلمين الديمقراطيين في تركيا وعلى امتداد العالم الإسلامي. ذلك أن تركيا، مثلها مثل إندونيسيا، تعتبر على نطاق واسع كحالة مختبرية لإظهار التوافق بين السياسة الإسلامية والديمقراطية. إنها تعبير عن السلام والتطور الذي أثار اهتمام المسلمين وأوقد جذوة الفخر على المستوى الدولي. الراديكاليون بكل تأكيد سوف يستخدمون انقلاباً يجد في تركيا كدليل على النفاق الغربي في الدعوة إلى الحرية والديمقراطية في العالم الإسلامي من جهة، في الوقت الذي يغض نظره بصره عن الحكم السلطوي. ولسوف يفقد المعتدلون الأرضية التي يقفون عليها في منطقة تعمها الراديكالية والتي تُأجج نيرانها الأوضاع المتردية في العراق والفشل في حل الصراع العربي-الإسرائيلي.

في الأيام القادمة سوف يتم كشف النقاب عن الألوان الحقيقية لمن يملكون زمام الأمر في هذه المسرحية. ومن حق تركيا، كواحدة من حلفائ هذا الأخير أن تتوقع من أن الغرب الامتناع عن تقديم أي دعمٍ علني أو غير علني لأية محاولة لإخراج الديمقراطية عن مسارها. إن الفشل في إظهار تأييدٍ تام للديمقراطية التركية من شأنه أن يشكل دعوة قوية نحو التطرف، سواءٌ كان إسلامياً أو علمانياً، يتيح له النمو بحرية. بكل تأكيد، فإن أولئك الذين يدعون بأنهم يمثلون تطلعات الدولة التركية الحديثة قد ينجحون في إسقاط الحكومة الحالية، وبالأخص عندما يكونون مستندين إلى القوة العسكرية المجردة، ولكن مثل ذلك سوف يكون نصراً مزيفاً، لأن الثمن سوف يكون الحرية والديمقراطية نفسيهما.


* أنور إبراهيم: نائب سابق لرئيس وزراء ماليزيا، ومستشار حزب العدالة الشعبي الماليزي. هذا المقال برعاية مصباح الحرية، www.misbahalhurriyya.org

 
تعاليق


أكتب التعتيق
  • الرجاء أن يكون التعليق متقيدا بموضوع المقال.
  • أي تجريح شخصي سيُلغى
  • الرجاء عدم استعمال التعليق لربط موقعكم، مثل تلك المادة ستُلغى
  • الانتباه إلى تحديث الصفحة حتى يظهر رمز أمان جديد قبل الضغط على (ابعث)، ينطبق ذلك فقط عند إدخال رمز أمان خاطئ.
الاسم:
بريد الكتروني
صفحة الويب
عنوان:
تعليق:

رمز:* Code

Powered by AkoComment!

 
< السابق   التالى >
مواضيع
سياسة سياسة
اقتصاد اقتصاد
أقليات أقليات
نساء نساء
تحقيقات تحقيقات
ثقافة ثقافة
إصدارات إصدارات
دراسات دراسات
اعلام اعلام
تعليقات وآراء تعليقات وآراء
جدل جدل
أفكار أفكار
أفكار مستوردة أفكار مستوردة
بيئة بيئة
.
كتابات القراء كتابات القراء