المتوكل على الله "الثالث"

محمد بن يعقوب المستمسك بالله

(914 - 923 هـ)

 

        هو محمد بن يعقوب المستمسك بالله، تنازل له أبوه عن الخلافة عام 914، وبقي حتى تنازل للسلطان العثماني سليم الأول، وبذا يكون آخر خلفاء بني العباس، وانتقل إلى استانبول مع السلطان العثماني بناءً على رأي الخليفة الجديد سليم الأول، وبعد مدة سمح له بالعودة إلى مصر، وبقي فيها حتى توفي عام 950.

        وفي عهد الخليفة المتوكل على الله "الثالث"، كان السلطان المملوكي الأشرف قانصوه الغوري. وقد حدث أن أغار الصليبيون الاسبتاريون على مصر عام 915 ولكنهم هزموا، وأعادوا الغارة عام 916، وقتلوا "محمد بيك"، فكان لذلك الأثر الكبير على نفسية الغوري حتى أنه قبض على رهبان كنيسة القيامة في القدس ووبخهم. وفي عام 917 أغاروا على سواحل البرلس فداهمه حامد المغربي، وهزمهم، وأسر مائتين منهم وساقهم إلى القاهرة.

        أما بالنسبة إلى البرتغاليين فقد هزم الاسطول المملوكي في معركة "ديو" قرب السواحل الهندية بعد الانتصار الذي أحرزه في العام السابق 914، وعاد حسين الكردي إلى مصر بعد غياب سبع سنوات فوصل إلى السويس عام 918، واستطاع البرتغاليون الاستيلاء على شبه جزيرة كوجرات في الهند، ودخلوا إلى البحر الأحمر، وحاصروا ميناء سواكن. فأبحرت حملة من السويس بقيادة حسين الكردي أيضاً عام 921، وفيها سلمان العثماني معاوناً لحسين الكردي وفي رجب من عام 922 اختلف سلمان العثماني وحسين الكردي فقتل الأول الثاني منهما. وفي هذه الأثناء بدأ العثمانيون يتحركون في الشمال.

        أما بالنسبة إلى الدولة الصفوية التي قامت في تبريز في اذربيجان فقد كانت علاقتها سيئة مع المماليك إذ قامت على فكر شيعي معاد للإسلام من أهل السنة الأقل، وقد استطاع اسماعيل شاه الصفوي عام 916 أن يدخل بغداد، ويخلصها من ملكها مراد خان بن يعقوب بن حسن الطويل التركماني، ففر مراد خان والتجأ إلى مصر.

        وفي العام نفسه (916) أرسل اسماعيل الصفوي رسلاً من قبله إلى بعض ملوك الفرنجة يحرّضهم على غزو مصر، وقتال الغوري، وخاصة أن صلةً كانت بين الصفويين والبرتغاليين والمماليك يومذاك ألد أعداء البرتغاليين، وهم الذين وقفوا في وجههم ودخلوا معهم في حروب طاحنةٍ. وأراد البرتغاليون يومذاك الإفادة من الخلاف القائم بين الصفويين لتشيّعهم وبقية المسلمين في المنطقة، وقد وجدوا ضالتهم في الصفويين الذين استجابوا لهذه الرغبة وعملوا على التحرك باتجاه الغرب.

        وفي العام نفسه (916) انتصر الصفويون على التتار وقتلوا ملكهم "أوزبك خان" وابنه، وفي سبيل تهديد المماليك أرسل الشاه اسماعيل الصفوي رأس "اوزبك خان" ورأس ابنه ضمن علبة إلى السلطان الأشرف قانصوه الغوري، وبدأ الصفويون يتحركون نحو الغرب، ووصلت طلائع جيوشهم عام 918 إلى "البيرة" على نهر الفرات، شمال بلاد الشام (ضمن الحدود التركية اليوم)، ومع أن القتال أو الحرب الباردة التي كانت دائرةً يومذاك كانت فكريةً بل دينيةً سواء أكانت من ناحية البرتغاليين أم من ناحية الشيعة أصدقاء أو حلفاء البرتغاليين فإن سادة مصر يومذاك لم يحسنوا التصرف وخاصة السلطان الأشرف قانصوه الغوري سيد الموقف في مصر والشام إذ أراد الوقوف على الحياد فكانت النتيجة أن قضي عليه ودالت دولته، وزالت الخلافة العباسية من مصر، وانتقلت أنظار المسلمين من القاهرة إلى استانبول التي أصبحت مركز الخلافة وحاضرة المسلمين وبذا فقد ورثت القاهرة.

        وأما بالنسبة إلى الدولة العثمانية فقد كانت العلاقة حسنة بينها وبين دولة المماليك في مصر والشام، وقد ازينت القاهرة عام 857 بأمر من السلطان اينال بمناسبة فتح العثمانيين للقسطنطينية، وكانت القاهرة ترسل وفداً إلى استانبول بعد كل نصر أو عند تولية سلطان. وتعكرت العلاقات بين الدولتين عام 865 عندما وصل السلطان الظاهر سيف الدين خشقدم إلى السلطنة، وفي عام 869 مات أميرا دولتي (ذو القادر) و (قرمان) التركمانيتين فعيّن العثمانيون عليهما أميرين من غير أنصار المماليك. ومع هذا الخلاف الذي بدأ يظهر بين العثمانيين والمماليك فقد فرّ إلى القاهرة الأمير "جم" أخو السلطان العثماني بايزيد الثاني، وفي الوقت نفسه فقد آوت استانبول بعض الأمراء الفارين من مصر والشام.

        لقد أرسل السلطان قايتباي حملة ضد إمارة (ذو القادر) عام 876 استطاعت أن تستولي على هذه الإمارة، وأن تأسر أميرها (شاه سوار)، الذي نقل إلى القاهرة حيث أعدم على باب زويلة، وأن تعيّن الأمير بوداق مكانه وهو من الذين يناصرون المماليك. وفي العام التالي انتصر المماليك على حسن الطويل أمير دولة (الشاه البيضاء) في معركة البيرة على نهر الفرات.

        لقد ثار ابن (شاه سوار) على عمه (علي دولات) الذي يؤيده المماليك، ودعم السلطان سليم العثماني ابن (شاه سوار) وهاجم علي دولات وهذا ما وطد الصلة بين المماليك وعلي دولات. وعندما دخل الصفويون بغداد فرّ ملكها من التركمان إلى القاهرة مقر دولة المماليك رغم أن جده حسن الطويل كان قد قاتل المماليك.

        لقد اثارت تصرفات الصفويين السلطان سليم الأل العثماني فآثر ترك أوروبا والتوجه نحو الصفويين لقتالهم. ويمكن أن أقول : إن أوروبا كانت تدعم الاسبان والبرتغاليين منذ مدة حتى استطاعوا طرد المسلمين من الأندلس عام 497 وبقيت تدعمهم بعد ذلك، وعندما قام العثمانيون يقاتلون الأوروبيين ويتقدمون من جهة الشرق رأت أوروبا الوقوف في وجه العثمانيين بقوة وقطع المساعدة عن الاسبان والبرتغاليين الذين يقاتلون المسلمين في الأندلس، وعندما وصل البرتغاليون إلى جنوب بلاد العرب ودخلوا الخليج العربي رأوا أن يحركوا الصفويين ضد العثمانيين من الشرق ليخفّ ضغط العثمانيين في أوروبا. فلما اشتد ضغط الصفويين على الشرق العثماني، وتحريض ملوك أوروبا ضد المماليك، ومحاولة نشر الشيعة فضّل السلطان العثماني ترك أوروبا والتوجه نحو الشرق لتاديب الصفويين. واعتقد أن المماليك سيكونون عوناً له في مهمته هذه لأن العثمانيين يقاتلون الصفويين الشيعة أعداء العثمانيين والمماليك معاً. وأن العثمانيين إنما يقاتلون الأوروبيين النصارى الذين يدعمون البرتغاليين الذين يقاتلون المسلمين في الغرب ويريدون دخول البحر الأحمر وتهديد المدينة المنورة ونبش قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يتسلموا القدس. والمماليك يقاتلون البرتغاليين ويدافعون عن بلاد المسلمين فالمصلحة الإسلامية العثمانية والمملوكية واحدة، غير أن العثمانيين عندما عرضوا مشروعهم لقتال الصفويين على المماليك، وقف المماليك على الحياد حسب رأيهم إلا ان الحياد ذاك معناه تقوية الخصوم وهم الصفويون بل والبرتغاليون الذين وراءهم وحلفاؤهم وعندما رأى العثمانيون هزيمة المماليك أمام البرتغاليين كان عليهم أن يقوموا بواجبهم فيقفوا أمام البرتغاليين ولكن المماليك لم يسمحوا لهم بدخول بلادهم للوقوف في وجه البرتغاليين، فأضمر السلطان سليم في نفسه رغبته بالقضاء على المماليك إذ استطاع احراز النصر على الصفويين.

        تحرك السلطان سليم العثماني من أوروبا واتجه نحو الشرق لقتال الصفويين غير أن علي دولات أمير دولة (ذو القادر) قد تصدّى لطلائعع الجيش العثماني، ولما كان هذا الأمير من أنصار المماليك لذا اقتنع السلطان العثماني بأن هذا العمل إن هو إلا من تحريض المماليك، فما كان من السلطان العثماني إلا أن داهم التركمان وقتل علي دولات وولي مكانه ابن (شاه سوار)، وتابع نحو الصفويين فانتصر عليهم ودخل عاصمتهم مدينة تبريز عام 920 بعد معركة (جالديران) المشهورة، وبعد هذا النصر بدأ يستعد لقتال المماليك، ولقد ضم السلطان العثماني إليه الجزيرة وإمارة (ذو القادر) إلى الدولة العثمانية عام 921، وبدأ يتصل بنواب المماليك في بلاد الشام.

        أحسّ السلطان الغوري بمشروع السلطان سليم فجهّز حملةً وقادها بنفسه وانطلق إلى بلاد الشام، وتوجه شمالاً، وانطلق من حلب إلى مرج دابق في الشمال الغربي من حلب حيث التقى مع السلطان سليم، ورتب السلطان الغوري جيشه فكان في القلب وعلى ميمنته نائب دمشق جان بردي الغزالي وعلى ميسرته نائب حلب خايربيك، وتقدّم للقتال، وأحرز النصر في الجولة الأولى، وحمل العثمانيون ثانيةً، وانضم إليهم نائب حلب خايربيك وبعض الأمراء فنالوا النصر، وقتل الغوري في ميدان المعركة، وتقدم العثمانيون فدخلوا حلب وبقية مدن بلاد الشام دون مقاومة بل أحياناً كثيرة كانوا يستقبلون استقبالاً حاراً حيث ينظر إليهم نظرة احترام على أنهم توغلوا في أوروبا، وضربوا الدولة الصفوية الشيعية، ويرغبون منازلة البرتغاليين الذين يهددون المسلمين بل مقدسات المسلمين أيضاً، وربما كانت هذه من دعايات العثمانيين التي روّجوها وأطلقها أنصارهم لأننا لا نستطيع أن نعد الشعب كان يومذاك يعرف هذه الحقائق، ويدركها تماماً وإن كانت صحيحة، وتابع السلطان سليم العثماني تقدمه حتى مصر فوقف في وجه نائب السلطان الغوري الأشرف طومان باي، وجرت معركة بين الطرفين على أبواب القاهرة هي معركة الريدانية التي قتل بها الأشرف طومان باي ودخل إثرها السلطان سليم القاهرة فبايعه أهلها، وتنازل له آخر خليفة عباسي وهو المتوكل على الله، كما جاء إليه أشرف الحجاز فبايعوه فتسمى باسم خليفة المسلمين وخادم الحرمين الشريفين، وعاد بعدها إلى حاضرة ملكة استانبول بعد أن أخذ معه الخليفة العباسي المتوكل على الله، والصناع المهرة، والتجار. بينما ترك والد الخليفة في القاهرة نتيجة كبر سنة، وفقد بصر. وبذا زالت دولة المماليك، وانتهت الخلافة العباسية من مصر بعد أن دامت 264 سنة (659-923)، وكانت قد انقضت أيامها من بغداد قبل ذلك بأربع سنوات. وهكذا انطوت صفحة من تاريخ الخلافة في القاهرة لتفتح صفحة جديدة من تاريخ الخلافة في استانبول.