المعتضد بالله

داود بن محمد المتوكل على الله

(815 - 845 هـ)

 

        هو داود بن محمد المتوكل على الله، أبو الفتح، أمه أم ولد تركية تدعى "كزل" أعطي الخلافة حين خلع المؤيد أخاه المستعين عام 815.

        وفي عهده انطلق السلطان المؤيد إلى الشام لإخضاع نائبها "نوروز" وذلك عام 817، وتمكّن من الانتصار عليه، وبعد تحقيق هدف الحملة تابع إلى أطراف بلاد الشام الشمالية لإعادة تبعية الإمارات التركمانية إلى الدولة المملوكية.

        وتوفي السلطان المؤيد عام 824 في شهر المحرم فقلّد السلطنة ابنه أحمد ولُقّب بالمظفر، وأعطي الأمير "ططر" تدبير شؤون المملكة، وبعد مرور سبعة أشهر أي في شهر شعبان قبض "ططر" على السلطان المظفر وخلع، وتسلّم هو مقاليد السلطة، فقلّده الخليفة السلطنة، وتلقّب باسم الظاهر، وكان عمله أن أخرج الخليفة السابق "المستعين بالله" من سجن الاسكندرية، وسمح له بالعودة إلى القاهرة، ولكن المستعين فضل الإقامة في الاسكندرية، وبدأ يعمل في التجارة حتى توفي عام 833.

        ولم تمض سوى أربعة أشهر حتى توفي الظاهر ططر في شهر ذي الحجة من العام نفسه (824)، فقلّد الخليفة أمر السلطنة لابن ططر محمد، وقد اختار لنفسه لقب "الصالح"، وجعل شؤون المملكة للأمير "برسباي".

        وبعد أربعة أشهر أي من شهر ربيع الثاني من عام 825 خلع الأمير برسباي من السلطنة الصالح ابن ططر، وتسلّم شؤونها، وقلّده الخليفة أمرها، فاتخذ لقب الأشرف.

        أرسل الأشرف برسباي حملةً استطلاعيةً إلى جزيرة قبرص وقد اتجهت إلى ميناء "ليماسول" وذلك عام 827 كردٍ على الحملات التي قام بها ملوك تلك الجزيرة على الاسكندرية ودمياط في أثناء اشتداد حملات تيمورلنك على بلاد الشام، فلما تصدعت دولة تيمورلنك بعد وفاته، قام السلطان الأشرف برسباي بهذا الردّ، وفي العام التالي 828 أرسل حملةً ثانيةً وكانت جهتها في هذه المرة إلى مدينة "فاما غوستا"، وقد أحرزت النصر، ومكثت أربعة أيام ثم اتجهت إلى مدينة "ليماسول" وتمكنت من فتحها بعد جهد، ثم رجعت الحملة إلى مصر.

        وبعد عام خرجت حملة جديدة سارت نحو "ليماسول" ففتحها، ثم اتجهت نحو الداخل فالتقت بجيشٍ كبيرٍ يقوده ملك قبرص "جانوس" بنفسه فجرت معركة طاحنة بين الفريقين انتصر فيها المسلمون انتصاراً كبيراً، وأسروا الملك، وحملوه معهم، وساروا نحو نيقوسيا ... ثم رجعوا إلى مصر والملك معهم أسير، وفي القاهرة فدى الملك نفسه ووافق على أن تكون قبرص تابعة لدولة المماليك، وبقيت بعدها كذلك مدة بقاء الدولة المملوكية وبذا انتهى الأثر الصليبي نهائياً إذ بقي في قبرص بعد طرده من بلاد الشام.

        كان تيمورلنك قد توفي عام 808 فتصدّعت امبراطوريته الواسعة التي أسسها، وقام بعده أبنه "شاه رخ"، واستطاع أن يستعيد مدينة سمرقند، ورغب أن يُحسّن علاقته مع دولة المماليك فأرسل إلى برسباي عام 832 وفداً يطلب منه السماح له بكسوة الكعبة، وإرسال بعض الكتب إليه ومنها كتب ابن حجر العسقلاني. ولم يعط الأشرف برسباي جواباً، فأعاد "شاه رخ" الطلب في العام نفسه، ولم يحظ بجواب. وفي عام 839 طلب "شاه رخ" السماح له بزيارة القدس، وجدد الطلب في العام التالي (840) ولم يتلق في الطلبين أي ردّ فاتجه عندها "شاه رخ" لتأليف حلف ضد المماليك من العثمانيين وأمراء التركمان.

        وبالنسبة إلى إمارات التركمان على أطراف بلاد الشام، فقد أرسل الأشرف برسباي حملةً إلى إمارة "الشاه البيضاء" عام 833 استطاعت تهديم مدينة الرها، وبدأ بعدها النفوذ العثماني يقوي في تلك الإمارات.

        أما بالنسبة إلى جزيرة رودوس القريبة من السواحل التركية فقد غدت عام 710 قاعدةً لفرسان الاستبارية، فعندما انسحب الصليبيون من بلاد الشام أو طردوا عام 690 انتقل هؤلاء الفرسان إلى جزيرة قبرص، وقد لعبوا دوراً مهماً في الحرب الصليبية، ثم انتقلوا إلى جزيرة قبرص، وقد لعبوا دوراً مهماً في الحرب الصليبية، ثم انتقلوا إلى جزيرة رودوس إتخذوها قاعدةً لهم، وعندما غزا الأشرف برسباي قبرص، وأخضعها لنفوذ المماليك خشي الاسبتاريون من ذلك، فأسرع فلوفيان أمير الاسبتاريين وأرسل الهدايا للسلطان برسباي الذي كان في نيته غزو رودوس لكن عهده لم يطل إذ توفي في شهر ذي الحجة من عام 841. فقلد الخليفة السلطنة إلى يوسف بن برسباي الذي لُقِّب بالعزيز، وجعل شؤون المملكة إلى الأمير جقمق، وبعد ثلاثة أشهر (ربيع الأول 842) خلع جقمق من السلطنة العزير يوسف بن برسباي، وتسلّم هو أمرها، وتلقّب باسم الظاهر، وقلّده الخليفة. وكان عهد برسباي عهد استقرار، وقوة، وغزو ولكن الحالة الاقتصادية كانت متأخرة.

        وفي عام 843 أغارت أربع سفن لقراصنة النصارى على مدينة رشيد على الساحل المصري، فاتجهت الشبهة نحو أمراء الاستباريين في رودوس، فجهز الظاهر جقمق حملةً عام 844 وغزا رودوس، وخاصةً أن السلطان العثماني مراد الثاني قد حرّض الظاهر جقمق للقيام بهذا الغزو، وأسرع أمراء الاستباريين إلى أوروبا يطلبون النجدات الصليبية منها.

        وفي عام 845 توفي الخليفة المعتضد بالله داود، وكان من سروات الخلفاء، نبيلاً، ذكياً، فطناً، يجالس العلماء والفضلاء ويستفيد منهم، ويشاركهم فيما هم فيه، جواداً، سمحاً للغاية.