الصور النمطية
بين الشرق والغرب

 

عمر كوش (باحث من سوريا)


ظهر الاستشراف كفعالية من فعاليات التمركز الغربي على الذات، وقد شكل الشرق في إطاره موضوعا لتفكير نتجت عنه دراسات وأبحاث وأقوال مختلفة، بدا فيها الشرقي نمطا ملتبسا ومفعما بالأساطير والتصورات المغلوطة، وظهر فيه الشرق مغايرا ومفارقا لواقع الشرق ذاته، مع أن الشرق ليس كيانا واحدا، لكن الابحاث والدراسات الاستشراقية صورته بناء على مسبقات وأحكام التمركز الغربي.

 بداية لا يمكن الحديث عن الغرب بوصفه كياناً واحداً موحداً، إذ هو لم يكن كذلك في يوم من الأيام. كذلك فإن الشرق لم يكن موحداً في يوم ما، لكن مفهومي الغرب والشرق استخدما ووظفا في سياقات غامضة، وساهم هذا الاستخدام في إنتاج صور نمطية (Stereotypes) ملتبسة عن الغرب وعن الشرق. فقد تحول كل من الغرب والشرق إلى مفهوم متمثل أو تمثيلي، بناء على ميتافيزيقا تنهض على تمركز ذاتي محاط بتمركزات عديدة داعمة له، فابتعد الوجود المتعين لواقع كل منهما، وغاب بذلك المعطى الواقعي للمفهوم، حيث نسجت مكوناته ومركباته وفق أشكال متخيلة ونمطية تستلهم كل إمكانيات التهميش والإلغاء، ليفقد المفهوم أي إمكان للجدل والرأي والتواصل.

   وجهدنا هنا يرتكز على الكشف عن بعض آليات اشتغال الخطاب الميتافيزيقي في عملية تمثله للآخر بصفة عامة، والعمل على إبراز الأبعاد المتخيلة في هذا التمثيل، من حيث هي صور نمطية وأحكام ومواقف، بقدر ما تنهل من خزان رمزي يكثّف الوجداني والعقدي والقدسي، فإنها تتبلور في شكل تدخلات وإجراءات ومعارك. وهذا يقتضي الوقوف عند ما أنتجه الخطاب من طرق لإدراك وتمثل الآخر، والتساؤل عما يعبّر عنه من إرادة للمعرفة بالآخر، في مختلف التمثيلات، الأمر الذي يطرح أسئلة محرجة أمام الفكر المنتج له، ولنمطه المهيمن، خصوصاً في هذه المرحلة التي تختلط فيها الرؤى والتصورات بالمصالح والرغبة في السيطرة على العالم.

 

 صورة الآخر في الخطاب الغربي:

 نهضت الميتافيزيقا الغربية على تقسيمات تدغدغ الذات وتروي عطشها المزعوم في التفوق، وتؤكد أفضليتها على الآخر، لذا مدّت هذه الذات بجسور مصطنعة تربطها بالإغريق، انطلاقاً من حمّى البحث عن ماض عريق وأصول ذهبية؛ وقد تمّت، بناءً على ذلك، عملية إعادة كتابة تاريخ اليونان القديمة(1) بشكل يتماشى وأسطورة الغرب المدني والحضاري. ودعم ذلك النظرية التطورية، التي صنفت الشعوب والأمم إلى أصناف متمايزة ومتعارضة، مثل »متوحشون«، و»برابرة«، و»متمدنون«، وعليها نُسج التمركز الغربي، الذي يجد أصله النظري في التقسيم الأرسطوي للعالم القديم إلى إغريق وبرابرة، أو إلى أحرار بالطبيعة وعبيد بالطبيعة.(2)

 ثم استعاضت المسيحية في العصور الوسطى معيار الفصل التقابلي في ثنائية: إغريق / برابرة بمعيار فصل ميتافيزيقي  آخر يقوم على ثنائية: مؤمنون/ كافرون، وهو فصل يعتمد على معيار الإيمان بالمسيحية دون سواها من الأديان، ويتماشى مع الطبيعة التبشيرية للمسيحية، التي شنت الحروب الصليبية على خلفية الصور الميتافيزيقية التي بنتها متخيلات التمركز اللاهوتي وتعاليمه الكنسيّة. ومع النهضة الأوروبية دُعم التمركز العرقي، وبرز إلى الواجهة معيار »التقدم« أو »المدنية« لفصل جديد بين الشعوب، حيث بدا الغربي صورة للتفوق والصفاء والقوة. ثم بدأت، في العصر الحديث، حركة الأوربة التي تجلت بإخضاع مجتمعات وشعوب العالم للنموذج الأوروبي، عبر مختلف أشكال الانتداب والاستعمار والسيطرة، ورأت القوى المسيطرة في الغرب الحديث ضرورة إخضاع الشعوب للنموذج الغربي بوصفه النموذج الأمثل والأصلح لمختلف الشعوب، واحتل الغربي (الرجل الأبيض) فيه القطب الأول في ثنائية: المتقدم/ المتخلف التي شكلت جوهر التفكير الميتافيزيقي الفلسفي الغربي الحديث.

 

الأنثروبولوجيا: المتوحشون/المتمدنون

 أثرت مرتكزات التمركز العرقي الغربي على الذات على مختلف معطيات وإفرازات الثقافة الغربية، فأنتجت ضروباً من الميزات التي حاولت تصنيفها وفق نظم تراتبية وأنساق فكرية وعقلية، وخلقت معايير إقصائية للآخر وثقافته، ثم قامت باستغلال مختلف الصلات بين الشعوب وطرق حياتها لصالح مقتضيات التمركز، فالرحالة والمبشرون و»المكتشفون« الأوائل تعاملوا مع الآخر وفق منطق التمركز، وقدموا روايات وأقوالاً تقوم على معيار أفضلية الإنسان »المتمدن« على »غير المتمدن«، وساد مصطلح الإنسان »المتوحش«، ثم »البدائي« في أبحاث ودراسات التاريخ والأنثروبولوجيا والإثنولوجيا. وقد أخذت أقوال الرحالة والمبشرين الانتقائية ورواياتهم باعتبارها صورة تعبر عن واقع الشعوب »البدائية« أو »المتوحشة«، ثم ألصقت صفات وخصائص كثيرة بهذه الشعوب، ولعبت الأنثروبولوجيا دوراً هاماً في إشاعة هذه المصطلحات وانتشارها، إذ قدم العديد من الباحثين الأنثروبولوجيين تفسيرات ودراسات حول الفكر »البدائي« واختلافه عن الفكر »المتمدن«. تدخل في هذا الإطار أبحاث ودراسات رائدي علم الأنثروبولوجيا »مورغن« و»تايلر«. فقد كتب »تايلر«: »تؤيد الأدلة المتوافرة الرأي القائل إن الإنسان المتمدن بشكل عام ليس أحكم وأقدر من المتوحش فحسب، بل أفضل وأسعد، وأن البربري يقف بينهما«(3)، هكذا يصنف »تايلر« البشر إلى ثلاث حالات هي: التوحش والبربرية والمدنية، ويؤكد أفضلية المتمدن على المتوحش والبربري، ويذهب »مورغن« متمادياً في إلصاقه الصفات الدنيا بالإنسان المتوحش بقوله: »يستدل على تدني الإنسان المتوحش في الموازين العقلية والأخلاقية، وعلى افتقاره للتطور والخبرة، وعلى خضوعه لشهواته الحيوانية وعواطف الدنيئة، من بقايا الفن القديم التي تظهر في الآلات الصوانية والصخرية والعظمية، ومن حياته في الكهوف في بعض المناطق، ومن بقاياه العظمية. كما يستدل على ذلك من الوضع الراهن للقبائل المتوحشة التي ما تزال في حالة متدنية من التطور«(4) . ومع تطور علم الأنثروبولوجيا فُندت الآراء والدراسات التي ألصقت الصفات البشعة والمتدنية بالشعوب التي خضعت لمعايير الغرب »المتمدن«، فعقلية الإنسان البدائي، كما بين كل من »ستروس« و»بوس«، لا تختلف بشكل جوهري عن عقلية الإنسان »المتمدن«، كما أن المكانة المتدنية والوضع الهابط اللذين ينسبان إلى المجتمعات اللا كتابية ليسا سوى نتيجة لمقارنتهما بمجتمعات حضارة قامت على ميتافيزيقا التمركز على الذات، وهي مقارنة تخفي أفكاراً مسبقة، وتقوم على معيار ومقياس ثقافة الأنثروبولوجي المنتمي إلى ثقافة التمركز وهو بحد ذاته أحد نتاجاتها . لكن حيادية الدراسات العلمية ونزاهتها تقتضي عدم جواز استخدام مثال ثقافي معين لدراسة مثال آخر، كون المعايير والتصنيفات تختلف اختلافاً شديداً بين مجموعات الثقافة المختلفة. كما أن مصطلحات »بدائي« أو »متوحش« أو» بربري« هي نتاج لعقلية التمركز ذاتها وصورها المتخيلة عن الآخر المختلف، بوصفها محاولة منها لإقصائه وتجريده من الصفات الإنسانية التي يتقاسمها الجميع. فليس هناك حدود فاصلة بين البشر في هذا المجال، رغم الاختلافات الواسعة، وإن وجدت فهي من صنع أوهام ميتافيزيقا التمركز والفصل والإلغاء .

 

ميتافيزيقا الاستشراق

 ظهر الاستشراق كفعالية من فعاليات التمركز الغربي على الذات، وقد شكل الشرق في إطاره موضوعاً لتفكير نتجت عنه دراسات وأبحاث وأقوال مختلفة، بدا فيها الشرقي نمطاً ملتبساً ومفعماً بالأساطير والتصورات المغلوطة، وظهر فيه الشرق مغايراً ومفارقاً لواقع الشرق ذاته، مع أن الشرق ليس كياناً واحداً، لكن الأبحاث والدراسات الاستشراقية صورته بناء على مسبقات وأحكام التمركز الغربي. فالفصل الميتافيزيقي بين »الغرب« و»الشرق« لم يأخذ باصطلاحه المكاني والجغرافي، بل في تأكيد التباين الثقافي والسياسي والأيدلوجي بينهما في انفصامهما، لذلك فإن الاستشراق ليس ظاهرة خلقتها ظروف تاريخية محددة(5) . كما أنه لم يشكل، عبر تاريخه، إفرازاً لحاجات ومصالح الغرب الحيوية المتصاعدة، بقدر ما كان إفرازاً، قد لا نغالي إذا قلنا »طبيعيا«، لعقل ميتافيزيقي متمركز على ذاته، همّه الأساس إنتاج الآخر (أي آخر) وفق صور رغبوية ومتخيلة، تعتريها تشوهات الإحالة والفصل والمعايير الميتافيزيقية التي وسمت مجمل تاريخ الفلسفة الميتافيزيقية الغربية. وهكذا، تظهر ميتافيزيقا الاستشراق الذات الغربية في زهوة تفوقها وقوتها وسطوتها، بينما تزيِّف ثقافة الآخر الشرقي (خصوصاً الإسلامي) وتحتقر ثقافته ولغته وديانته ووجوده، وتضعه خارج التاريخ، وخارج الفضاء الكوني المشترك الذي يناضل من أجله الجميع، مجردة إياه من القيم الإنسانية المشتركة، قد لا ينطبق هذا التوصيف على توجهات وجهود بعض كبار المستشرقين، إنما على مجمل حركية وفعالية الاستشراق، خصوصاً خلال مراحل اقترانها بالمدّ الاستعماري .   

 

من الاستشراق إلى الأنثـروبولوجيا

 كان الاستشراق مجالاً لتطبيق ونشر العلم الحديث في الشرق، لكنه جعل من الشرق ميداناً أنثروبولوجياً وإثنولوجياً مجرداً من قيمه وتاريخه، وظهر، وفق توصيفاته، الشرقي: العربي والتركي والفارسي، صورة للشهواني القاسي، أو صورة البربري الفظ، خاصة الشمال أفريقي. يجمع بين هذه الصور دين بسيط وبدائي ومتعصب وعدواني هو الإسلام، وكانت مسيحية القرون الوسطى قد بنت هذه الصور، ونسجتها مخيلة تمركزها اللاهوتي الذي دفع إلى حدوث أكبر مواجهة دينية بين الإسلام والمسيحية خلال الحروب الصليبية .

  ورغم أن الأنثروبولوجيا نمت وتطورت مع تطور العلوم الحديثة، غير أنها شهدت تغيرات كثيرة وواسعة، تغيرت معها النظرة إلى الآخر، الشرقي وغيره، وشهد معها الاستشراق تغيراً واضحاً، من عالم مثبت يقوم على ماهوية ثقافية حسب تعبير »مكسيم رودسون« ويشده الماضي وصراعاته ونظرته الإقصائية، إلى عالم ينتقد المركز ويسعى نحو عالمية تفترض »وجود طبيعة إنسانية مشتركة، تنادي بتساوي الطاقات الكامنة للثقافات من أجل تحقيق ما هو إنساني«(6). ومع ذلك لم تفلت الأنثروبولوجيا الاستشراقية من عقلية النموذج الأوروبي الأصلح والأفضل، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالدراسات الإسلامية. فقد خضع الإسلام إلى تاريخ شرقنة أوربية بدءاً من القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين، حيث وضع في قفص الاتهام، وتعرض لمختلف أنواع الرفض خصوصاً شخصية النبي، وشكك في أسس المجتمع الذي انبنى على دعواه، وعممت الدراسات الأنثروبولوجية والإثنولوجية على المجتمعات الإسلامية، مثل تلك التي قام بها »وسترومارك« و»ج.تيلون« وغيرهما على قطاعات وبنى بسيطة شملت بعض القبائل في الجزيرة العربية واليمن، وبعض قبائل البربر» الأمازيغيين« في الجزائر والمغرب، ومجموعات قبائل الطوارق في الصحراء المغاربية الكبرى وسواها. إن ثقافة وتقاليد هذه المجموعات لا تنطبق على القطاعات الغالبة في المجتمعات الإسلامية، كما إن مثل هذه الدراسات تنم عن ممارسة إثنولوجية غير علمية وغير دقيقة ويحكمها منطق استعماري في أغلب الأحيان.

 ربما من الضروري، في هذا المجال، ذكر نموذج مغاير لهذه الدراسات، ويحضر هنا مؤسس الأنثروبولوجيا البنيوية »كلود ليفي ستروس«، فقد بينت دراسات هذا الفيلسوف والأنثروبولوجي تهافت صور التمركز العرقي الغربي، وقام بدراسات تخص المجال الإسلامي، حيث بدأ بدراسة الفن الإسلامي والفن »الشرقي«في الهند والبلدان المجاورة لها، من خلال علاقة الأجزاء بالكل، كما انه درس هندسة المقابر والأضرحة، وقدم تأملات للفن المغولي الإسلامي مبنية على تحليل أنثروبولوجي تنتهي بفلسفة التاريخ، واستعان بالتحليل النفسي الأنثروبولوجي، وقدم أبحاثاً ذات قيمة علمية عالية في كتابه »المدارات الحزينة«، إلا أن استنتاجاته وشروحها اعتراها سوء فهم ولغط كبير، خاصة عندما نقلها إلى فلسفة التاريخ(7) ، من بين هذه الاستنتاجات: التعارض بين الإسلام الجامد والخالد مع المسيحية والبوذية، واللاتسامح البنيوي للإسلام، إضافة إلى التناقض ما بين الأحجام الواسعة لخارج القبر وبين ضيق مساحة القبر الذي يضم الميت. كل ذلك يبيّن مدى بعده عن الثقافة الإسلامية وفلسفتها وميراثها، ويعكس إرث وثقل إفرازات التمركز الذاتي للغرب التي طالت حتى عالما كبيرا في مثل مكانة »ستروس« .

 

أنشودة رولان

 وفي القرون الوسطى وبدايات النهضة الأوروبية، وهي الفترة التي شهدت الحروب الصليبية، وشكلت الصورة النمطية للآخر، يمكن أن نأخذ، كمثال، »أنشودة رولان« التي تعدّ من أقدم »أغنيات المآثر« الفرنسية، والتي يرجع تاريخ كتابتها المختلف عليه إلى الأعوام 1076 و1120، حيث ينهض موضوع الأنشودة على حدث تاريخي محوّر. إذ تحور الأنشودة حادثة مقتل أحد القادة العسكريين، ويدعى »رولان«، في معركة بين جيش »شارلمان« وجماعة مسلحة من الباسك، وتتفنن في سرد بطولات »رولان« وصديقه »أوليفييه« قبل أن يقتلا في المعركة.

 وتتلخص فكرة هذه الأنشودة في أن الكفار على خطأ والمسيحيين على صواب، وتشكل هذه الضدية قاعدة ثابتة في كتابات القرون الوسطى، حيث تقسم العالم وفق منطق ميتافيزيقي إلى قسمين متقابلين، أحدهما يمثل عالم الخير والآخر عالم الشر، والصراع بينهما هو صراع »بين عالم الظلمة وعالم النور، عالم الحقيقة وعالم الضلال، عالم الإيمان وعالم الكفر«. وتلصق الأنشودة وأغنيات المآثر الأخرى التي تلتها كل الصفات السلبية بالسرزانيين، حتى ليبدو العربي فيها وكأنه وحش كاسر ليس لديه قيم إنسانية، فالمسلمون في الأنشودة هم عبدة أصنام، »يوزعون أدعيتهم على آلهة ثلاثة: محمد وأبولان وترفاغان، إضافة إلى أنهم يتقنون أعمال السحر والشعوذة«(8). وتمثل هذه الأنشودة نموذجاً للجهل الناجم عن الوهم والتخيل، إذ تقترح »العماد« كحل تبسيطي لإخضاع الآخر واحتوائه، و»هو توجه سوف يترسخ في الوعي الأوروبي في العصر الوسيط«.

 

الصور النمطية عن الآخر: الظاهرة الصليبية

 لم يشهد تاريخ حوض الأبيض المتوسط توسعاً لأيّ إمبراطورية بالسرعة والمدى اللذين ميّزا التوسع الإسلامي، فقد انتشر الإسلام في ثلاث قارات في أقل من قرن من الزمن، وفرض نفسه على الثقافات السائدة في فضاءاتها بكل الطرق الممكنة، وجسد ذلك لحظة مزدوجة يتداخل فيها فعل القطيعة ورموز الاستمرار . وقد واجه هذا الاختراق الإسلامي مقاومات كبيرة، مثلت البؤر المسيحية أهم التحديات التي واجهته، وإن كان الإسلام قد جعل من مبدأ الجهاد قاعدة حاسمة للفتح والانتشار ومحاربة الكفر والشرك، فإن المسيحية ابتكرت المشروع الصليبي لإعادة الاعتبار للرسالة المسيحية بطرق جديدة لم يكن المسيحي، باختلاف كنائسه، متعوداً عليها . وكان الهدف المعلن للصليبيين استعادة الأماكن المقدسة بالطرق العسكرية، واستثمروا في ذلك كل الوسائل الكفيلة بتكوين متخيل جمعي يعلي من شأن الذات ويقدم الآخر في أشكال انتقاصية، شيطانية، تمنح للمنخرطين فيها حوافز التعبئة، والإيمان بعدوانيته وشراسته، لدرجة يصل فيها المحارب إلى خلق شعور لديه بأنه حين يحارب ضد المسلمين، فإنه يحارب الظلام قصد إشاعة الأنوار . وتشكلت الصورة النمطية المسيحية عن الإسلام بالتدريج، وعّبرت، بكيفيات مختلفة، عن الاهتمام المسيحي الأوروبي بالواقعة الإسلامية . انطلق هذا الاهتمام، في البداية، من خلال المسيحية الشرقية، والنصارى الأصليين، ثم اتخذ أبعاداً أكثر جدية مع احتدام الصراع التاريخي والحضاري على البحر الأبيض المتوسط، إذ شكل الانتشار الإسلامي الكاسح أكبر تهديد للوجود المسيحي فيه، وأحدث قطيعة حاسمة بين المرحلة الرومانية التي تنظر إلى البحر المتوسط كمركز العالم وفضاء استثنائي للمسيحية، وبين عهد جديد أعطى للعلاقات بين الشرق والغرب أبعاداً عميقة في العقل والوجدان جعلت المؤسسة المسيحية تشعر بحسرة على فقدان وحدتها الجغرافية والروحية . وتجلت الحرب الرمزية والنفسية في الانتقاص من كل مظاهر الواقعة الإسلامية، رسولاً ونصوصاً وحضارة وإنساناً، وتم خلق صورة قدحية للآخر، بهدف التعويض عن الفقدان الكبير الذي أحدثه الإسلام، وظهر الإسلام للغرب المسيحي وكأنه ديانة وثنية تمتاز بالعنف وتدعو إلى الشبقية والشهوانية، بكل ما يفترض ذلك من كفر وتوحش وانحلال، ولم تكتف المخيلة المسيحية الغربية بتضخيم وتشويه عقيدة المسلم وسلوكه ونمط حياته، بل أضافت اعتبارات »سيميولوجية« تتعلق بلونه وهيئته، لدرجة كثفت فيها صورة المسلم، في العصر الوسيط، مخاوف وهلوسات اللاوعي الجمعي المسيحي ومثلت أكبر مصدر للخوف شهدته الأوساط المسيحية في ذلك الوقت من الزمن . وقد كان القصد من كل ذلك إنتاج ردود أفعال رافضة للإسلام في كليته، وخلق شروط تعبئة نفسية ومعنوية لمحاربته، وهذا ما جسدته الظاهرة الصليبية في أبعادها الدينية والعسكرية والتخييلية. وكانت المحصلة: صورا نمطية، جهلا بالآخر، أحكاما مسبقة، إرادة قوية على التشويه وتضخيم الأمور وتزييف الحقائق، ومع ذلك لا يمكن إرجاع الظاهرة الصليبية، في علاقتها المتصارعة أو المتساكنة مع الإسلام، إلى اعتبارات دينية محضة أو إلى مدّ وجذر عسكري، ذلك أنه بفعل إقامة نظام من الصور النمطية التي استمدت عناصرها من المرجعيات الدينية ومن الأحكام المغلوطة عن الآخر، ومن عوامل ذات طبيعة ثقافية، فإن المدى الزمني الطويل الذي تبلور فيه هذا النظام وتشكلت فيه تلك الصور لم يعد يخضع لحسابات المؤسسة الكنسية وحدها، وهذا يفسر استمرار الصور النمطية المكونة لها داخل المخيلة الغربية في زمننا الراهن وبكيفيات مختلفة.  

 

الآخر ومفارقات التسمية:

 في ظل التطور التاريخي للإسلام، لم يعد الذمي أو الشعوب التي احتك بها الإسلام هي التي تمثل الآخر، إذ تحوّل الإفرنجي إلى آخر . وقد شكلت الحركة الصليبية صدمة كبيرة بالنسبة للمسلمين، وتركت تأثيراً نفسياً صادماً . وبمواجهة هذا التحدي كان لا بدّ من استئناف الشغف الإسلامي واستنهاض القوى وكل الإمكانات بغية إعادة بناء الذاتية العربية الإسلامية، واستوجب هذا إعادة تنشيط مقولة الجهاد وتعبئة الوجدان الإسلامي من منطلق اعتبار الآخر كيانا سالبا واستيطانا عدائيا، ثم تطور الوعي الإسلامي الضدي بالآخر، بشكل متساوق مع نمو فكرة الجهاد، وارتقى بها إلى نظام الدعاية إلى جعلها قاعدة تعبدية، وتم التركيز على بعض رموز الآخر الدينية كالصليب مثلاً . ومثلت حرب الاسترداد التي نظمها صلاح الدين الأيوبي لحظة حاسمة في تطور الوعي الإسلامي بالآخر، واستفاد صلاح الدين من منهجية نور الدين زنكي في تنظيم حركة الجهاد، وزاد في القاموس الدعائي ألفاظاً من قبيل »الكفار« و»المشركين« و»الأعداء« و»أعداء الله« لتسمية الإفرنج، وكان الإفرنج يمثل الآخر اللاتيني، أيّاً كان أصله وانتماؤه، وقد بقي الفهم العربي الإسلامي للحواجز الفاصلة بين الإسلام والآخر منزاحاً وغامضاً . ولم تجد الواقعة الإسلامية حرجاً في الانتهال من كل الحضارات، ولم تشعر إزاءها بالنقص على صعيد الفكر والمعرفة، إذ كان يرقى طلب العلم إلى مستوى الواجب الديني، وأفضت هزيمة الصليبيين إلى الانتباه إلى ما تحمله الثقافة العربية الإسلامية من أسباب القوة علمياً وفكرياً.

 

صورة الآخر في المخيال الإسلامي

   يمكن القول أن التمركزيات تصاغ استناداً إلى نوع من التمثيل الذي تقدمه/ وتغذيه المرويات، الثقافية والدينية والتاريخية والجغرافية والفلسفية والأدبية، للذات المتوهمة بأوهام التفوق والنقاء والصفاء، والآخر الموسوم بالدنس والدونية والاختلاط، وعليه يغدو التمركز نوعاً من التعلق بتصور مضاعف عن الذات والآخر. وهو تصور ميتافيزيقي ينهض على الثنائيات الميتافيزيقية التي تقوم على التمايز والتراتب والتعالي، وتأتي المرويات عبر الزمن لتراكم الصور النمطية المتخيلة الناتجة عنه.

 والحديث عن الصورة التي ارتسمت للآخر في المخيال الإسلامي يقودنا إلى العصر الوسيط، وبالتحديد إلى مفهوم »دار الإسلام« بوصفه مجالاً ثقافياً مشبعاً بمنظومة عقائدية متجانسة، تختلف عن المنظومة الخاصة بالآخر. لكن مع التقدم في الزمن، تراجع مصطلح »دار الإسلام« وأخذ مصطلح »العالم الإسلامي« يحل محله.

 وقد كانت التمركزية الإسلامية، ممثلة بدار الإسلام، ونظامها القيمي المعياري، هي الموجه الأكثر فعالية في صوغ ملامح الصورة النمطية للآخر، وهي في عمومها صور رغبوية تستقي مكوناتها من رغبة في تفخيم الأنا بمختلف أبعادها(9). وعليه يجب أن نستقصي تفاعلاتها المعاصرة، إذ أنه مع العصر الحديث لم تفلح المجتمعات الإسلامية في التخلص من مؤثرات الماضي، بل أن الحداثة والعولمة بذرت خلافاً جديداً تمثله مفاهيم التمركز والتفوق ومحاولة سيطرة نموذج ثقافي على حساب آخر، فصارت تنبعث اليوم المفاهيم التناقضية - السجالية بصورة إشكاليات الهوية والخصوصية والأصالة. فيما تعيش المجتمعات الإسلامية زمنين متناقضين في القيم والثقافة، حيث لم تستطع شعوبها أن تنجز فهماً تاريخياً متدرجاً ومطوراً للقيم النصية الدينية، بمعنى أنها لم تتمكن من إعادة إنتاج ماضيها بما يوافق حاضرها، ولم تتكيف مع سؤال الحداثة، فطرحت قضية الهوية، كقضية إشكالية متعددة الأوجه. وبالتالي فإن طرح صورة الآخر في المخيال الإسلامي، خلال القرون الوسطى، يعدّ قضية تتصل بالحاضر بدرجة لا تقل أهمية عن اتصالها بالماضي.

 لقد ارتبط مفهوم دار الإسلام حسب التقسيم الإسلامي للعالم بالمجتمعات والأقاليم التي رضخت للسيادة الإسلامية، فيما ارتبط مفهوم »دار الحرب« بكل ما يقع خارج ذلك. وقد نُظر إلى الشعوب الأخرى القاطنة خارج دار الإسلام بوصفها شعوباً ضالة، ينبغي أن تمتثل للشريعة الإسلامية، لذلك فهي في حالة حرب معلنة أو مضمرة مع دار الإسلام، وعليه قامت النظرة للآخر على أسس دينية وقيمية، وهذا ما يسم التفكير والمفاهيم في العالم القديم بمجمله، حيث تفرض المفاهيم صوراً إكراهية للآخر، توجهها منظومات قيمية مختلفة، بوصف الآخر هو المختلف قيمياً. ويستمد هذا التصور في أذهان المسلمين حمولاته من التمركزية الدينية، باعتبارها البؤرة التي تنبثق منها قيم الحق المستمدة من الله. وما دام الحق ينبثق من دار الإسلام فهي المركز بكل المعاني الدينية والثقافية والجغرافية والأخلاقية، ووجدت هذه التمركزية الإسلامية تعبيراتها في التواريخ والآداب والفلسفات. وكانت الجغرافيا الوسيلة الأكثر فاعلية في تحديد أطرها الرمزية، حيث انطلق الجغرافيون من التسليم بها كحقيقة، حيث جعلوها موجهاً لتصوراتهم وفرضياتهم، وهذا ما ذهب إليه »ابن حوقل« حين جعل ديار العرب قلب الكرة الأرضية، كونها تضم الكعبة ومكة أم القرى، فيما جعل ممالك الكفار ضيقة وليس فيها أية قيمة مميزة، وكذلك فعل ابن خرداذبه وأبو الفداء.

 ومع العصر العباسي نشأت مركزية العراق، حيث نظر إليه كأفضل الأقاليم، واعتبرت بغداد المركز الذي يستقطب الجميع، فالمسعودي قدم في كتبه براهين على هذه التمركزية، فوضع العراق في وسط الأقاليم السبعة التي اقترحها. وفي سياق هذه التمركزية تشكلت الصور الإكراهية للآخر، ولعبت فكرة العلاقة بين الأقاليم والطبائع التي ورثها المسلمون عن اليونان دوراً في الحكم القيمي بحق الآخر، من هنا يجيء تقسيم المسعودي للأجناس البشرية: بين شرقي مذكر، وغربي مؤنث، وشمالي غبي، وجنوبي متوحش(10). هذا التنميط حسب الأقاليم يقوم على تقسيم جنسي وأخلاقي وعقلي وشكلي، يهدف إلى ربط الأجناس بسمات وطبائع ثابتة، تحمل سمات دونية للآخر المختلف.

 ويمكن العثور على صورة أهل الشمال عند الحدود التي رسمها الرحالة من أمثال: الطرطوشي، وابن فضلان، وسلام الترجمان، وابن بطوطة، وأبي حامد الغرناطي، وأبي دلف الخزرجي، حيث ارتسم الشمال في أذهان القدماء باعتباره »بلاد الظلام« بناء على حكم اختزالي، وتكونت صورته بشكل متدرج، وهي تعنى بالجوانب البشرية أكثر من غيرها.

 لا شك أن الصورة المشوشة عن أهل الشمال تشكلت في ظروف متوترة من الصراعات والنزاعات العسكرية والعقائدية والسياسية. أما صورة الشرق في أعين المسلمين فهي مختلفة، حيث يظهر فيها الشرق جذاباً ومتنوعاً وغير مشكّل بأحكام مسبقة، غير أنه ممتثل للمفاضلة بين دار الإسلام ودار الحرب. ويظهر الشرق في صورة شاملة لكل جوانب الحياة، من خلال الوصف المفصل لمظاهر الحياة والملك الذي قدمه الرحالة والجغرافيون، وخلا هذا الوصف من الأحكام الانتقاصية. وهذا يفسره التواصل المستمر للشرق بعالم المسلمين بواسطة التجارة المزدهرة وقتئذ. أما صورة الأفارقة، فقد تلونت في أعين الرحالة المسلمين بصور تحكمت فيها الموجهات والمؤثرات الدينية والثقافية، فظهرت صورة الأفريقي معتمة كلون بشرته، كونها اقترنت بجملة من النواقص الدينية والعقلية والأخلاقية واللونية. هذه الصورة الانتقاصية للأفارقة تصلبت، وتشابكت مع الموجه اليوناني فأنتجت تنميطاً ثابتاً ليس في أعين المسلمين فقط، بل في أعين شعوب العالم كلها، وهي لا تزال تفعل فعلها إلى أيامنا هذه وإن بدرجات مختلفة.

 

الهوامش

 (1) _ للتفصيل ينظر كتاب مارتن برنار » أثينا السوداء« الجزء الأول تلفيق بلاد اليونان«، ترجمة مجموعة من المترجمين، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 1997 .                                                   

 (2)-أرسطو طاليس، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1979، ص(94-103).

 (3) _ البدائية، تحرير: أشلي مونتاغيو، ترجمة محمد عصفور،عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، عالم المعرفة العدد (53) ،  أيار 1982، ص(241).

 (4) _ المصدر السابق، ص(240) .

 (5) _ للتفصيل، أنظر كتاب إدوارد سعيد » الاستشراق«، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1984 .

 (6)     _ Hichem Djait. L Europe et l Islam, Seuil, Paris,1978, p (24).  

 (7)    Hichem Djait. L Europe et l Islam, Seuil, Paris,1978, p( 70-80).   

 (8)  -La chanson de roland, traduction et commentaires de Gerard

                                                       Moignet, Paris, Bordas 1985.

 (9) - أنظر: عبد الله إبراهيم، المركزية الإسلامية، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2001.

 (10) -علي بن الحسين بن علي المسعودي، التنبيه والإشراف، دار تحقيق التراث، بيروت، 1986، ص (21).


تصميم الحاسب الشامل