الشيرازي في الكويت

 

     بعد اشتداد الضغوط الحكومية عليه في العراق في أعقاب وفاة الحكيم ، هاجر السيد محمد الشيرازي إلى الكويت ، حيث  أسس مسجدا وديوانية ومكتبة ومدرسة باسم (الرسول الأعظم)، وبدأ يستقبل طلبته الهاربين من العراق ، ويعيد علاقاته مع أصدقائه ومقلديه الذين هجّروا إلى إيران ، واستلم في السنوات الأولى من وجوده في الكويت حوالي ألف رسالة منهم ، فكتب لهم كتابا تحت عنوان : ( النازحون)  يقوي فيه معنوياتهم ويشد من أزرهم ويرشدهم إلى تنظيم أنفسهم.

   كان الشيرازي في العراق، حيث الأكثرية الشيعية، يطمح إلى ان يصبح يوما ما المرجع الأعلى ويؤسس دولة (ولاية الفقيه) أو المرجعية الدينية ، ولكنه اقتلع منه وجاء إلى الكويت ، تلك الدولة الصغيرة التي لا يشكل فيها الشيعة سوى نسبة الربع أو الثلث من السكان ، وهو ما لا يؤهله للقيام سوى بالنشاطات الثقافية ، وهذا ما تفرغ له حيث أصدر (رسالة المساجد والحسينيات) ودعا فيها إلى الإكثار من بناء المساجد والحسينيات ، وذلك لإقامة صلاة الجماعة والوعظ والرثاء والاحتفالات الدينية ، وتأسيس المكتبات وإصدار النشرات ، والدعاء والزيارة ، والدرس والتأليف  وإقامة الفواتح والإطعام وجمع المال وعقد المؤتمرات  .

   وألف سنة 1392 كتاب (نحو يقظة إسلامية) حيث قدم فيه مقترحات إدارية وحضارية ، و دعا فيه أصدقاءه ومقلديه إلى تأسيس :

1-      منظمة للدفاع عن المضطهدين (والمهجرين) في العالم 

2-      التهيؤ الكامل للسلطة و التسلح بأفضل الأسلحة والتدريب عليها

3-      جمع المال وتكوين المصارف الاسلامية

4-      الإعلام والدعاية  والنشر

5-      التشجيع على طلب العلوم الدينية

6-      تكوين منظمات خاصة للشباب والنساء

 

     إضافة إلى ذلك اهتم الشيرازي في الكويت بنشر المذهب الامامي الاثني عشري ، وذلك عن طريق طبع ونشر أكثر من مائة ألف نسخة من كتاب (المراجعات) للسيد عبد الحسين شرف الدين.

   وقد وقع الشيرازي في الكويت بين عدة صراعات هي هجوم السيد الخوئي عليه ومحاولة قطع طريق المرجعية الدينية العليا أمامه ، وإصدار بيان ينفي فيه حصول الشيرازي على درجة الاجتهاد ، وصراع أخيه السيد حسن الذي كان قد استقر في لبنان مع أبناء أخته  المدرسيين محمد تقي وهادي ، اللذين اتهمهما بسرقة تنظيم (الحركة المرجعية) وعدم استشارتهما معه ، والصراع بين الخط الأول والخط الثاني في داخل الحركة المرجعية في العراق ، وهنا كان السيد الشيرازي يدعو إلى اللين والعفو والتسامح والسلم لوقف تلك الصراعات.

 

    واستطاع الشيرازي ، خلال السنوات التسع التي أمضاها في الكويت ، ان يكسب شريحة لا بأس بها من الكويتيين لتقليده ، وذلك بفضل حيويته الفائقة و علاقاته العامة وأخلاقه المتسامحة ومحاضراته ونشاطاته وكتبه ، وكما استطاع ان يمد دائرة تقليده إلى البحرين والمنطقة الشرقية من السعودية ويكسب نصف عدد المقلدين تقريبا هناك ( وهم الآن حوالي مائة ألف مقلد) ، وان يؤمن بذلك مصادر مالية مهمة سيكون لها الأثر الكبير في مستقبل مرجعيته.

   كما استطاع ان يخترق الجماعة (الشيخية ) ، التي انفصلت عن التيار العام للشيعة الأصولية ، وان يقترب من زعيمها الشيخ حسن الإحقاقي الاسكوئي المقيم في الكويت ، وان يستصدر منه فتوى بجواز التقليد للعلماء ( غير الشيخيين) وان يفتح الطريق بذلك لكسب عدد من شباب (الشيخية) لتقليده ، كما قام عبر أخيه السيد حسن الشيرازي بالانفتاح على الطائفة (العلوية) في سوريا ولبنان وتركيا ،  حيث قام السيد حسن بالاجتماع مع علمائها  وأصدر معهم بيانا يؤكدون فيه انتماءهم للشيعة الامامية الاثني عشرية ، وقام السيد محمد الشيرازي بعد ذلك بحذف اسم (العلويين) من خانة الغلاة في الطبعة التالية من (رسالته العملية :أحكام الاسلام) .

   وفي ظل مرجعية السيد الشيرازي في الكويت استطاع السيد محمد تقي المدرسي ان يعمل بدأب لاكتساب الشباب وتنظيمهم بصورة سرية في (الحركة المرجعية)  .

   ولم يقم الشيرازي خلال إقامته في الكويت بأي نشاط سياسي معارض سواء للكويت أو العراق أو إيران ،  ومع ذلك  فقد أصدر النظام العراقي سنة 1974 حكما غيابيا بإعدام السيد محمد الشيرازي ، بعد اعتقال عدد من أعضاء الحركة المرجعية في العراق. [1]

   وفي الكويت آمن السيد الشيرازي بأهمية القوة وضرورتها للانتصار ، حيث قال في سنة 1392/1972 :" كل مبدأ كان بيده القوة كان هو المبدأ الزاحف إلى الأمام ،وفي أي يوم صارت القوة بيد المسلمين رجعوا إلى البلاد ، ذلك لا لأن الحق ينبع من فوهة البندقية ، بل لأن الحق لا يفرض نفسه على الباطل إلا إذا كانت معه حماية البندقية ، وكل كلام ما عدا هذين الكلامين تسكع". [2]

  

 



[1] /وقد حكمت أنا معه غيابيا أيضا بالإعدام./

 

[2] /الشيرازي ، محمد: نحو يقظة إسلامية ص 89/