آخر تحديث: 16/2/2009م

 
         
الحلقة (9)
إلى تركيا مرة أخرى

مجيء محمد بعد طول انتظار

في منتصف شهر أكتوبر من عام 1967م ولد ابني محمد الذكر الأكبر من أبنائي، وكان لولادته فرحة عارمة، لا في قلب أسرتنا فقط، ولكن في الدوحة كلها؛ فقد كان الناس مهمومين بأمري، ويدعون لي أن يرزقني الله بإخوة لبناتي الأربع، ولقد استجاب الله الدعاء.

ولا أنكر أني ووالدته فرحنا بمقدمه، وسررنا له سرورا خاصا، بحكم الطبيعة البشرية؛ فكل الناس يحبون أن يكون لهم أولاد من الجنسين وخصوصا من الذكور؛ فهم الذين يخلدون اسم الأب، وبهم يضمن استمرار العائلة، وبدونهم تنقرض العائلة بعد جيل واحد، وهذا ما جعل الشاعر العربي يقول:

بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا      بنوهن أبناء الرجال الأباعد!

على أن الأولاد جميعا بنين وبنات إنما هبات المولى عز وجل لعباده، كما قال في كتابه: {للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49، 50].

الدكتور القرضاوي يحمل ابنه محمدا

وأذكر أن أحد مشايخي الذين كنت أعتز بهم، وأكن لهم الكثير من مشاعر الحب والتقدير قد نصحني بعد أن رزقت بابنتي الرابعة أسماء أن أكتفي بذلك، وأقف عند هذا الحد، ولا داعي لتكليف أم العيال بالحمل والولادة. ومما قاله لي: يبدو يا شيخ يوسف أن حظك في البنات، وهن خير وبركة؛ فارض بما قسمه الله لك، وادع الله أن يبارك لك فيما أعطاك، ورُب أنثى خير من عدد من الذكور.

ولم أشأ أن أعترض على شيخي أدبا واحتراما، ولكني لم أقتنع بما قاله لي، ولا سيما قوله: "ارض بما قسمه الله لك"! فمن أين أعلم أن الله قسم لي الإناث دون الذكور، وما زال باب الرجاء في فضل الله مفتوحا، وأنا في الثلاثينيات من العمر، وزوجتي في العشرينيات، وما زلنا قادرين على الإنجاب؟!

هذا إلى أن الامتناع عن الإنجاب قصدًا غير محمود في مثل سننا ووضعنا، وقد اختلف الفقهاء في حكم العزل عن الزوجة -وهو من أسباب عدم الحمل- فمنهم من أباحه بشروط، ومنهم من كرهه، ومنهم من حرمه، واعتبره من "الوأد الخفي".

محمد يوسف القرضاوي

إنما يقال للإنسان: ارض بما قسم الله لك فيما أصبح أمرا ثابتا، ولا يمكن تغييره، كما إذا خلقه الله أسود اللون؛ فينبغي له ألا يتحسر على أنه لم يولد أبيض البشرة! وكذلك إذا كان قصير القامة، أو مصابا بعاهة دائمة مثل العمى، أو كان محدود الذكاء؛ فهذه الأشياء وأمثالها هي التي يجب على المرء أن يرضى بها؛ فهي التي قسمها الله له، ولا يعيش متمنيا ما لا يكون.

وقد ورد في أسباب نزول القرآن: أن النساء تمنين أن يكون لهن مثل ما للرجل في كل شيء، وهذا مخالف لمقتضى الفطرة، فنزل قوله تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء: 32].

تتابع الذكور كما تتابعت الإناث

على كل حال كانت هذه نصيحة شيخي رحمه الله، وقد قالها من باب الإشفاق عليَّ، ولكن القدر خيب ظنه، ورزقت بعد محمد بابنين آخرين، هما: عبد الرحمن، وأسامة، فكما تتابع البنات الأربع تتابع الذكور الثلاثة، والحمد لله على ما أعطى، اللهم ما أصبح وأمسى بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر.

ومما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته "العقيقة"، وهي ذبيحة من الغنم تُذبَح تقربا إلى الله تعالى، وشكرا على نعمائه، يوسِّع المرء بها على أهله وأولاده، ويهدي منها لأقربائه وأصدقائه، أو يدعوهم للأكل منها، ويوزع جزءا منها على الفقراء والمساكين؛ ليشركهم في أفراحه ومسراته.

وبعض المذاهب الإسلامية ترى أن يذبح عن الابن الذكر شاتين؛ لأن الناس يفرحون به أكثر، فعليهم أن يدفعوا مقابل هذه الفرحة فيما فيه خير للناس.

والحمد لله، كانت عقيقة محمد أربعة خراف، اجتمع عليها الأصدقاء والأحبة من المصريين والقطريين والفلسطينيين وغيرهم ممن يقيمون في قطر، حتى قال بعضهم: لقد دعينا إلى عقائق كثيرة، ولكن لم نذق ألذ ولا أحلى من هذه العقيقة! قلت: إنما حلاها الحب، أما سمعتم المثل القائل: "بصلة المحب خروف".. فماذا يكون خروف المحب؟!

أسامة يوسف القرضاوي

وأود أن أقرر حقيقة هنا، وهي أني -رغم شوقي إلى الأبناء الذكور وفرحتي الغامرة بابني الأول- لم ينل ذلك من حبي لبناتي الأربع، ولم يتغير قلبي من ناحيتهن، ولم أسرف في تدليل ابني الأول، كما هو المعتاد في مثل هذه الأحوال التي يفقد فيها الآباء والأمهات فيها قيمة العدل والمساواة بين الأولاد، لا سيما مع المولود الأول، أو الابن (الذكر) الأول، أو المولود الأخير، الذي يقولون عنه: "آخر العنقود سكر معقود!".

فأشهد الله تباركت أسماؤه أني لا أحس بأي تفضيل لأحد من أولادي -ذكورا وإناثا- على أخيه أو أخته، وكثيرا ما سألني الصحفيون في حواراتهم: أي الأولاد أحب إليك أو أقرب إلى قلبك؟ فأقول لهم: كلهم حبيب إلي، قريب إلى قلبي، لا يوجد "أفعل تفضيل" بين بعضهم وبعض، وهذه حقيقة أعلنها صراحة وأشهد الله عليها.

ولكني أشهد هنا شهادة مهمة أيضًا، وهي أن البنات نالهن من اهتمامي أكثر ما نال الأبناء الذكور. وسبب ذلك أن الذكور رزقت بهم في فترة الانطلاق والانتشار في العالم، فلم أفرغ لهم كما فرغت لأخواتهم. وربما أدرك محمد بعض هذا الاهتمام في سنواته الأولى أكثر من أخويه.

فقد كنت آخذه إلى المدرسة معي في سيارتي، وكانت مدرسة أبي بكر بجوار المعهد الديني، وكنت أسمِّع له القرآن في ذهابي به، بل كنت آخذه عدة مرات في المساء ليشارك في ألعاب "الجمباز" في المدرسة، وكان جسمه رياضيا، واستعداده جيدا.

كما أعترف هنا بأمر آخر، وهو أني خلال أسفاري في بلاد العالم -وخصوصا أوربا وأمريكا والشرق الأقصى- كنت أحاول أن أعود حاملا الهدايا لزوجي وأولادي. وكان الذي يزعجني دائما أن 90% من المحلات التجارية الكبرى تخص البنات والنساء، فأشتري لهن ما شاء الله، ولا أكاد أجد ما يصلح للأبناء. وهو أمر كان يحز في نفسي كثيرا، ولا أجد له حلا. وكثيرا ما كنت أصارحهم بذلك، حتى لا أتهم بالتحيز للبنات، مع أن الآباء يتهمون عادة بأنهم أميل إلى الذكور منهم إلى البنات.

ولقد كانت طفولة محمد هادئة وسوية ومريحة بفضل الله تعالى، ولم يحدث فيها ما يزعج أو يقلق، بل مرت خفيفة لطيفة، كما تمر نسمات الصباح في أيام الربيع.

ولم يكن أخواته البنات يشعرن بغيرة منه، أو منافسة له، أو نحو ذلك، بل كن جميعا يحببنه ويتنافسن على حمله، وفي أسفارنا كانت كل واحدة تحرص على أن يكون لها حظ في حمل "ميمي" (وهو اسم "الدلع" أو التدليل كما يقول المصريون)، وكان محمد إذا سئل عن اسمه، يقول: "أنا ميمي ضاوي" (أي محمد القرضاوي).

ومن الطرائف أن إحدى صديقات الأسرة كانوا ينادونها "تانت ميمي" فاتصلت مرة بالهاتف، ورد عليها محمد، وقالت له: قل لماما: "تانت ميمي"، فقال محمد لأمه: "تانت محمد تطلبك"، ظن أن كل "ميمي" اختصار لمحمد!

عودة إلى تركيا

كنا حين يحل موعد الإجازة الصيفية نهرع للفرار من قيظ قطر، بعد أن جربته في صيف سنة 1965، وجر عليَّ ما جر من متاعب صحية، ووجدت الشفاء في جو لبنان المنعش الجميل، ولا سيما جو جبال لبنان.

وفي صيف هذه السنة 1968م بادرنا منذ أول الإجازة بالسفر إلى لبنان لنقيم بها أياما، ثم نحزم أمتعتنا إلى إستانبول التي أنسنا بجوها وبوسفورها وجبالها وخضرتها ونضرتها، كما استمتعنا بجوامعها وحدائقها وأسواقها ومتاحفها، وسعدنا أكثر بأهلها وسكانها.

ولذا صممنا أن نعود إليها مرة أخرى، وقد عرفنا الطريق إليها، وحفظنا مدخلها ومخرجها.

وأقمنا في سوق الغرب في فندق فاروق الذي ألفناه وألفنا، حتى نرتب السفر إلى تركيا، وحتى أتصل بدور النشر التي أتعامل معها لنشر ما أعددته من كتب، وكان معي أصول كتاب "درس النكبة الثانية.. لماذا انهزمنا؟ وكيف ننتصر؟"، سلمته لدار الإرشاد لنشره، وقد نشرت لي من قبل "الإيمان والحياة"، والطبعة الثانية من كتابي "العبادة في الإسلام".

كما سلمت الجزء الأول من سلسلة "حتمية الحل الإسلامي" لمؤسسة "الرسالة" التي أنشأها صديقنا الأستاذ رضوان دعبول الذي جاء حديثا من المملكة السعودية، وكان يعمل بها مدرسا للرياضيات، ولكنه آثر أن يستقيل ويعمل في مجال النشر، وكنت من أوائل من تعامل معه قبل أن تتضخم مؤسسته، ويذيع صيتها، وتنشر الموسوعات الحديثية وغيرها، مثل: "موسوعة مسند الإمام أحمد" في 50 مجلدا و"تهذيب الكمال" في 35 مجلدا، و"سير أعلام النبلاء" في 25 مجلدا، و"صحيح ابن حبان" في 18 مجلدا، وغيرها من كتب الفقه والتفسير والتاريخ واللغة، وغيرها من الفنون.

وبعد أيام من إقامتنا في لبنان أخذنا الطائرة إلى "أضنه"، ولم نقم بها أكثر من ليلة واحدة؛ فقد زرنا معالمها السياحية في الإجازة الماضية، وفي الصباح أخذنا الحافلة السياحية إلى أنقرة وبتنا بها ليلة؛ لنأخذ طريقنا في الصباح إلى إستانبول، ولم نخطئ كما أخطأنا في المرة الماضية وننزل في البر الآسيوي، ولكنا نزلنا في البر الأوربي، ونزلنا في فندق "كنت" في "أقصراي" بالقرب من "جامع بايزيد"، وكانت تكفينا حجرتان حجرة لنا، وحجرة للبنات.

ولكن تميزت هذه الزيارة عن زيارة العام الماضي بأن كان معنا ابننا محمد، وكان عمره نحو تسعة أشهر؛ فكانت أمه وأختاه الكبيرتان (إلهام وسهام) يتعاقبن على حمله.

وكان الأخ الحبيب د.مصطفى بلجه قد دعاني والأسرة لنقيم في بيتهم الذي تملكه العائلة في منتجع "يكجك" الذي أقمنا فيه أياما في الصيف الماضي، وقد استجبت لدعوته، وقبلت ضيافته شاكرا ومقدرا، ولكن لمدة شهر فقط، على أن نبدأ ذلك بعد عدة أيام.

ندوة إخوانية في إستانبول

وكنا قد اتفقنا أنا وعدد من الإخوان المصريين خاصة أن نلتقي في مدينة إستانبول؛ لنتدارس بعض القضايا المهمة الخاصة بالدعوة، ونقدم فيها ورقات للبحث والمناقشة. وكان الغالب على هذه القضايا الجانب الفكري وتأصيل المفاهيم. وخصوصا بعد أن دار جدل حام بين الإخوان بعد محنة 1965م داخل السجون وخارجها، وطار رذاذ منه إلى الخارج، وحدث التباس في عدد من القضايا، مثل قضية "الجاهلية"، وقضية "الحاكمية"، وقضية "التكفير" وغيرها.

وقد مرت بالجماعة ثلاث محن كبيرة في تاريخها: محنة عهد الملكية، ومحنتان أكبر منها وأقسى في عهد الثورة، كل محنة أكبر من أختها.

ومن حق الجماعة بل من واجبها أن تراجع نفسها، وتقوِّم مناهجها على غرار ما تفعل وزارات التربية والجامعات والمؤسسات المختلفة في ضرورة مراجعة فلسفتها ومناهجها وسياساتها كل مدة من الزمن؛ لعلها تجد خللا فتسده، أو نقصا فتكمله، أو عيبا فتصلحه، أو خطأ فتصححه، وإن جماعة مضى على تأسيسها أربعون عاما لهي أجدر أن تراجع نفسها، وتقوم مسيرتها، طلبا للتصحيح والتصويب والتعديل والتكميل والتحسين، والمؤمن دائما ينشد الأمثل والأحسن، كما قال تعالى في وصف المهتدين من أولي الألباب: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر: 18).

وقد شاركت في هذه الندوة بورقتين؛ إحداهما حول "التقليد والتمذهب في الفقه"، والأخرى حول "التصوف والصوفية"، ومحاولة تحرير موقفنا من هذين الأمرين.

وكان المشاركون في هذه الندوة على ما أذكر: د.توفيق الشاوي، والأستاذ هارون المجددي، والأستاذ عبد البديع صقر، والشيخ أحمد العسال، ود.صلاح شاهين، وآخرين لم أعد أذكرهم لطول الزمن.

توفيق الشاوي

وكان لقاء خصبا ونافعا نناقش فيه الموضوعات بكل حرية، بعيدا عن ضغط السلطان، وعن ضغط الجماهير أيضا، وكثيرا ما يكون ضغط العامة على الخاصة، أو ضغط الجماهير على أهل العلم والفكر أشد خطرا من ضغط الحكومات.

ولذا كان التوجيه القرآني: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} (سبأ: 46)؛ أي بعيدا عن تأثير العقل الجمعي، وهنا نحن في جوّ حر حرية تامة، لا ضغط علينا من الخارج ومن الداخل؛ أي لا ضغط من الحكومة، ولا من الجماعة.

وكان الذي دفعنا إلى هذا اللقاء شعورنا المشترك بأن الجانب الفكري في الجماعة يجب أن ينمى وأن يؤصل، وأن ننتقل من سيحان "العاطفة" إلى انضباط "العلمية"، وأن نساعد على أن تفرز الجماعة أجيالا من "الخطباء".

وبعد لقائنا عدة أيام لا أذكر عددها انصرفنا على أن نكرر هذه الندوة كلما وجدنا إلى ذلك سبيلا، ولكن المؤسف أننا لم نكررها؛ ربما لأن الظروف والأوضاع لم تساعدنا على ما نريد.

إلى منتجع يكجك

بعد أن فرغنا من ندوتنا أخذنا حقائبنا، لنذهب إلى "يكجك" في الجانب الآسيوي من تركيا، وهذا يقتضي أن نجتاز "البوسفور" بالباخرة التي تنقلنا من شاطئ إلى شاطئ، أو من أوربا إلى آسيا، من مرسى "قاضي كوى" إلى مرسى "كراكوي".

وكان الذي قد تولى نقلنا الأخ الكريم الحبيب الدكتور طه الجوادي الذي طالما وضع سيارته المرسيدس في خدمتنا، جزاه الله عنا خيرا.

وبعد ذلك عرفنا الطريق من "يكجك" إلى إستانبول، وهو استئجار تاكسي ليحملنا إلى "كركوي" ثم نأخذ الباخرة إلى البر الآخر، وهناك نكون في قلب إستانبول، وفي المنطقة الحية منها؛ فأحيانا نمشي على أقدامنا، وأحيانا نستأجر سيارة.

وكنا ننزل في إستانبول معظم الأيام؛ لنتنزه في حدائقها، أو نتجول في أسواقها، أو نصلي في مساجدها، أو نتفرج على متاحفها، وفي آخر النهار نعود إلى منزلنا في يكجك.

ضياع ابنتي أسماء

وفي أحد الأيام حدثت واقعة لا أنساها ولا تنساها أسرتي، وهي ضياع ابنتي أسماء منا، ثم وجدناها.

فقد كنا في مرة من مرات نزولنا إلى إستانبول في إحدى الحدائق الشهيرة القريبة من جامع السلطان أحمد وجامع آيا صوفيا، وتسمى "جول هانا" (ومعنى جول: الزهر، وهانا: خانة؛ أي مكان؛ معنى العبارة: حديقة الأزهار)، وكانت الحديقة تحتوي أراجيح للعب الأطفال، وأدوات مختلفة للهوهم ولعبهم، وكان كثير من الأتراك يذهبون إليها في إجازة نهاية الأسبوع ليقضوا يومهم في رحابها، ويتناولوا طعامهم بها، ثم ينصرفون مساء اليوم عائدين إلى منازلهم.

قضينا نهارنا في الحديقة، ننعم بخضرتها، وتستمتع البنات باللعب والقفز والجري في الحديقة الرحبة تحت أعيننا ورقابتنا.

وبعد العصر وبعد أن شبعت البنات لعبا وتزحلقا وركضا، قمنا لنأخذ طريقنا للعودة إلى مقامنا في يكجك، ومضينا نمشي رويدا رويدا في الحديقة الواسعة، وقبل أن نصل إلى باب الحديقة عرجنا على صنابير للماء العذب، فقلنا: نتزود بالشرب منها قبل العودة، ومرت دقائق معدودة في هذه التعريجة، ثم انطلقنا، لنكتشف أن ابنتنا الصغرى أسماء غير موجودة، أين أسماء؟ التفتنا يمينا وشمالا، وبحثنا عنها هنا وهناك، وظللت أركض ركض الحصان في أنحاء الحديقة، وكنت ما أزال بقوتي؛ فلم نجد لها أثرا، حاولنا أن نعلن عنها في ميكروفون الحديقة، ولكن كانت مشكلة اللغة؛ فوجدنا أحد العراقيين الذين يعرفون التركية؛ ليعلن عن طفلة عمرها كذا، وتلبس ثيابا لونها كذا.. ولم يرد علينا أحد.

يا للمأساة! أنأتي لنشم الهواء فتضيع ابنتنا وفلذة كبدنا؟ ما أقساه من شعور، وما أمرَّه من إحساس! أخُطفت البنت أم تاهت؟ وأين تاهت؟ وكيف نجدها؟ هل يمكن أن تضيع البنت منا ولا تعود؟ ياللهول! أنسافر بابنتنا وهي ملء السمع والبصر، ثم نعود بغيرها؟ والأدهى من ذلك والأمَرّ أننا لا نعرف مصيرها: أفي الأحياء أم في الأموات؟ لقد مر وقت عليّ وعلى أمها لا يعلم إلا الله مدى صعوبته علينا، ومرارته في حلوقنا.

وقلنا: لم يبق إلا أن نبلغ الشرطة لنشركهم معنا في البحث عنها، وكان قسم الشرطة قريبا منا، فذهبنا إليه مشيًا على أرجلنا، وأبلغناه بالحادث، ورجوناهم أن يساعدونا في نكبتنا، وكان الأخ العراقي الذي يعرف التركية معنا لم يفارقنا، شهامة منه، وتقديرا لحاجتنا إليه؛ ليقوم بالترجمة نيابة عنا، وبالفعل أرسلوا إشارة إلى الأقسام المختلفة في المدينة، ليبلغوهم عن أي معلومات تتعلق بالطفلة المفقودة.

وعدت إلى أسرتي حيث بقيت منتظرة في الحديقة، وأخبرتهم بإبلاغنا للشرطة، ووعدهم بأنهم لن يدخروا وسعا في البحث، وسيخبروننا بأي جديد يحصلون عليه.

وبقينا وقتا ننتظر جوابا، وأمست قلوبنا معلقة بهذا الأمل، ونحن دائمو التضرع إلى الله، ندعوه دعاء المضطر أن يرد إلينا ابنتنا الحبيبة، وألا يردنا عن بابه خائبين.

 وبعد مرور ما يقرب من الساعتين -مرتا كأنهما دهر طويل- ذهبنا لنراجع القسم، فقال المسئول: أبشروا.. البنت موجودة في قسم شهرمينا، وفي حالة طيبة، وقد أبلغناهم أن يحتفظوا بها، حتى نذهب إليها لتستلموها، وسجدت لله تعالى شكرا، وحمدا لله جل شأنه أن استجاب لدعائنا، ورحم ضعفنا؛ فالحمد لله رب العالمين، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه.

عدت لأبشر زوجتي وأولادي أننا وجدنا الحبيبة أسماء، وأن علينا أن نذهب لأخذها من القسم، وبعد ذلك نعود إلى منزلنا في منتجع يكجك.

ووصلنا إلى قسم شهرمينا، وكان بعيدا كثيرا عن المكان الذي نحن فيه، ودخلنا القسم، فوجدنا "أسماء" يداعبها بعضهم، ويحاولون أن يهدئوا من روعها، ويطمئنوها حتى يأتي أهلها.

وكان الأخ العراقي معنا، ويترجم لنا، وقد فهمنا منه ماذا حدث. لقد كنا كلنا نمشي خارجين من الحديقة، ثم توقفنا هنيهة لشرب الماء، ولكن أسماء لم تنتبه لتوقفنا، وظلت تمشي منطلقة إلى الباب، حتى خرجت من الحديقة، وبمجرد خروجها من الحديقة أحست أنها تمشي وحدها، وأن أحدا ليس معها، فوقفت تبكي، فرآها أحد المارة تبكي، وكلمها فعرف أنها عربية ولا تحسن التركية، وكان الرجل طيبا، فخاف عليها أن تقع في يد شريرة، فأخذها في يده، وكان هو عائدا إلى منزله في شهرمينا، ومن هناك ذهب إلى قسم الشرطة ليسلمها إليهم، ويحكي لهم كيف وجدها، وكيف أخذها.

وبذلك ختمت هذه القصة الدرامية التي أرهقتنا ساعات معدودة، ولكنها مرت بطيئة كأنها دهور.

عودة للصفحة الرئيسية للملف
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع