الكامل في التاريخ  
   الجزء الأول   
   ( 14 من 309 )  
  السابق   الفهرس   التالي  
  
 

 يوم شعب جبلة

كان لقيط بن زرارة قد عزم على غزو بني عامر بن صعصعة للأخذ بثأر أخيه معبد بن زرارة وقد ذكرنا موته عندهم أسيرًا‏.‏

فبينما هو يتجهز أتاه الخبر يحلف بني عبس وبني عامر فلم يطمع في القوم وأرسل إلى كل من كان بيته وبين عبس ذحل يسأله الحلف والتظافر على غزو عبس وعامر‏.‏

فاجتمعت إليه أسد وغطفان وعمرو بن الجون ومعاوية بن الجون واستوثقوا واستكثروا وساروا فعقد معاوية بن الجون الألوية فكان بنو أسد وبنو فزارة بلواء مع معاوية بن الجون وعقد لعمرو بن تميم مع حاجب بن زرارة وعقد للرباب مع حسان بن همام وعقد لجماعة من بطون تميم مع عمرو ابن عدس وعقد لحنظلة بأسرها ع لقيط بن زرارة وكان مع لقيط ابنته دخنتوس وكان يغزو بها معه ويرجع إلى رأيها‏.‏

وساروا في جمع عظيم لا يشكون في قتل عبس وعامر وإدراك ثأرهم فلقي لقيط في طريقه كرب بن صفوان بن الحباب السعدي وكان شريفًا فقال‏:‏ ما منعك أن تسير معنا في غزاتنا قال‏:‏ أنا مشغول في طلب إبل لي‏.‏

قال‏:‏ لا بل تريد أن تنذر بنا القوم ولا أتركك حتى تحلف أنك لا تخبرهم فحلف له ثم سار عنه وهو مغضب‏.‏

فلما دنا من عامر أخذ خرقة فصر فيها حنظلةً وشوكًا وترابًا وخرقتين يمانيتين وخرقة حمراء وعشرة أحجار سود ثم رمى بها حيث يسقون ولم يتكلم‏.‏

فأخذها معاوية بن قشير فأتى بها الأحوص بن جعفر وأخبره أن رجلًا ألقاها وهم يسقون‏.‏

فقال الأحوص لقيس بن زهير العبسي‏:‏ ما ترى في هذا الأمر قال‏:‏ هذا من صنع الله لنا هذا رجل قد أخذ عليه عهدٌ على أن لا يكلمكم فأخبركم أن أعداءكم قد غزوكم عدد التراب وأن شوكتهم شديدة وأما الحنظلة فهي رؤساء القوم وأما الخرقتان اليمانيتان فهما حيان من اليمن معهم وأما الخرقة الحمراء فهي حاجب بن زرارة وأما الأحجار فهي عشر ليال يأتيكم القوم إليها قد أنذرتكم فكونوا أحرارًا فاصبروا كما يصبر الأحرار الكرام‏.‏

قال الأحوص‏:‏ فإنا فاعلون وآخذون برأيك فإنه لم تنزل بك شدة إلا رأيت المخرج منها‏.‏

قال‏:‏ فإذا قد رجعتم إلى رأيي فأدخلوا نعمكم شعب جبلة ثم اظمئوها هذه الأيام ولا توردوها الماء فإذا جاء القوم أخرجوا عليهم الإبل وانخسوها بالسيوف والرماح فتخرج مذاعير عطاشًا فتشغلهم وتفرق جمعهم واخرجوا أنتم في آثارها واشفوا نفوسكم‏.‏

ففعلوا ما أشار به‏.‏

وعاد كرب بن صفوان فلقي لقيطًا فقال له‏:‏ أنذرت القوم فأعاد الحلف له أنه لم يكلم أحدًا منهم فخلى عنه‏.‏

فقالت دخنتوس ابنة لقيط لأبيها‏:‏ ردني إلى أهلي ولا تعرضني لعبس وعامر فقد أنذرهم لا محالة‏.‏

فاستحمقها وساءه كلامها وردها‏.‏

وسار حتى نزل على فم الشعب بعساكر جرارة كثيرة الصواهل وليس لهم هم إلا الماء فقصدوه‏.‏

فقال لهم قيس‏:‏ أخرجوا عليهم الآن الإبل ففعلوا ذلك فخرجت الإبل مذاعير عطاشًا وهم في أعراضها وأدبارها فخبطت تميمًا ومن معها وقطعتهم وكانوا في الشعب وأبرزتهم إلى الصحراء على غير تعبية‏.‏

وشغلوا عن الاجتماع إلى ألويتهم وحملت عيهم عبس وعامر فاقتتلوا قتالًا شديدًا وكثرت القتلى في تميم وكان أول من قتل من رؤسائهم عمرو بن الجون وأسر معاوية بن الجون وعمرو بن عمرو بن عدس زوج دخنتوس بنت لقيط وأسر حاجب ابن زرارة وانحاز لقيط بن زرارة فدعا قومه وقد تفرقوا عنه فاجتمع إليه نفر يسير فتحرز برايته فوق جرف ثم حمل فقتل فيهم ورجع وصاح‏:‏ أنا لقيط وحمل ثانيةً فقتل وجرح وعاد فكثر جمعه فانحط الجرف بفرسه وحمل عليه عنترة فطعنه طعنة قصم بها صلبه وضربه قيس بالسيف فألقاه متشحطًا في دمه فذكر ابنته دخنتوس فقال‏:‏ يا ليت شعري عنك دخنتوس إذا أتاها الخبر المرموس أتحلق القرون أم تميس لا بل تمس إنّها عروس ثم مات وتمت الهزيمة على تميم وغطفان ثم فدوا حاجبًا بخمسمائة من الإبل وفدوا عمرو بن عمرو بمائتين من الإبل وعاد من سلم إلى أهله‏.‏

وقالت دختنوس ترثي أباها قصائد منها‏:‏ عثر الأغرّ بخير خن دف كهلها وشبابها وأضرّها لعدوّها وأفكّها لرقابها وقريعها ونجيبها في المطبقات ونابها وأتّمها نسبًا إذا رجعت إلى أنسابها فرعى عمودًا للعشي رة رافعًا لنصابها ويعولها ويحوطها ويذبّ عن أحسابها ويطا مواطن للعد وّ فكان لا يمشى بها فعل المدلّ من الأسود لحينها وتبابها كالكوكب الدّرّيّ في سماء لا يخفى بها عبث الأغرّ به وك لّ منيّة لكتابها فرّت بنو أسد فرا ر الطير عن أربابها وهوازنٌ أصحابهم كالفأر في أذنابها وذكر محمد بن إسحاق في يوم جبلة غير ما ذكرنا قال‏:‏ كان سببه أن بني خندف كان لهم على قيس أكلٌ تأكله القعدد من خندف فكان ينتقل فيهم حتى انتهى إلى تميم ثم من تميم إلى بني عمرو بن تميم وهم أقل بطن منهم وأذله فأبت قيس أن تعطي الأكل وامتنعت منه فجمعت تميم وحالفت غيرها من العرب وساروا إلى قيس فذكر القصة نحو ما تقدم وخالف في البعض وقد قال بعض العلماء إن المجوسية كان يدين بها بعض العرب بالبحرين وكان زرارة عدس وابناه حاجب ولقيط والأقرع بن حابس وغيرهم مجوسًا وإن لقيطًا تزوج ابنته دختنوس وسماها بهذا الاسم الفارسي وإنه قتل وهي تحته فقال في ذلك‏:‏ يا ليت شعري عنك دختنوس الأبيات‏.‏

والأول أصح والله أعلم‏.‏

 

يوم ذات نكيف

كان بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة مبغضين لقريش مضطغنين عليهم ما كان من قصي حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة حين قسمها رباعًا وخططًا بين قريش‏.‏

فلما كانوا على عهد عبد المطلب هموا بإخراج قريش من الحرم وأن يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه وعدت بنو بكر على نعمٍ لبني الهون بن خزيمة فاطردوها ثم جمعوا جموعهم وجمعت قريش جموعهم واستعدت وعقد عبد المطلب الحلف بين قريش والأحابيش وهم بنو الحارث بن عبد مناة وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق من خزاعة فلقوا بني بكر ومن انضم إليهم وعلى الناس عبد المطلب فاقتتلوا بذات نكيف فانهزم بنو بكر وقتلوا قتلًا ذريعًا فلم يعودوا لحرب فللّه عينا من رأى من عصابة غوت غيّ بكر يوم ذات نكيف أناخوا إلى أبياتنا ونسائنا فكانوا لنا ضيفًا بشرّ مضيف فقتل يومئذ عبد بن السفاح القاري من القارة قتادة بن قيس أخا بلعاء ابن قيس واسم بلعاء مساحق‏.‏

ويومئذ قيل‏:‏ قد أنصف القارة من راماها والقارة من ولد الهون بن خزيمة وهو من ولد عضل بن الدّيش قال رجل منهم‏:‏ دعونا قارةً لا تنفرونا فنجفل مثل إجفال الظليم وقيل‏:‏ بهذا البيت سموا قارةً وكان يقال للقارة رماة الحدق‏.‏

 ذكر الفجار الأول والثاني

أما الفجار الأول فلم يكن فيه كثير أمرٍ ليذكر وإنما ذكرناه لئلا يرى ذكر الفجار الثاني وما كان فيه من الأمور العظيمة فيظن أن الأول مثله وقد أهملناه فلهذا ذكرناه‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ كان الفجار الأول بين قريش ومن معها من كنانة كلها وبين قيس عيلان‏.‏

وسببه أن رجلًا من كنانة كان عليه دين لرجل من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن فأعدم الكناني فوافى النصري سوق عكاظ بقرد وقال‏:‏ من يبيعني مثل هذا بما لي على فلان الكناني فعل ذلك تعييرًا للكناني وقومه فمر به رجلٌ من كنانة فضرب القرد بالسيف فقتله أنفةً مما قال النصري فصرخ النصري في قيس وصرخ الكناني في كنانة فاجتمع الناس وتحاوروا حتى كاد يكون بينهم القتال ثم اصطلحوا‏.‏

وقيل‏:‏ كان سببه أن فتيةً من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر وهي وضيئة عليها برقع فقالوا لها‏:‏ اسفري لننظر إلى وجهك‏:‏ فلم تفعل‏.‏

فقال غلام منهم فشك ذيك درعها إلى ظهرها ولم تشعر فلما قامت انكشفت دبرها فضحكوا وقالوا‏:‏ منعتنا النظر إلى وجهك فقد نظرنا إلى دبرك‏.‏

فصاحت المرأة‏:‏ يا بني عامر فضحت‏!‏ فأتاها الناس واشتجروا حتى كاد يكون قتال ثم رأوا أن الأمر يسير فاصطلحوا‏.‏

وقيل‏:‏ بل قعد رجل من بني غفار يقال له أبو معشر بن مكرز وكان عازمًا منيعًا في نفسه وكان بسوق عكاظ فمد رجله ثم قال‏:‏ نحن بنو مدركة بن خندف من يطعنوا في عينه لا يطرف ومن يكونوا قومه يغطرف كأنّه لجّة بحر مسرف أنا والله أعز العرب فمن زعم أنه أعز مني فليضربها بالسيف‏.‏

فقام رجل من قيس يقال له أحمر بن مازن فضربها بالسف فخرشها خرشًا غير كثير فاختصم الناس ثم اصطلحوا‏.‏

بنو نصر بالنون‏.‏وأما الفجار الثاني وكان بعد الفيل بعشرين سنة وبعد موت عبد المطلب باثنتي عشرة سنة ولم يكن في أيام العرب أشهر منه ولا أعظم فإنما سمي الفجار لما استحل الحيان كنانة وقيس فيه من المحارم وكان قبله يوم جبلة وهو مذكور من أيام العرب والفجار أعظم منه‏.‏

وكان سببه أن البراض بن قيس بن رافع الكناني ثم الضمري كان رجلًا فاتكًا خليعًا قد خلعه قومه لكثرة شره وكان يضرب المثل بفتكه فيقال‏:‏ أفتك من البراض‏.‏

قال بعضهم‏:‏ والفتى من تعرّفته الليلة فهو فيها كالحّية النضناض كلّ يوم له بصرف الليالي فتكةٌ مثل فتكة البرّاض فخرج حتى قدم على النعمان بن المنذر وكان النعمان يبعث كل عام بلطيمة للتجارة إلى عكاظ تباع له هناك وكان عكاظ وذو المجاز ومجنة أسواقًا تجتمع بها العرب كل عام إذا حضر الموسم فيأمن بعضهم بعضًا حتى تنقضي أيامها وكانت مجنة بالظهران وكانت عكاظ بين نخلة والطائف وكان ذو المجاز بالجانب الأيسر إذا وقفت على الموقف فقال النعمان وعنده البراض وعروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب المعروف بالرحال وإنما قيل له ذلك لكثرة رحلته إلى الملوك‏:‏ من يجيز لي لطيمتي هذه حتى يبلغها عكاظ فقال البراض‏:‏ أنا أجيزها أبيت اللعن على كنانة‏.‏

فقال النعمان‏:‏ إنما أريد من يجيزها على كنانة وقيس‏!‏ فقال عروة‏:‏ أكلبٌ خليع يجيزها لك أبيت اللعن‏!‏ أنا أجيزها على أهل الشيح والقيصوم من أهل تهامة وأهل نجد‏.‏

فقال البراض وغضب‏:‏ وعلى كنانة تجيزها يا عروة قال عروة‏:‏ وعلى الناس كلهم‏.‏

فدفع النعمان اللطيمة إلى عروة الرحال وأمره بالمسير بها وخرج البراض يتبع أثره وعروة يرى مكانه ولا يخشى منه حتى إذا كان عروة بين ظهري قومه بوادٍ يقال له تيمن ينواحي فدك أدركه البراض بن قيس فأخرج قداحه يستقسم بها في قتل عروة فمر به عروة فقال‏:‏ ما تصنع يا براض فقال‏:‏ أستقسم في قتلك أيؤذن لي أم لا‏.‏

فقال عروة‏:‏ استك أضيق من ذلك‏!‏ فوثب إليه البراض بالسيف فقتله‏.‏

فلما رآه الذين يقومون على العير والأحمار قتيلًا انهزموا فاستاق البراض العير وسار على وجهه إلى خيبر وتبعه رجلان من قيس ليأخذاه أحدهما غنوي والآخر غطفاني اسم الغنوي أسد ابن جوين واسم الغطفاني مساور بن مالك فلقيهما البراض بخيبر أول الناس فقال لهما‏:‏ من الرجلان قالا‏:‏ من قيس قدمنا لنقتل البراض‏.‏

فأنزلهما وعقل راحلتيهما ثم قال‏:‏ أيكما أجرأ عليه وأجود سيفًا قال الغطفاني‏:‏ أنا‏.‏

فأخذه ومشى معه ليدله بزعمه على البراض فقال للغنوي‏:‏ احفظ راحلتيكما ففعل وانطلق البراض بالغطفاني حتى أخرجه إلى خربة في جانب خيبر خارجًا من البيوت فقال للغطفاني‏:‏ هو في هذه الخربة إليها يأوي فأمهلني حتى أنظر أهو فيها‏.‏

فوقف ودخل البراض ثم خرج فقال‏:‏ هو فيها وهو نائم فأرني سيفك حتى أنظر إليه أضاربٌ هو أم لا فأعطاه سيفه فضربه به حتى قتله ثم أخفى السيف وعاد إلى الغنوي فقال له‏:‏ لم أر رجلًا أجبن من صاحبك تركته في البيت الذي فيه البراض وهو نائم فلم يقدم عليه‏.‏

فقال‏:‏ انظر لي من يحفظ الراحلتين حتى أمضي إليه فأقتله‏.‏

فقال‏:‏ دعهما وهما علي ثم انطلقا إلى الخربة فقتله وسار بالعير إلى مكة فلقي رجلًا من بني أسد بن خزيمة فقال له البراض‏:‏ هل لك إلى أن أجعل لك جعلًا أن تنطلق إلى حرب بن أمية وقومي فإنهم قومي وقومك لأن أسد بن خزيمة من خندف أيضًا فتخبرهم أن البراض بن قيس قتل عروة الرحال فليحذروا قيسًا‏!‏ وجعل له عشرًا من الإبل‏.‏

فخرج الأسدي حتى أتى عكاظ وبها جماعة من الناس فأتى حرب بن أمية فأخبره الخبر فبعث إلى عبد الله بن جدعان التيمي وإلى هشام بن المغيرة المخومي وهو والد أبي جهل وهما من أشراف قريش وذوي السن منهم وإلى كل قبيلة من قريش أحضر منها رجلًا وإلى الحليس بن يزيد الحارثي وهو سيد الأحابيش فأخبرهم أيضًا‏.‏

فتشاوروا وقالوا‏:‏ نخشى من قيس أن يطلبوا ثأر صاحبهم منا فإنهم لا يرضون أن يقتلوا به خليعًا من بني ضمرة‏.‏

فاتفق رأيهم على أن يأتوا أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ملاعب الأسنة وهو يومئذ سيد قيس وشريفها فيقولوا له‏:‏ إنه قد كان حدث بين نجد وتهامة وإنه لم يأتنا علمه فأجز بين الناس حتى تعلم وتعلم‏.‏فأتوه وقالوا له ذلك فأجاز بين الناس وأعلم قومه ما قيل له ثم قام نفر من قريش فقالوا‏:‏ يا أهل عكاظ إنه قد حدث في قومنا بمكة حدثٌ أتانا خبره ونخشى إن تخلفنا عنهم أن يتفاقم الشر فلا يروعنكم تحملنا‏.‏

ثم ركبوا على الصعب والذلول إلى مكة‏.‏

فلما كان آخر اليوم أتى عامر بن مالك ملاعب الأسنة الخبر فقال‏:‏ غدرت قريش وخدعني حرب بن أمية والله لا تنزل كنانة عكاظ أبدًا‏.‏

ثم ركبوا في طلبهم حتى أدركوهم بنخلة فاقتتل القول فاشتعلت قيس فكادت قريش تنهزم إلا أنها على حاميتها تبادر دخول الحرم ليأمنوا به‏.‏

فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا الحرم مع الليل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم وعمره عشرون سنة‏.‏

وقال الزهري‏:‏ لم يكن معهم ولو كان معهم لم ينهزموا وهذه العلة ليست بشيء لأنه قد كان بعد الوحي والرسالة ينهزم أصحابه ويقتلون وإذا كان في جمع قبل الرسالة وانهزموا فغير بعيد‏.‏

ولما دخلت قريش الحرم عادت عنهم قيس وقالوا لهم‏:‏ يا معشر قريش إنا لا نترك دم عروة وميعادنا عكاظ في العام المقبل وانصرفت إلى بلادها يحرض بعضها بعضًا ويبكون عروة الرحال‏.‏

 

يوم شمطة

ثم إن قيسًا جمعت جموعها ومعها ثقيف غيرها وجمعت قريش جموعها منهم كنانة جميعها والأحابيش وأسد بن خزيمة وفرقت قريش السلاح في الناس فأعطى عبد الله بن جدعان مائة رجل سلاحًا تامًا وفعل الباقون مثله‏.‏وخرجت قريش للموعد على كل بطن منها رئيس فكان على بني هاشم الزبير بن عبد المطلب ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوته أبو طالب وحمزة والعباس بنو عبد المطلب وعلى بني أمية وأحلافها حرب ابن أمية وعلى بني عبد الدار عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وعلى بني أسد بن عبد العزى خويلد بن أسد وعلى بني مخزوم هشام بن المغيرة أبو أبي جهل وعلى بني تيم عبد الله بن جدعان وعلى بني جمح معمر ابن حبيب بن وهب وعلى بني سهم العاصب بن وائل وعلى بني عدي زيد ابن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد وعلى بني عامر بن لؤي عمرة بن عبد شمس والد سهيل بن عمرو وعلى بني فهر عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة وعلى الأحابيش الحليس بن يزيد وسفيان بن عويف هما قائداهم والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة كنانة وعضل والقارة الديش من بني الهون بن خزيمة والمصطلق بن خزاعة سموا بذلك لحلفهم بني الحارث والتحبش التجمع وعلى بني بكر بلعاء بن قيس وعلى بني فراس بن غنم من كنانة عمير بن قيس جذل الطعان وعلى بني أسد بن خزيمة بشر بن أبي محازم وكان على جماعة الناس حرب بن أمية لمكانة من عبد مناف سنًا ومنزلةً‏.‏

وكانت قيس قد تقدمت إلى عكاظ قبل قريش فعلى بني عامر ملاعب الأسنة أبو براء وعلى بني نصر وسعد وثقيف سبيع بن ربيع بن معاوية وعلى بني جشم الصمة والد دريد وعلى غطفان عوف بن أبي حارثة المري وعلى بني سليم عباس بن زعل بن هني بن أنس وعلى فهم وعدوان كدام بن عمرو‏.‏

وسارت قريش حتى نزلت عكاظ وبها قيس‏.‏

وكان مع حرب بن أمية إخوته سفيان وأبو سفيان والعاص وأبو العاص بنو أمية فعقل حربٌ نفسه وقيد سفيان وأبو العاص نفسيهما وقالوا‏:‏ لن يبرح رجل منا مكانه حتى نموت أو نظفر فيومئذ سموا العنابس والعنبس الأسد‏.‏

واقتتل الناس قتالًا شديدًا فكان الظفر أول النهار لقيس وانهزم كثير من بني كنانة وقريش فانهزم بنو زهرة وبنو عدي وقتل معمر بن حبيب الجمحي وانهزمت طائفة من بني فراس وثبت حرب بن أمية وبنو عبد مناف وسائر قبائل قريش ولم يزل الظفر لقيس على قريش وكنانة إلى أن انتصف النهار‏.‏

ثم عاد الظفر لقريش وكنانة فقتلوا من قيس فأكثروا وحمي القتال واشتد الأمر فقتل يومئذ تحت راية بني الحاث بن عبد مناة بن كنانة مائة رجل وهم صابرون فانهزمت قيس وقتل من أشرافهم عباس ابن زعل السلمي وغيره‏.‏

فلما رأى أبو السيد عم مالك بن عوف النصري ما تصنع كنانة من القتل نادى‏:‏ يا معشر بني كنانة أسرفتم في القتل‏.‏

فقال ابن جدعان‏:‏ إنا معشر يسرف‏.‏

ولما رأى سبيع بن ربيع بن معاوية هزيمة قبائل قيس عقل نفسه واضطجع وقال‏:‏ يا معشر بني نصر قاتلوا عني أو ذروا‏.‏

فعطفت عليه بنو نصر وجشم وسعد بن بكر وفهم وعدوان وانهزم باقي قبائل قيس فقاتل هؤلاء أشد قتال رآه الناس‏.‏

ثم إنهم تداعوا إلى الصلح فاصطلحوا على أن يعدوا القتلى فأي الفريقين فضل له قتلى أخذ ديتهم من الفريق الآخر فتعادوا القتلى فوجدوا قريشًا وبني كنانة قد أفضلوا على قيس عشرين رجلًا فوهن حرب بن أمية يومئذ ابنه أبا سفيان في ديات القوم حتى يؤديها ورهن غيره من الرؤساء وانصرف الناس بعضهم عن بعض ووضعوا الحرب وهدموا ما بينهم من العداوة والشر وتعاهدوا على أن لا يؤذي بعضهم بعضًا فيما كان من أمر البراض وعروة‏.‏

 يوم ذي نجب

وكان من حديث يوم ذي نجب أن بني عامر لما أصابوا من تميم ما أصابوا يوم جبلة رجوا أن يستأصلوهم فكاتبوا حسان بن كبشة الكندي وكان ملكًا من ملوك كندة وهو حسان بن معاوية بن حجر فدعوه إلى أن يغزو معهم بني حنظلة من تميم فأخبروه أنهم قد قتلوا فرسانهم ورؤساءهم فأقبل معهم بصنائعه ومن كان معه‏.‏

فلما أتى بني حنظلة خبر مسيرهم قال لهم عمرو بن عمرو‏:‏ يا بني مالك إنه لا طاقة لكم بهذا الملك وما معه من العدد فانتقلوا من مكانكم وكانوا في أعالي الوادي مما يلي مجيء القوم وكانت بنو يربوع بأسفله فتحولت بنو مالك حتى نزلت خلف بني يربوع وصارت بنو يربوع تلي الملك‏.‏

فلما رأوا ما صنع بنو مالك استعدوا وتقدموا إلى طريق الملك‏.‏

فلما كان وجه الصبح وصل ابن كبشة فيمن معه وقد استعد القوم فاقتتلوا‏.‏

فلما رآهم بنو مالك وصبرهم في القتال ساروا إليهم وشهدوا معهم القتال فاقتتلوا مليًا فضرب حشيش بن نمران الرياحي ابن كبشة الملك على رأسه فصرعه فمات وقتل عبيدة بن مالك بن جعفر وانهزم طفيل بن مالك على فرسه قرزل وقتل عمرو بن الأحوص بن جعفر وكان رئيس عامر وانهزمت بنو عامر وصنائع ابن كبشة‏.‏

قال جرير في الإسلام يذكر اليوم بذي نجب‏:‏ بذي نجبٍ ذدنا وواكل مالك أخًا لم يكن عند الطّعان بواكل وكان يوم ذي نجب بعد يوم جبلة بسنة‏.‏

وبقي الأحوص بعد ابنه عمرو يسيرًا وهلك أسفًا عليه‏.‏

يوم نعف قشاوة وهو يوم لشيبان على تميم‏:‏ قال أبو عبيدة‏:‏ أغار بسطام بن قيس على بني يربوع من تميم وهم بنعف قشاوة فاهم ضحىً وهو يوم ريح ومطر فوافق النعم حين سرح فأخذه كله ثم كر راجعًا وتداعت عيله بنو يربوع فلحقوه وفيهم عمارة بن عتيبة بن الحارث بن شهاب فكر عليه بسطام فقتله ولحقهم مالك بن حطان اليربوعي فقتله وأتاهم أيضًا بجير بن أبي مليل فقتله بسطام وقتلوا من يربوع جمعًا وأسروا آخرين منهم‏:‏ مليل بن أبي مليل وسلموا وعادوا غانمين‏.‏

فقال بعض الأسرى لبسطام‏:‏ أيسرك أن أبا مليل مكاني قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فإن دللتك عليه أتطلقني الآن قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فإن ابنه بجيرًا كان أحب خلق الله إليه وستجده الآن مكبًا عليه يقبله فخذه أسيرًا‏.‏

فعاد بسطام فرآه كما قال فأخذه أسيرًا وأطلق اليربوعي‏.‏

فقال له أبو مليل‏:‏ قتلت بجيرًا وأسرتني وابني مليلًا‏!‏ والله لا أطعم الطعام أبدًا وأنا موثق‏.‏

فخشي بسطام أن يموت فأطلقه بغير فداء على أن يفادي مليلًا وعلى أن لا يتبعه بدم ابنه بجير ولا يبغيه غائلة ولا يدل له على عورة ولا يغير عليه ولا على قومه أبدًا وعاهده على ذلك فأطلقه وجز ناصيته فرجع إلى قومه وأراد الغدر ببسطام والنكث به فأرسل بعض بني يربوع إلى بسطام بخبره فحذره وقال متمم بن نويرة‏:‏ أبلغ شهاب بني بكرٍ وسيّدها عنيّ بذاك الصّهباء بسطاما أروي الأسنّة من قومي فأنهلها فأصبحوا في بقيع الأرض نوّاما أشجي تميم بن مرّ لا مكايدةً حتّى استعادوا له أسرى وأنعاما هلاّ أسيرًا فدتك النفس تطعمه ممّا أراد وقدمًا كنت مطعاما وهي أبيات عدة‏.‏

 

يوم الغبيط

وهو يوم كانت الحرب فيه بين بني شيبان وتميم أسر فيه بسطام بن قيس الشيباني‏.‏

وسبب ذلك أن بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك ومفروق بن عمرو ساروا فيجمع من بني شيبان إلى بلاد تميم فأغاروا على ثعلبة بن يربوع وثعلبة بن سعد بن ضبة وثعلبة بن عدي بن فزارة وثعلبة بن سعد بن ذبيان وكانوا متجاورين بصحراء فلج فاقتتلوا فانهزمت الثعالبة وقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم بنو شيبان أموالهم ومروا على بني مالك بن حنظلة من تميم وهم بين صحراء فلج وغبيط المدرة فاستاقوا إبلهم‏.‏

فركبت إليهم بنو مالك يقدمهم عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي وفرسان بني يربوع وساروا في أثر بني شيبان ومعه من رؤساء تميم الأحيمر بن عبد الله وأسيد بن جباة وحر بن سعد ومالك بن نويرة فأدركوهم بغبيط المدرة فقاتلوهم‏.‏

وصبر الفريقان ثم انهزمت شيبان واستعادت تميم ما كانوا غنموه من أموالهم وقتلت بنو شيبان أبا مرحب ربيعة بن حصية وألح عتيبة بن الحارث على بسطام بن قيس فأدركه فقال له‏:‏ استأسر أبا الصهباء فأنا خير لك من الفلاة والعطش‏.‏

فاستأسر له بسطام بن قيس‏.‏

فقال بنو ثعلبة لعتيبة‏:‏ إن أبا مرحب قد قتل وقد أسرت بسطامًا وهو قاتل مليل وبجير ابني أبي مليل ومالك بن حطان وغيرهم فاقتله‏.‏

قال‏:‏ إني معيل وأنا أحب اللبن‏.‏

قالوا‏:‏ إنك تفاديه فيعود فيحربنا مالنا فأبى عليهم وسار به إلى بني عامر بن صعصعة لئلا يؤخذ فيقتل وإنما قصد عامرًا لأن عمته خولة بنت شهاب كانت ناكحًا فيهم فقال مالك بن نويرة في ذلك‏:‏ لله عتّاب بن ميّة إذا رأى إلى ثأرنا في كفّه يتلدّد أتحيي امرًا أردى بجيرًا ومالكًا وأتوى حريثًا بعدما كان يقصد ونحن ثأرنا قبل ذاك ابن أمّه غداة الكلابيّين والجمع يشهد ونحن توسط عتيبة بيوت بني عامر صاح بسطام‏:‏ واشيباناه‏!‏ ولا شيبان لي اليوم‏!‏ فبعث إليه عامر بن الطفيل‏:‏ إن استطعت أن تلجأ إلى قبتي فافعل فإني سأمنعك وإن لم تستطع فاقذف نفسك في الركي‏.‏

فأتى عتيبة تابعه من الجن فأخبره بذلك فأمر ببيته فقوض‏.‏

فركب فرسه وأخذ سلاحه ثم أتى ملجس بني جعفر وفيه عامر بن الطفيل الغنوي فحياهم وقال‏:‏ يا عامر قد بلغني الذي أسلت به إلى بسطام فأنا مخيرك فيه خصالًا ثلاثًا‏.‏

فقال عامر‏:‏ وما هي قال‏:‏ إن شئت فأعطني خلعتك وخلعة أهل بيتك حتى أطلقه لك فليست خلعتك وخلعة أهل بيتك بشر من خلعته وخلعة أهل بيته‏.‏

فقال عامر‏:‏ هذا لا سبيل إليه‏.‏

قال عتيبة‏:‏ ضع رجلك مكان رجله فلست عندي بشر منه‏.‏

فقال‏:‏ ما كنت لأفعل قال عتيبة‏:‏ تتبعني إذا جاوزت هذه الرابية فتقارعني عنه على الموت‏.‏

فقال عامر‏:‏ هذه أبغضهن إلي‏.‏

فانصرف به عتيبة إلى بني عبيد بن ثعلبة فرأى بسطام مركب أم عتيبة رثًا فقال‏:‏ يا عتيبة هذا رحل أمك قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ ما رأيت رحل أم سيدٍ قط مثل هذا‏.‏

فقال عتيبة‏:‏ واللات والعزى لا أطلقك حتى تأتيني أمك بحدجها وكان كبيرًا ذا ثمن كثيرٍ وهذا الذي أراد بسطام ليرغب فيه فلا يقتله‏.‏

فأرسل بسطام فأحضر حدج أمه وفادى نفسه بأربعمائة بعير وقيل‏:‏ بألف بعير وثلاثين فرسًا وهودج أمه وحدجها وخلص من الأسر‏.‏

فلما خلص من الأسر أذكى العيون على عتيبة وإبله فعادت إليه عيونه فأخبروه أنها على أرباب فأغار عليها وأخذ الإبل كلها وما لهم معها‏.‏

عتيبة بالتاء فوقها نقطتان والياء تحتها نقطتان ساكنة وفي آخرها باء موحدة‏.‏

 يوم لشيبان على بني تميم

قال أبو عبيدة‏:‏ خرج الأقرع بن حابس وأخوه فراس التميميان وهما الأقرعان في بني مجاشع من تميم وهما يريدان الغارة على بكر بن وائل ومعهما البروك أبو جعل فلقيهم بسطام بن قيس الشيباني وعمران ابن مرة في بني بكر بن وائل بزبالة فاقتتلوا قتالًا شديدًا ظفرت فيه بكر وانهزمت تميم وأسر الأقرعان وأبو جعل وناس كثير وافتدى الأقرعان نفسيهما من بسطام وعاهداه على إرسال الفداء فأطلقهما فبعدا ولم يرسلا شيئًا‏.‏

وكان في الأسرى إنسان من يربوع فسمعه بسطام من قيس في الليل يقول‏:‏ فدىً بوالدةٍ عليّ شفيقةً فكأنّها حرضٌ على الأسقام لو أنّها علمت فيسكن جأشها أنّي سقطت على الفتى المنعام سقط العشاء به على متنعّم سمح اليدين معاود الإقدام فلما سمع بسطام ذلك منه قال له‏:‏ وأبيك لا يخبر أمك عنك غيرك‏!‏ وأطلقه وقال ابن رميض العنزي‏:‏ جاءت هدايا من الرحمان مرسلة حتّى أنيخت لدى أبيات بسطام جيش الهذيل وجيش الأقرعين معًا وكبّة الخيل والأذواد في عام مسوّم خيله تعدو مقانبه على الذوائب من أولاد همّام وقال أوس بن حجر‏:‏ فلم أر يومًا كان أكثر باكيًا ووجهًا ترى فيه الكآبة تجنب أصابوا البروك وابن حابس عنوةً فظلّ لهم بالقاع يومٌ عصبصب وإنّ أبا الصهباء في حومة الوغى إذا ازورّت الأبطال ليثٌ مجرّب وأبو الصهباء هو بسطام بن قيس‏.‏

وأكثر الشعراء في هذا اليوم في مدح بسطام بن قيس تركنا ذكره اختصارًا‏.‏

حجر بفتح الحاء والجيم‏.‏

 

يوم مبايض وهو لشيبان على بني تميم‏‏

قال أبو عبيدة‏:‏ حج طرف بن تميم العنبري التميمي وكان رجلًا جسيمًا يلقب مجدعًا وهو فارس قومه ولقيه حمصيصة بن جندل الشيباني من بني أبي ربيعة وهو شاب قوي شجاع وهو يطوف بالبيت فأطال النظر إليه فقال له طريف‏:‏ لم تشد نظرك إلي قال حمصيصة‏:‏ أريد أن أثبتك لعلي أن ألقاك في جيش فأقتلك‏.‏

فقال طريف‏:‏ اللهم لا تحول الحول حتى ألقاه‏!‏ ودعا حمصيصة مثله فقال طريف‏:‏ أوكلّما وردت عكاظ قبيلةٌ بعقوا إليّ عريفهم يتوسّم حولي فوارس من أسيد جمّةٌ ومن الهجيم وحول بيتي خصّم تحتي الأغرّ وفوق جلدي نثرةٌ زغفٌ تردّ السيف وهو مثلّم في أبيات‏.‏

ثم إن بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وبني مرة بن ذهل بن شيبان كان بينهم شر وخصام فاقتتلوا شيئًا من قتال ولم يكن بينهم دم‏.‏

فقال هانئ بن مسعود رئيس بني أبي ربيعة لقومه‏:‏ إني أكره أن يتفاقم الشر بيننا فارتحل بهم فنزل على ماء يقال له بمائض وهو قريب من مياه بني تميم فأقاموا عليه أشهرًا وبلغ خبرهم بني تميم فأرسل بعضهم إلى بعض وقالوا‏:‏ هذا حي منفرد وإن اصطلمتموهم أوهنتم بكر بن وائل‏.‏

واجتمعوا وساروا على ثلاثة رؤساء‏:‏ أبو الجدعاء الطهوي على بني حنظلة وابن فدكى المنقري على بني سعد وطريف بن تميم على بني عمرو بن تميم‏.‏

فلما قاربوا بني أبي ربيعة بلغهم الخبر فاستعدوا للقتال فخطبهم هانئ بن مسعود وحثهم على القتال فقال‏:‏ إذا أتوكم فقاتلوهم شيئًا من قتال ثم انحازوا عنهم فإذا اشتغلوا بالنهب فعودوا إليهم فإنكم تصيبون منهم حاجتكم‏.‏

وصبحهم بنو تميم والقوم حذرون فاقتتلوا قتالًا شديدًا وفعلت بنو شيبان ما أمرهم هانئ‏.‏

فاشتغلت تميم بالغنيمة ومر رجل منهم بابنٍ لهانئ بن مسعود صبي فأخذه وقال‏:‏ حسبي هذا من الغنيمة وسار به وبقيت تميم مع الغنيمة والسبي‏.‏

فعادت شيبان عليهم فهزموهم وقتلوهم وأسروهم كيف شاءوا ولم تصب تميم بمثلها لم يفلت منهم إلا القليل ولم يلو أحد على أحد وانهزم طريف فاتبعه حمصيصة فقتله‏.‏

واستردت شيبان الأهل والمال وأخذوا مع ذلك ما كان معهم وفادى هانئ بن مسعود ابنه بمائة بعير وقال بعض شيبان في هذا اليوم‏:‏ ولقد دعوت طرف دعوة جاهلٍ غرٍّ وأنت بمنظر لا تعلم وأتيت حيًّا في الحروب محلّهم والجيش باسم أبيهم يستهزم فوجدتهم يرعون حول ديارهم بسلًا إذا حام الفوارس أقدموا وإذا اعتزوا بأبي ربيعة أقبلوا بكتيبة مثل النجوم تلملم ساموك درعك والأغرّ كليهما وبنو أسيدٍ أسلموك وخصّم وقال عمرو بن سواد يرثي طريفًا‏:‏ لا تبعدن يا خير عمرو بن جندب لعمري لمن زار القبور ليبعدا عظيم رماد النار لا متعبّسًا ولا مؤيسًا منها إذا هو أوقدا وما كان وقّافًا إذا الخيل أحجمت وما كان مبطانًا إذا ما تجرّدا قال أبو عبيدة‏:‏ كانت بكر بن وائل قد أجدبت بلادهم فانتجعوا بلاد تميم بين ليمامة وهجر فلما تدانوا جعلوا لا يلقى بكري تميميًا إلا قتله ولا يلقى تميمي بكريًا إلا قتله إذا أصاب أحدهما مال الآخر أخذه حتى تفاقم الشر وعظم‏.‏

فخرج الحوفزان بن شريك والوادك بن الحارث الشيبانيان ليغيرا على بني دارم فاتفق أن تميمًا في تلك الحال اجتمعت في جمع كثير من عمرو بن حنظلة والرباب وسعد وغيرها وسارت إلى بكر بن وائل وعلى تميم أبو الرئيس الحنظلي‏.‏

فبلغ خبرهم بكر بن وائل فتقدموا وعليهم الأصم عمرو بن قيس بن مسعود أبو مفروق وحنظلة بن سيار العجلي وحمران ابن عبد عمرو العبسي فلما التقوا جعلت تميم والرباب بعيرين وجللوهما وجعلوا عندهما من يحفظهما وتركوهما بين الصفين معقولين وسموهما زويرين يعني‏:‏ إلهين وقالوا‏:‏ لا نفر حتى يفر هذان البعيران‏.‏

فلما رأى أبو مفروق البعيرين سأل عنهما فأعلم حالهما فقال‏:‏ أنا زويركم وبرك بين الصفين وقال‏:‏ قاتلوا عني ولا تفروا حتى أفر‏.‏

فاقتتل الناس قتالًا شديدًا فوصلت شيبان إلى البعيرين فأخذوهما فذبحوهما‏.‏

واشتد القتال عليهما فانهزمت تميم وقتل أبو الرئيس مقدمهم ومعه بشر كثير واجترفت بكر أموالهم ونساءهم وأسروا أسرى كثيرة ووصل الحوفزان إلى النساء والأموال وقد سار الرجال عنها للقتال فأخذ جميع ما خلفوه من النساء والأموال وعاد إلى أصحابه سالمًا وقال الأعشى في ذلك اليوم‏:‏ نحن الذين هزمنا يوم صبّحنا يوم الزّويرين في جمع الأحاليف ظلّوا وظلّت تكرّ الخيل وسطهم بالشيّب منّا والمرد الغطاريف تستأنس الشرف الأعلى بأعينها لمح الصقور علت فوق الأظاليف انسلّ عنها بسيل الصّيل فانجردت تحت اللّبود متونٌ كالزحاليف وقد أكثر الشعراء في هذا اليوم لا سيما الأغلب العجلي فمن ذلك أرجوزته التي أولها‏:‏ إن سرّك العزّ فجحجح بحشم يقول فيها‏:‏ جاؤوا بزويريهم وجئنا بالأصمّ شيخ لنا كالليث من باقي إرم شيخٌ لنا معاودٌ ضرب البهم يضرب بالسيف إذا الرمح انقصم هل غير غارٍ صكّ غارًا فانهزم الغاران‏:‏ بكر وتميم‏.‏

وله الأرجوزة التي أولها‏:‏ يا ربّ حربٍ ثرّة الأخلاف يذكر فيها هذا اليوم‏.‏قال أبو عبيدة‏:‏ أغار حاتم طيئ بجيش من قومه على بكر بن وائل فقاتلوهم وانهزمت طيئ وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة وكان في الأسرى حاتم ابن عبد الله الطائي فبقي موثقًا عند رجل من عنيزة فأتته امرأة منهم اسمها عالية بناقة فقالت له‏:‏ افصد هذه فنحرها فلما رأتها منحورة صرخت فقال حاتم‏:‏ عالي لا تلتدّ من عاليه إنّ الذي أهلكت من ماليه إنّ ابن أسماء لكم ضامن حتّى يؤدّي آنسٌ ناويه لا أفصد الناقة في أنفها لكنّني أوجرها العاليه إنّي عن الفصد لفي مفخر يكره منّي المفصد الآليه والخيل إن شمّص فرسانها تذكر عند الموت أمثاليه وقال رميض العنزي يفتخر‏:‏ ونحن أسرنا حاتمًا وابن ظالم فكلٌّ ثوى في قيدنا وهو يخشع وكعبّ إياد قد أسرنا وبعده أسرنا أبا حسّان والخيل تطمع وريّان غادرنا بوجٍّ كأنّه وأشياعه فيها صريمٌ مصرّع وقال يحيى بن منصور الذهلي قصيدةً يفتخر بأيام قومه وهي طويلة وفيها آداب حسنة أمن عرفان منزلةٌ ودارٌ تعاورها البوارح والسواري وقال أبو عبيدة‏:‏ جاء الإسلام وليس في العرب أحدٌ أعز دارًا ولا أمنع جارًا ولا أكثر حليفًا من شيبان‏.‏

كانت عنينة من لخم في الأحلاف وكانت درمكة بن كندة في بني هند وكانت عكرمة من طيئ وحوتكة من عذرة وبنانة كل هؤلاء في بني الحارث بن همام وكانت عائذة من قريش وضبة وحواس من كندة هؤلاء في بني أبي ربيعة وكانت سليمة من بني عبد القيس في بني أسعد بن همام وكانت وثيلة من ثعلبة وبنو خيبري من طيئ في بني تميم بن شيبان وكانت عوف بن حارث من كندة في بني محلم‏.‏

كل هذه قبائل وبطون جاورت شيبان فعزت بها وكثرت‏.‏

 يوم مسحلان

قال أبو عبيدة‏:‏ غزا ربيعة بن زياد الكلبي في جيش من قومه فلقي جيشًا لبني شيبان عامتهم بنو أبي ربيعة فاقتتلوا قتالًا شديدًا فظفرت بهم بنو شيبان وهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وذلك يوم مسحلان وأسروا ناسًا كثيرًا وأخذوا ما كان معهم‏.‏

وكان رئيس شيبان يومئذ حيان بن عبد الله بن قيس المحلمي وقيل‏:‏ كان رئيسهم زياد بن مرثد من بني أبي ربيعة سائل ربيعة حيث حلّ بجيشه مع الحيّ كلبٌ حيث لبّت فوارسه عشيّة ولّى جمعهم فتتابعوا فصار إلينا نهبه وعوانسه ثم إن الربيع بن زياد الكلبي نافر قومه وحاربهم فهزموه‏.‏

فاعتزلهم وسار حتى حل ببني شيبان فاستجار برجل اسمه زياد من بني أبي ربيعة فقتله بنو أسعد بن همام ثم إن شيبان حملوا ديته إلى كلب مائتي بعير فرضوا‏.‏

حرب لسليم وشيبان قال أبو عبيدة‏:‏ خرج جيش لبني سليم عليهم النصيب السلمي وهم يريدون الغارة على بكر بن وائل‏.‏

فلقيهم رجلٌ من بني شيبان اسمه صليع ابن عبد غنم وهو محرم على فرس له يسمى البحراء فقال لهم‏:‏ أين تذهبون قالوا‏:‏ نريد الغارة على بني شبان‏.‏

فقال لهم‏:‏ مهلًا فإني لكم ناصح إياكم وبني شيبان فإني أقسم لكم بالله لتأتينكم على ثلاثمائة فرس خصي سوى الفحول والإناث‏.‏

فأبوا إلا الغارة عليهم فدفع صليع فرسه ركضًا حتى أتى قومه فأنذرهم‏.‏

فركبت شيبان واستعدوا فأتاهم بنو سليم وهم معدون فاقتتلوا قتالًا شديدًا فظفرت شيبان وانهزمت سليم وقتل منهم مقتلة كثيرة وأسر منهم ناس كثير ولم ينج إلا القليل وأسر النصيب رئيسهم نهيت بني زعل غداة لقيتهم وجيش نصيب والظنون تطاع وقلت لهم‏:‏ إنّ الحريب وراكسًا به نعم ترعى المرار رتاع ولكنّ فيه الموت يرتع سربه وحقّ لهم أن يقبلوا ويطاعوا متى تأته تلقى على الماء حارثًا وجيشًا له يوفي بكلّ بقاع يوم جَدود وهو يوم بين بكر بن وائل وبني منقر من تميم‏.‏

وكان من حديثه أن الحوفزان واسمه الحارث بن شريك الشيباني كانت بينه وبين بني سليط ابن يربوع موادعة فهم بالغدر بهم وجمع بني شيبان وذهلًا واللهازم وعليهم حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو‏.‏

ثم غزا وهو يرجو أن يصيب غرة من بني يربوع‏.‏

فلما انتهى إلى بني يربوع نذر به عتيبة بن الحارث بن شهاب فنادى في قومه فحالوا بين الحوفزان وبين الماء وقال لعتيبة‏:‏ إني لا أرى معك إلا رهطك وأنا في طوائف من بني بكر فلئن ظفرت بكم قل عددكم وطمع فيكم عدوكم ولئن ظفرتم بي ما تقتلون إلا أقاصي عشيرتي وما إياكم أردت فهل لكم أن تسالمونا وتأخذوا ما معنا من التمر ووالله لا نروح يربوعًا أبدًا‏.‏

فأخذ ما معهم من التمر وخلى سبيلهم‏.‏

فسارت بكر حتى أغاروا على بني ربيع بن الحارث وهو مقاعس بجدود وإنما سمي مقاعسًا لأنه تقاعس عن حلف بني سعد فأغار عليهم وهم خلوفٌ فأصاب سبيًا ونعمًا فبعث بنو ربيع صريخهم إلى بني كليب فلم يجيبوهم فأتى الصريخ بني منقر بن عبيد فركبوا في الطلب فلحقوا بكر بن وائل وهم مقاتلون فما شعر الحوفزان وهو في ظل شجرة إلا بالأهتم بن سمي بن سنان المنقري واقفًا على رأسه فركب فرسه فنادى الأهتم‏:‏ يا آل سعد‏!‏ ونادى الحوفزان‏:‏ يا آل وائل‏!‏ ولحق بنو منقر فقاتلوا قتالًا شديدًا فهزمت بكر وخلوا السبي والأموال وتبعتهم منقر فمن قتيل وأسير وأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو ولم يكن لقيس بن عاصم المنقري همة إلا الحوفزان فتبعه على مهر والحوفزان على فرس فارج فلم يحلقه وقد قاربه‏.‏

فلما خاف أن يفوته حفزه بالرمح في ظهره فاحتفز بالطعنة ونجا فسمي يومئذ الحوفزان وقيل غير هذا‏.‏

وقال الأهتم في أسره حمران‏:‏ نيطت بحمران المنّية بعدما حشاه سنان من شراعة أزرق دعا يال قيسٍ واعتزيت لمنقر وكنت إذا لاقيت في الخيل أصدق وقال سوار بن حيان المنقري يفتخر على رجل من بكر‏:‏ ونحن حفزنا الحوفزان بطعنةٍ كسته نجيعًا من دم البطن أشكلا وحمران قسرًا أنزلته رماحنا فعالج غلًا في ذراعيه مثقلا قضى الله أنّا يبوم تقتسم العلى أحقّ بها منكم فأعطى فأجّزلا فلست بمسطيع السماء ولم تجد لعزٍّ بناه الله فوقك منقلا منقر بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف وربيع بضم الراء وفتح الباء الموحدة‏.‏

 

يوم الإياد

وهو يوم أعشاش ويوم العظالى وإنما سمي يوم العظالى لأن بسطام بن قيس وهانئ بن قبيصة ومفروق ابن عمرو تعاظلوا على الرياسة وكانت بكر تحت يد كسرى وفارس وكانوا يقرونهم ويجهزونهم فأقبلوا من عند عامل عين التمر في ثلاثمائة متساندين وهم يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن فاجتمع بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد في الحزن‏.‏

فحلت بنو زبيد الحديقة وحلت بنو عتيبة وبنو عبيد روضة الثمد فأقبل جيش بكر حتى نزلوا حضبة الحصى فرأى بسطام السواد بالحديقة وثم غلامٌ عرفه بسطام وكان قد عرف غلمان بني ثعلبة حين أسره عتيبة‏.‏

فسأله بسطام عن السواد الذي بالحديقة فقال‏:‏ هم بنو زبيد‏.‏

قال‏:‏ كم هم من بيت قال‏:‏ خمسون بيتًا‏.‏

قال‏:‏ فأين بنو عتيبة وبنو عبيد قال‏:‏ هم بروضة الثمد وسائر الناس بخفاف وهو موضع‏.‏

فقال بسطام‏:‏ أتطيعونني يا بني بكر قالوا‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ أرى لكم أن تغنموا هذا الحي المتفرد بني زبيد وتعودوا سالمين‏.‏قالوا‏:‏ وما يغني بنو زبيد عنا قال‏:‏ إن في السلامة إحدى الغنيمتين‏.‏

قالوا‏:‏ إن عتيبة بن الحارث قد مات‏.‏

وقال مفروق‏:‏ قد انتفخ سحرك يا أبا الصهباء‏!‏ وقال هانئ‏:‏ اخسأ‏!‏ فقال‏:‏ إن أسيد بن جباة لا يفارق فرسه الشقراء ليلًا ونهارًا فإذا أحس بكم ركبها حتى يشرف على مليحة فينادي‏:‏ يا آل ثعلبة فيلقاكم طعنٌ ينسيكم الغنيمة ولم يبصر أحد منكم مصرع صاحبه وقد عصيتموني وأنا تابعكم وستعلمون‏.‏

فأغاروا على بني زبيد وأقبلوا نحو بني عتيبة وبني عبيد فأحست الشقراء فرس أسيد بوقع الحوافر فنخست بحافرها فركبها أسيد وتوجه نحو بني يربوع بمليحة ونادى‏:‏ يا سوء صباحاه‏!‏ يا آل ثعلبة بن يربوع‏!‏ فما ارتفع الضحى حتى تلاحقوا فاقتتلوا قتالًا شديدًا فانهزمت شيبان بعد أن قتلت من تميم جماعةً من فرسانهم وقتل من شيبان أيضًا وأسر جماعة منهم‏:‏ هانئ بن قبيصة ففدى نفسه ونجا فقال متمم بن نويرة في هذا اليوم‏:‏ لعمري لنعم الحيّ أسمع غدوةً أسيدٌ وقد جدّ الصراخ المصدّق وأسمع فتيانًا كجّنة عبقر لهم ريّقٌ عند الطّعان ومصدق أخذن بهم جنبي أفاقٍ وبطنها فما رجعوا حتّى أرقّوا وأعتقوا وقال العوام في هذا اليوم‏:‏ ورأى أبو الصهباء دون سوامهم طعنًا يسلّي نفسه وزحاما كنتم أسودًا في الوغى فوجدتم يوم الأفاقة في الغبيط نعاما وأكثر العوام الشعر في هذا اليوم‏.‏

فلما ألح فيه أخذ بسطام إبله فقالت أمه‏:‏ أرى كلّ ذي شعرٍ أصاب بشعره خلا أنّ عوّامًا بما قال عيّلا فلا ينطقن شعرًا يكون جوازه كما شعر عوّام أعام وأرجلا يوم الشقيقة وقتل بسطام بن قيس هذا يوم بين بني شيبان وضبة بن أد قتل فيه بسطام بن قيس سيد شيبان‏.‏

وكان سببه أن بسطام بن قيس بن مسعود بن خالد بن عبد الله ذي الجدين غزا بني ضبة ومعه أخوه السليل بن قيس ومعه رجل يزجر الطير من بني أسد ابن خزيمة يسمى نقيدًا‏.‏

فلما كان بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتيًا أتاه فقال له‏:‏ الدلو تأتي الغرب المزلة فقص رؤياه على نقيد فتطير وقال‏:‏ ألا قلت‏:‏ ثم تعود باديًا مبتلة فتفرط عنك النحوس‏.‏

ومضى بسطام على وجهه فلما دنا من نقًا يقال له الحسن في بلاد ضبة صعده ليرى فإذا هو بنعم قد ملأ الأرض فيه ألف ناقة لمالك بن المنتفق الضبي من بني ثعلبة بن سعد بن ضبة قد فقأ عين فحلها وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية إذا بلغت إبل أحدهم ألف بعير فقأوا عين فحلها لترد عنها العين وهي إبل مرتبعةٌ ومالك بن المنتفق فيها على فرس له جواد‏.‏

فلما أشرف بسطام على النقا تخوف أن يروه فينذروا به فاضطجع وتدهدى حتى بلغ الأرض وقال‏:‏ يا بني شيبان لم أر كاليوم قط في الغرة وكثرة النعم‏.‏

ونظر نقيد إلى لحية بسطام معفرة بالتراب لما تدهدى فتطير له أيضًا وقال‏:‏ إن صدقت الطير فهو أول من يقتل‏.‏

وعزم الأسدي على فراقه فأخذته رعدة تهيّبًا لفراقه والانصراف عنه وقال له‏:‏ ارجع يا أبا الصهباء فإني أتخوف عليك أن تقتل فعصاه ففارقه نقيد‏.‏

وركب بسطام وأصحابه وأغاروا على الإبل واطردوها وفيها فحل لمالك يقال له أبو شاعر وكان أعور فنجا مالك على فرسه إلى قومه من ضبة حتى إذا أشرف على تعشار نادى‏:‏ يا صباحاه‏!‏ وعاد راجعًا‏.‏

وأدرك الفوارس القوم وهم يطردون النعم فجعل فحله أبو شاعر يشذ من النعم ليرجع وتتبعه الإبل فكلما تبعته ناقة عقرها بسطام‏.‏

فلما رأى مالك ما يصنع بسطام وأصحابه قال‏:‏ ما ذا السفه يا بسطام لا تعقرها فإما لنا وإما لك‏.‏

فأبى بسطام وكان في أخريات الناس على فرس أدهم يقال له الزعفران يحمي أصحابه فلما لحقت خيل ضبة قال لهم مالك‏:‏ ارموا روايا القوم‏.‏

فجعلوا يرمونها فيشقونها‏.‏

فلحقت بنو ثعلبة وفي أوائلهم عاصم بن خليفة الصباحي وكان ضعيف العقل وكان قبل ذلك يعقب قناة له فيقال له‏:‏ ما تصنع بها يا عاصم فيقول‏:‏ أقتل عليها بسطامًا فيهزأون منه‏.‏

فلما جاء الصريخ ركب فرس أبيه بغير أمره ولحق الخيل فقال لرجل من ضبة‏:‏ أيهم الرئيس قال‏:‏ صاحب الفرس الأدهم‏.‏

فعارضه عاصم حتى حاذاه ثم حمل عليه فطعنه بالرمح في صماخ أذنه أنفذ الطعنة إلى الجانب الآخر وخر بسطام على شجرة يقال لها الألاءة‏.‏

فلما رأت ذلك شيبان خلوا سبيل النعم وولوا الأدبار فمن قتيل وأسير‏.‏

وأسر بنو ثعلبة نجاد بن قيس أخا بسطام في سبعين من بني شبان وكان عبد الله بن عنمة الضبي مجاورًا في شيبان فخاف أن يقتل فقال يرثي بسطامًا‏:‏ لأمّ الأرض ويلٌ ما أجنّت غداة أضرّ بالحسن السبيل يقسّم ماله فينا وندعو أبا الصهباء إذ جنح الأصيل أجدّك لن تريه ولن نراه تخبّ به عذافرةٌ ذمول حقيبةٌ بطنها بدنٌ وسرجٌ تعارضها مزبّبةٌ زؤول إلى ميعاد أرعن مكفهّرٍ تضمّر في جوانبه الخيول لك المرباع منها والصّفايا وحكمك والنّشيطة والفضول لقد صمّت بنو زيد بن عمرو ولا يوفي ببسطامٍ قتيل فإن يجزع عليه بنو أبيه فقد فجعوا وفاتهم جليل بمطعام إذا الأشوال راحت إلى الحجرات ليس لها فصيل فلم يبق في بكر بن وائل بيت إلا وألقي لقتله لعلو محله وقال شمعلة ابن الأخضر بن هبيرة بن المنذر بن ضرار الضبي يذكره‏:‏ فيوم شقيقة الحسنين لاقت بنو شيبان آجالًا قصارا شككنا بالرماح وهنّ زورٌ صماخي كبشهم حتّى استدارا وأوجرناه أسمر ذا كعوب يشبّه طوله مسدًا مغارا الشقيقة‏:‏ أرض صلبة بين جبلي رمل‏.‏

والحسنان‏:‏ نقوا رملٍ كانت الوقعة عندهما‏.‏

وقالت أم بسطام بن قيس ترثيه‏:‏ ليبك ابن ذي الجدّين بكر بن وائل فقد بان منها زينها وجمالها إذا ما غدا فيهم غدوا وكأنّهم نجوم سماء بينهنّ هلالها فلله عينا من رأى مثله فتىً إذا الخيل يوم الروع هبّ نزالها عزيزٌ المكرّ لا يهدّ جناحه وليثٌ إذا الفتيان زلّت نعالها وتبكيك أسرى طالما قد فككتهم وأرملةٌ ضاعت وضاع عيالها مفرّج حومات الخطوب ومدرك ال حروب إذا صالت وعزّ صيالها تغشى بها حينًا كذاك ففجّعت تميمٌ به أرماحها ونبالها فقد ظفرت منّا تميمٌ بعثرةٍ وتلك لعمري عثرةٌ لا تقالها أصيبت به شيبان والحيّ يشكر وطير يرى إرسالها وحبالها عنمة بفتح العين المهملة والنون‏.‏

  السابق   الفهرس   التالي