English

 

الثلاثاء. أبريل. 8, 2003

ثقافة وفن » تراث وحضارة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

جنين.. خفقة جنان الشهداء

Image
أشهر كنائس جنين
"جاءوا إليه يبحثون عن بيوت كانت وعن جيران يلوحون على الشرفات وأولاد يملئون الأزقة بصراخهم، ولم يجدوا حولهم إلا بحرًا من الأنقاض، لكن خلفه عادوا ليروا بساتين زيتون بعيدة وتلالاً وقرى يعرفونها جيدًا".

هؤلاء هم سكان مخيم جنين الذين استهدفتهم قوات الاحتلال الإسرائيلية في مجزرتها الأشد شهرة.. مذبحة جنين التي بلغت ذروتها في الثالث من إبريل العام الماضي 2003.. لقد وجدنا أن إحياء الذكرى يتطلب تعارفًا نجريه بيننا وبين جنين.. المدينة والمخيم والناس.. لعلنا نصبح أكثر قدرة على الدفاع عنها بعد التعرف عليها!

 

تاريخ وبلدتان

جنين تلك المدينة الأسطورية التي صمدت في وجه الاحتلال قديما وحديثا، فقد حاول الصهيونيون احتلالها عام 1948م، لكنهم فشلوا أمام استبسال مقاومة أهلها، إلا أنهم نجحوا في احتلالها عام 1967م مع ما تبقى من مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي تضم بلدتين مثلها مثل غيرها من المدن الفلسطينية: البلدة القديمة، وهي بلدة عريقة في تاريخها وطرازها المعماري، حيث يغلب عليها الطابع الإسلامي وتتميز بناياتها بالحجر الكبير، وتتكون في الغالب من طابق أو طابقين ولا يزال لتلك المدينة مذاق خاص لدى سكانها وزائريها.

والبلدة الحديثة وبها معظم المؤسسات والمدارس والمعاهد، ويتسم معمارها الحديث بالمباني المرتفعة التي تتكون من عدد كبير من الطوابق؛ وهو ما استغلته قوات الاحتلال الإسرائيلي في انتفاضة الأقصى وجعلتها ثكنات عسكرية تتحكم من خلالها في مداخل ومخارج المدينة وتساعدها في مراقبة الأوضاع السائدة فيها، بل تعدى الأمر إلى أن تصبح هذه البنايات مقرًا للوحدات العسكرية الإسرائيلية لصيد المقاومة الفلسطينية من خلال قناصي قوات الاحتلال.

جنين.. جنائن ومروج

جنين .. جنائن ومروج 

ويعود تاريخ مدينة جنين إلى القدم حيث أنشأها الكنعانيون كقرية تحمل اسم "عين جيم" في موقع جنين الحالية، وقد ترك هذا الموقع بصماته على مر التاريخ. وفي العهد الروماني أطلق عليها اسم جينا، ولما ورث الرومانيون حكم البلاد أقاموا فيها كنيسة جينا. وفي القرن السابع الميلادي نجح المسلمون في فتح جنين وطرد البيزنطيين منها وعرفت البلاد لديهم باسم حينين وحرفت فيما بعد إلى اسم جنين، وقد أطلق المسلمون عليها هذا الاسم لكثرة الجنائن والحدائق التي تحيط بها، حيث تقع جنين في سهل مرج بن عامر الذي يعتبر أخصب أراضي فلسطين وتكثر فيه عيون الماء والينابيع.

وتعتبر جنين رابعة المدن المقدسة في فلسطين فهي من المدن التي مر بها المسيح عليه السلام وشفى فيها مرضى البرص-بإذن الله-، كما أن بها عددًا كبيرًا من قبور الأولياء والصالحين، وقد مر بها عدد من الأنبياء. ومن أبرز الحوادث التي تعرضت لها جنين في العهد المملوكي الوباء الذي انتشر في مصر والشام وقضى على سكان جنين ولم يبق منها إلا امرأة عجوز. كما كانت جنين مركزًا للبريد، حيث كان يحمل البريد من جنين إلى صفد، ومن جنين إلى دمشق عن طريق طبريا - بيسان- أربد - دمشق.

واستشهد فيها عز الدين القسام على يد قوات الاحتلال البريطاني والفرق الصهيونية المتعاونة معها ليدفن على مشارفها في منطقة ضمتها إسرائيل لها، ويدخل قبر القسام ضمن إحدى المستوطنات الإسرائيلية الموجودة في تلك المنطقة.

وقد ظلت جنين قرية حتى عهد الانتداب عندها أصبحت مركزًا لقضاء جنين، وبعد عام 1948م هاجم الصهاينة قرى جنين في مرج ابن عامر واحتلوا كثيرًا منها، وفصلت بذلك جنين عن المناطق الشمالية المحتلة في فلسطين واقتصر ارتباطها على المناطق الجنوبية في الضفة الغربية، وبذلك فقدت مركزها التجاري بسبب انقطاع خطوط النقل والمواصلات مع المدن الشمالية وحيفا، حيث أصبحت مدينة تقع في طرف المعمور من الضفة الغربية بعد أن كانت تتوسطه.

أما المخيم.. تميز مخيم جنين منذ قيامه بموقعه حيث يعد هو الأقرب إلى حدود فلسطين المحتلة أو ما يسمى "إسرائيل"؛ لذلك يوجد ترابط كبير بين أهلي هذا المخيم وبين فلسطينيي الداخل أو ما عرفوا بفلسطيني 1948، وذلك بحكم موقعه الجغرافي القريب الذي رسمته الظروف الجغرافية، وهذا ما جعل إسرائيل تعلنه عاصمة للإرهاب الفلسطيني في ظل انتفاضة الأقصى، وقد ذكرت إسرائيل ذلك في كل وسائل إعلامها المسموعة والمقروءة والمرئية من أن قادة "التنظيمات الفلسطينية "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"فتح" قد تجمعوا فيه وأخذوا يجنّدون انتحاريين -على حد وصفهم- ليرسلونهم إلى شوارع "إسرائيل"، بل الأكثر من ذلك حيث قامت هذه الوسائل بعمل حصر شامل للعمليات الاستشهادية التي تمت داخل "إسرائيل"، وقالت بأن منفذي 20 عملية انتحارية -على حد تعبيرهم- من أصل أكثر من 50 عملية أحصتها هذه الوسائل منذ بدء الانتفاضة خرجوا من مخيم جنين.

أهل مخيم جنين هم من أصل نحو 608 آلاف لاجئ فلسطيني مسجلين في الضفة الغربية، يسكن أكثر من 163 ألفا منهم المخيمات، وأهم شيء يميزهم عن غيرهم من سكان المخيمات هو أنهم لم يبعدوا كثيرًا عن مدنهم وقراهم التي تركوها رغما عنهم وطردوا منها عام 1948؛ فهم يرون مدنهم وقراهم في كل لحظة ويحلمون بعودتهم لهذه القرى والمدن التي تحيا بداخل كل فرد منهم؛ لذلك فهم يشعرون بميزة عن غيرهم من إخوانهم اللاجئين سواء داخل الوطن أو خارجه ألا وهو قربهم المكاني والزماني حيث كان ذلك في عام 1948. حيث نزح الفلسطينيون من حيفا وغيرها من المدن الفلسطينية باتجاه جنين ومشوا بضعة كيلومترات وانتظروا في جنين.

نصبوا الخيام وانتظروا يوم عودتهم، ولكن الظروف لم تسمح لهم حتى الآن، إلا أنهم ما زالوا مؤمنين بيوم عودتهم إلى قراهم ومدنهم الأصلية التي طردوا منها قسرًا، وفي 1953 أقامت لهم وكالة غوث للاجئين (الأونروا) المخيم ضمن الحدود البلدية للمدينة في جانبها الغربي على تلة صخرية تنحدر إلى أطراف مرج بن عامر، حيث كان ذلك المكان حتى 1948 موقع معسكر لجيش الانتداب البريطاني. وكانت النية آنذاك استيعاب نحو أربعة آلاف لاجئ. فشيد المخيم على مساحة 372 دونمًا توسعت لاحقا لتبلغ 473 دونمًا أضيفت إليها مساحات قليلة في التسعينيات، ليرتفع عدد السكان المسجلين في وكالة غوث اللاجئين (الأونروا) بحسب إحصاءات 2002 إلى 13.055 شخصًا.

سنحيا هنا أملا في العودة!!!

البلدة القديمة في جنين

وقد تغير اسم المخيم مرات عديدة فقد أطلق عليه في البداية مخيم "العودة"؛ وذلك أملاً في عودة سكانه إلى مدنهم وقراهم الأصلية، ثم عرف بعد ذلك بمخيم "المحطة" نسبة إلى محطة تركية للسكك الحديد موقعها في أسفل المخيم ولا تزال قائمة، ولما طالت فترة عودتهم بدأ الناس يستقرون فيه، ثم بعد ذلك اكتسب اسمه الحالي "مخيم جنين".

وبدأت المساكن كأكواخ مشيدة من طين بسقوف من الزنك تجاور بعضها بعضًا ويوسعها أهالي المخيم مع مر السنين بإضافة غرف وملحقات تأكل من الطرق الضيقة جدًّا والأزقة؛ لتلبي متطلبات عائلات تكبر في عدد أفرادها ليصل أحيانًا إلى نحو 20 شخصًا يعيشون في غرفتين.

وهو ما جعل مخيم جنين بقعة مكتظة سكانيا، فأن يعيش أكثر من 13 ألف شخص على مساحة تقل عن كيلومتر مربع واحد، فأمر غير صحي وخصوصًا في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية، وقد مضى العقد الأول من استقرارهم في المخيم بمعاناة شديدة، حيث عاش أهله بلا شبكة مياه وكانوا يملئون الماء من نبع في جنين وينقلونه إلى المخيم. ولعل الدمار الأخير أعادهم إلى ما يشبه هذه الحال بعدما خربت "إسرائيل" كل البنى التحتية، وتدريجا وصلت الماء والكهرباء إلى المخيم بشبكات من المدينة.

أما الصرف الصحية فلم يبدأ مده إلا أواخر الثمانينات ليكتمل نسبيا في التسعينيات. وحتى مطلع التسعينيات لم يكن في المخيم إلا خط هاتفي واحد في مكتب "الأونروا"، ثم صار انتشاره ممكنا لكنه ظل محدودا في السنوات الأخيرة. ولعل من المشاكل العامة التي طالما أزعجت الأهالي أن مخيم جنين هو الوحيد بين المخيمات لا مقبرة خاصة فيه وكان على الأهالي دومًا دفن موتاهم في مقبرة مدينة جنين التي اكتظت في السنوات الأخيرة ولم تعد تستوعب أحدًا.

أما الخدمات الصحية في المخيم فمحدودة جدا كما في بقية المخيمات، مستوصف أو اثنان. والمدارس قليلة جدا؛ مدرستان أقامتهما "الأونروا"، واحدة للصبيان فيها 750 تلميذًا، والأخرى للبنات فيها 727 تلميذة. وكما كل مدارس المخيمات تشكو هاتان المدرستان من ازدحام الصفوف؛ إذ يفوق العدد في الصف الواحد 50 تلميذا وتضطر إدارتهما إلى اعتماد فترتين يوميا. وهذا للمرحلة المتوسطة فقط وعلى من يريد الدراسة الثانوية أن ينتقل إلى جنين أو غيرها.

وطبعا رياض الأطفال تقتصر على واحدة أو اثنتين وأزقة المخيم هي الملعب الأكبر للأولاد ومكان التقاء الشباب، فإلى حين انتقال المخيم إلى السلطة الوطنية بموجب اتفاق أوسلو كان فيه مركز رياضي واحد يتجمع فيه الشباب أغلقته سلطات الاحتلال تكرارًا بدعوى أنه يشكل خطرا أمنيا عليها.

وكان لهذا الواقع التعليمي انعكاسه على الأمية في المخيم، فقد أظهرت أرقام مركز الإحصاء المركزي الفلسطيني أن 33.4% من الإناث فوق 12 عامًا و20.9% من الذكور أميون أو لم ينتظموا في أي مدرسة، وفي المقابل هناك 18.9% من الإناث و22% من الذكور بلغوا مرحلة التعليم الثانوي أو أعلى. لكن طموحات الأهالي كبيرة لتعليم أولادهم. ففي دراسة أجرتها جامعة "بير زيت" العام الماضي، قال نحو 68% من الأهالي إنهم أرادوا تعليمًا جامعيًّا لأبنائهم وبناتهم في هذا المخيم الذي تتساوى فيه تقريبا نسبتا الذكور والإناث.

إحباطات المجتمع الفتي

وفي ظل مثل هذه الأوضاع التي أوصلت الفلسطينيين جميعا إلي ما يشبه حال اليأس، لم يكن مخيم جنين مختلفًا بل لعل ظروفه الخاصة دفعته، وهو المجتمع الفتي، إلى حال من الغضب المتفجر ورفعت حال التعبئة بين شبابه والاستعداد للاستشهاد، خصوصا أنهم، وهم الجيل الثالث من اللاجئين، لا يزالون كما أجدادهم على تماس مع الأرض التي حرموها. ولم يكن تحول مخيم جنين موقعًا للمقاومة خافيًا على أحد. ففي مقابل إطلاق "إسرائيل" اسم "مخيم الإرهاب" عليه، سماه الفلسطينيون "مخيم الشهداء".

وقد شكل مخيم جنين هدفًا إستراتيجيًا لقوات الاحتلال الإسرائيلي حيث حاولت ذلك عدة مرات، ولكنها فشلت أمام مقاومة أبنائه البواسل؛ حيث وجدت قوات الاحتلال صمودًا أسطوريًا من سكانه حيث أصروا على البقاء داخل المخيم رغم الأضرار الكبيرة التي تعرضوا لها، وبلغت الاعتداءات الإسرائيلية على المخيم ذروتها فجر الثالث من إبريل الماضي حيث دفعت إسرائيل بالمئات من الدبابات وناقلات الجند المصفحة والآليات الثقيلة المعززة بالمروحيات القتالية، إلى مشارف المخيم، وبدأت بقصفه بالصواريخ والقذائف ورصاص الرشاشات الثقيلة. وشكلت المنازل التي كان السكان يعتقدون أنها آمنة هدفًا مباشرا للقوات الإسرائيلية التي تعمدت قصف جميع المنازل هناك بدون استثناء، فدمرت منها المئات التي سوتها الجرافات والصواريخ والأرض، بينما أصبحت غالبية المنازل غير صالحة للسكن بسبب حجم الدمار الهائل الذي لحق بها. قتلت "إسرائيل" من قتلت في المخيم وطردت من طردت ودمرت ما دمرت، لكن ثمة شعورًا عند أهله العائدين إليه بعد الخراب العظيم بأن المخيم انتصر وخسر "إسرائيل".

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم