Saturday 14th August, 1999 G No. 9816 جريدة الجزيرة السبت 3 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9816



بعد 50 عاماً على توقيع اتفاقيات جنيف
هل تهذب المحاكم الدولية أخلاقيات عدالة الحروب

* القاهرة - أ,ش,أ
احتفل العالم بالذكرى الخمسين لتوقيع اتفاقات جنيف التي وضعت قواعد الحرب وناشدت الجميع الى الالتزام بها واحترامها وتنص على وجوب معاملة المدنيين واسرى الحرب والجرحى معاملة انسانية.
وقد وقعت جميع الدول ما عدا اريتريا على تلك الاتفاقات التي استهدفت الحد من المعاناة في الحرب ومن وحشية الحروب عامة.
ويحضر الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان الاحتفال الذي تقيمه هيئة الصليب الاحمر الدولي في دار بلدية جنيف بهذه المناسبة.
واليوم,, وبعد مرور خمسين عاماً على اتفاقات جنيف التي وقعها زعماء العالم في الثاني عشر من شهر اغسطس عام 1949 يثور التساؤل من جديد عن فعالية القواعد التي ارساها هؤلاء الزعماء بهدف تحقيق مفهوم المحارب النزيه عندما تشب اي حرب في اي بقعة من العالم.
وكما ان لكل اتفاق معارضين ومؤيدين فان معارضي هذه الاتفاقيات ينتقصون من قيمتها وينكرون جدواها استنادا على قدم عهدها وعدم ارتباطها بما يحدث بالفعل في ميادين الحروب من تجاهل تام لاية قواعد وعدم احترام لأية معاهدات.
وبدا لا سيما بعد القصف الاخير لحلف شمال الاطلنطي الناتو ليوغسلافيا ان هذه الصورة قد وضعت في اطارها الواضح خطوطاً بعد سعي الصرب المحموم الى التطهير العرقي في اقليم كوسوفا ليظهروا وكأن الاتفاقيات تحتفي وتكرم اولئك الذين ينتهكون المواثيق اكثر من اولئك الذين يحترمونها.
وكان الاسلوب الذي اتبعه الجنود الصرب بقيامهم بتنفيذ مجزرة ضد المدنيين المنحدرين من اصل الباني في حملتهم ضد المقاتلين من عناصر جيش تحرير كوسوفا عاملاً اساسياً في اتخاذ الغرب لقراره باعلان الحرب على يوغوسلافيا.
ولقد اظهرت الحملة العسكرية الغربية لحل ازمة كوسوفا في حقيقة الامر التناقضات التي اربكت اللجنة الدولية للصليب الاحمر التي تتخذ من جنيف مقرا لها والتي من المفترض انها ترعى حرمة القانون الانساني الدولي وتسعى الى ترسيخ الاحترام الدولي لنظام سلوكي عام وعالمي.
فمن ناحية اصبحت حروب اليوم اكثر شراسة واكثر غموضاً اما السيطرة عليها والالمام بأطرافها فصارت اقل كثيراً عما كان عليه الحال منذ خمسين عاماً عندما كانت تحدث المواجهات بين الجيوش النظامية التي يرتدي جنودها الزي العسكري فيما لا يزال العالم يسعى الى التأكيد على الحاجة الى رسم خط فاصل بين الحرب وبين المذبحة من اجل وضع حدود على السلوك الانساني اثناء فوران اتون المعارك.
وعلى الرغم من ان الصليب الأحمر دعا مؤخرا كافة الشعوب والدول والحكومات الى رفض فكرة ان الحرب امر حتمي والعمل دون كلل من اجل القضاء على اسباب نشوبها فان هذه المقولة تمثل فرضية تشاؤمية اقيمت عليها اتفاقيات جنيف الا ان روح تلك المعاهدات تتسم بوجه آخر وهو ان الانسان يمكنه التحكم في غرائزه الشريرة وكبحها.
وعلى حد قول اديث بيرسوويل الذي يدير برامج الصليب الأحمر عندما كان يشرح طبيعة عمله فانه وسط لهيب المعركة يجب ان نؤمن بان الانسان انسان وقادر على فعل الخير واذا كان البشر وحوشا لما كان يمكن للمنظمة ان تفعل اي شيء معهم.
ومع التأكيد على ان ذلك الايمان ليس امراً سهلاً دائماً فعلى الرغم من ان البعض قد يلتزم بالمعايير التي اسست عليها الاتفاقيات فان معظم مناطق العالم لا تلتزم بذلك واذا ضربنا امثلة على ذلك نجد المذابح الهمجية التي وقعت في رواندا او تلك الحروب التي تلتها في افريقيا او معسكرات الاعتقال المرعبة التي تجمع فيها رجال البوسنة وغيرها امثلة تثير الكثير من الشكوك في امكانية نجاح الالتزام بتلك الاتفاقيات.
وتؤكد هذا المآسي بعض ما تواجهه المنظمات المعنية بمواجهات اثار الحروب من مشكلات ومن بين تلك المنظمات اللجنة الدولية للصليب الاحمر ففي العديد من مناطق العالم يجهل الافراد اصلاً بالقانون الانساني الدولي وفي بعض الأماكن يرفض المقاتلون اتفاقيات جنيف باعتبارها تعبيراً عن القيم الغربية التي لا يتفقون معها وفي اماكن اخرى لا يقام لهذه القواعد وزن كبير لانها غالباً ما تتعرض للانتهاك.
ويقول ادم روبرتس الخبير القانوني بجامعة اكسفورد بانجلترا ان هناك صورة عامة للقانون ابتدعته اتفاقيات جنيف الا انها صورة بعيدة عن الواقع وعن الطبيعة الحقيقية للجنود وهذا امر مؤلم للغاية.
ويسعى موظفو الصليب الأحمر الذين يناط بهم تدريب القوات المسلحة على احترام القانون الانساني الدولي الى محاربة هذا الانطباع ويجرون ابحاثاً في كافة انحاء العالم عن التفسيرات المحلية للاتفاقيات التي تظهر في الممارسة المحلية لها لاظهار ان اتفاقيات جنيف ما هي الا تعبير عالمي عن القواعد التي يعرف كل انسان ان عليه طاعتها.
ويقول ماريون هارف تافيل احد العاملين بالمنظمة نفسها يجب ان نعمل على بناء جسور بين القانون الانساني الذي يبدو في دول عديدة امراً غريبا الى حد ما وبين التقاليد والاعراف المحلية.
وعلى الطرف الآخر من الميزان فان مؤيدي الصليب الاحمر يعملون بجد على تعزيز محكمة دولية للجرائم كانت قد انشئت في العام الماضي بالعاصمة الايطالية روما والتي ستحاكم المتورطين في جرائم الحرب في المستقبل فعلى الرغم من ان الحكومات الموقعة على اتفاقيات جنيف في عام 1949 تعهدت بتعقب ومحاكمة المشتبه في ارتكابهم جرائم حرب الا انها لم تفعل شيئاً من ذلك.
وقد تعرضت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها للانتقاد لرفضها دراسة الأدلة التي تساعد في مقاضاة مجرمي الحرب.
ان جزءاً من هذه المشكلة هو الدور المتفرد لهذه المنظمة فهي ليست مسؤولة فقط عن زيارة وتسجيل اسماء السجناء ولكنها مسؤولة ايضا عن تقديم المساعدات الانسانية وتنظيم عمليات تبادل السجناء والافراج عن الرهائن.
ان الافتقار الى آليات التنفيذ قد قوض اتفاقيات جنيف رغم ان محاكم الأمم المتحدة الخاصة برواندا ويوغوسلافيا السابقة قد فتحت الباب للتحرك نحو الامام.
وبينما تنظر المنظمة في هذه التساؤلات فان موفديها يقولون ان الغايات الشاملة لاتفاقيات جنيف غالباً ما يتم خفض درجتها لتكتفي بالانجازات الأكثر اعتدالاً.
وفي هذا الصدد يستحضر برنارد ليفارد ما حدث في زائير عام 1994 فيقول اذا نجحنا في اقناع جندي بالفارق بين مقاتل وغير مقاتل فان هذا سيكون انجازاً عظيماً وفوق ذلك اذا تمكنت من اقناعه بالا يقتل سجيناً جريحا في ساحة القتال فان هذا سيكون هو النجاح التام بعينه.
ولا يعد هذا دفاعاً عن المنظمة الدولية للصليب الأحمر في حد ذاته لأنها واحدة من بين منظمات اخرى كثيرة معنية بالسعي الى منع اندلاع الحروب ورفع اثارها بقدر ما هو اظهار لما تتعرض له المنظمات الانسانية كافة في معاناة في منع اندلاع الحروب والتأكيد على استخدام معايير سلوكية انسانية عالمية اثناء اندلاع الحروب.
وقد وقع السكرتير العام للأمم المتحدة مع عدد من الشخصيات الدولية البارزة على نداء رسمي لكل شعوب وحكومات العالم لاعادة التأكيد على التزامها بمصلحة ضحايا الحروب.

رجوع أعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
منوعــات
لقاء
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[تعريف بنا] [للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [البحث] [خدمة الإنترنت] [المسائية] [الجزيرة] [موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved