اليتيم في القرآن والسنة ::: 91 ـ 105
(91)
     « يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ».
     ولماذا هذا التخفي من الناس ؟ ويأتي الجواب. بان هذا الاجراء ليس إلا لأن الله قد منحه العنصر الثاني الذي يشكل القاعدة الكبرى لخلق الإنسان لانه سبحانه خلقهم من :
     ذكر ، وأنثى. من غير تفضيل لبعض على بعض ، فكما يكون الرجل طرفاً لايجاد النسل ، كذلك الأنثى هي الطرف الآخر في هذه العملية التناسلية ، والتي منها يتكون هذا البشر.
     ويبقى الاب الحائر وهو في صراع عنيف مع نفسه فماذا يصنع أيبقى ، والذل يحيطه من كل جانب ينظر كل يوم إلى وليدته وهي تتخطى عتبة الطفولة ، وتتفتح إلى الحياة ، أم يدفنها في التراب ، ويتخلص من هذا العار ، وينفض عن يديه غبار الجريمة النكراء ؟.
     وأخيراً يقود ، ويصمم ، ويرجح الرأي الثاني. وإذا به يذهب بها ليدفنها ، وهي حية.
     « وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت » (1).
     أما إذا افلتت من الموت حيث كانت بعض النساء يخفين الوليدة ، ويظهرن أمام الرجل بانهن قمن بعملية الدفن ، أو كانت القبلية تتسامح في موضوع الدفن ، فان المرأة كانت تعيش رخيصة في كنف الرجل ليس لها أن تختار من تقترن به في حياتها الزوجية ، بل يكون ذلك راجعاً إلى من يقوم عليها فهو الذي يتحكم في ذلك يتركها وحيدة ، ومحرومة من الزواج أو يزوجها ممن يشاء.
     أنها كانت تفقد حرية الإختيار الزوجي ، بل كان الرجل ـ كما قلنا ـ هو الذي يقود مصيرها ، ولتبقى تندب حظها التعس في كل لحظة تمر
1 ـ سورة التكوير : آية ( 9 ).

(92)
عليها لا لشيء إلا لانها إمرأة لا غير.
     وأما على الصعيد المالي : فان المرأة كانت تمنع من التجارة والميراث بحجة أنهم كانوا يورثون من يقاتل ، ويحمل السلاح ويدافع عن الحريم. أما المرأة فهي من الحريم.
     وإذاً فلها على الرجل أن يحميها كما يحمي متاعه ، وأمواله ولتعيش بعد ذلك في كنفه تتناول ما يمنٌ به عليها من فتات ما يأكل ، ويبقى بازاء ذلك مسيطراً على ما يصلها من ميراث يتمتع به كيف يشاء يمنعها من التصرف بحقها الطبيعي الشرعي.

    يتامى النساء :
    وقد كان من تعسف الرجل يزداد بشكل أكثر بالنسبة إلى يتامى النساء فان الكثير منهن كن يواجهن مشكلة أخرى غير حرمانهن من الميراث ، أو حرمانهن من اختيار الزوج تلك هي حبس اليتيمة ، وعدم تزويجها طمعاً في مالها ، وليس ذلك إلا لانها يتيمة فقدت كفيلها ، وبقيت تحت رحمة الاولياء ، والاوصياء.
    إن الولاية على اليتيمة كانت تتضاعف ، فهي مضافاً الى كونها امرأة يتمية فقدت تلك اليد التي تربت على كتفها أو تمسح على رأسها ، أو تجفف دموعها.

    المرأة في ظل الإسلام :
    لقد عالج التشريع الاسلامي كل هذه الجهات ، وغيرها مما يمت إلى المرأة بصلة فنظم حياتها المعيشية ، والاجتماعية أما من الناحية الاجتماعية : فقد ندد القرآن الكريم بأولئك الذين يهينون المرأة ، ولا


(93)
يرون لها حق التمتع بهذه الحياة فحارب بشدة العادات البالية ، والرخيصة ، والتي كانت تجعل من الرجل عبوسا ، ومحبوسا لولادة الأنثى ، بل وصف تبرم الرجل وضيقه ، وعدم قبوله بهذه المنحة الإلهية بأنه من الأحكام السيئة الجائرة وليس فيها ما يمت إلى الانصاف بصلة.
     وعلى العكس فقد بدأ يبين في كثير من الأحاديث الكريمة التي جاءت من طريق النبي (ص) بأن الوليد إذا كان انثى فهي أدعى للبركة ، أو أنها مدعاة للرزق ، وتحسين الحالة المادية بفضل الله سبحانه.
     وفي مقام تعليمها ، وحقوقها الاجتماعية الأخرى نرى التشريع لا يفرق بينها ، وبين الرجل إلا في بعض ما فرضه الله عليها من الحجاب ، والحشمة وما ذلك إلا ليحفظ بذلك كرامتها ، ويبعدها من الإبتذال عندما تلاحقها نظرات الرجل المسعورة.
     وهكذا الحال بالنسبة إلى حرية الاختيار الزوجي فان الشريعة أناطت ذلك إليها فمنعت الرجل أن يتدخل في أمرها ليمنعها من الاقتران بمن تريده فتىً لأحلامها.
     نعم : شرك معها الأب ، والجد في هذا الاختيار إذا كان في ذلك الاقدام منها ما يضر بمصلحتها ما دامت باكراً أما إذا كانت ثيباً فان لها وحدها حرية الاختيار ، وليس لاحد معها في ذلك شيء.
     وأما من الناحية المالية ، والتنظيم المعيشي ، فقد قرر لزوم الانفاق عليها من قبل الزوج ما دامت في حبالته ، ومرتبطة معه برباط الزواج المقدس.
     ـ وفي الوقت نفسه ـ فقد حفظ لها حقها في المال الذي يخلفها قريبها الميت حيث طفحت سورة النساء من القرآن الكريم بذكر الآيات


(94)
التي تصدت لتنظيم الميراث ، وتقسيمه بين الرجل والمرأة بعد أن أخذت بعين الاعتبار ظروف الرجل ، وتكليفه بالانفاق على المرأة ، وعلى الاسرة التي تحيط به.
     وكذلك لاحظت ظروف المرأة ، وأخذت في حسابها أنها في الغالب تكون في كفالة الرجل فكان من جراء هذه الاعتبارات زيادة حظ الرجل من الميراث أما ما يصلها من الميراث فقد جعلت أمره بيدها ، وأنها هي التي تقرر كيف تتصرف به بكامل الحرية والاختيار ، وبذلك نرى التشريع الإسلامي قد كفل للمرأة جميع حقوقها المالية ، والاجتماعية.
     وعلى الخصوص نرى الشريعة قد أولت يتامى النساء عناية أكثر فعالجت مشكلة اليتامى الصغيرات من الناحيتين أيضاً المادية ، والاجتماعية.
     وبهذا الخصوص جاءت آيتان مرتبطتان من حيث الغاية والهدف لمعالجة هذه المشكلة :
     يقول تعالى في الآية الأولى :
     « يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليماً » (1).
     لقد نددت الآية الكريمة بأولئك الذين لم يلتفتوا إلى التشريع الاسلامي الكافل لحقوق المرأه المالية ، بل أصرٌوا على التجاوز على ميراثها فقال تعالى :
1 ـ سورة النساء : آية ( 3 ).

(95)
     « اللاتي لاتؤتونهن ما كتب لهن » وما كتب لهن هو ما أنزله الله من آيات المواريث التي سبق وان تقدمت في أوائل السورة وهي سورة النساء :
     ومضافاً إلى جريمة التجاوز على الحقوق المالية من عدم اعطائهن ما كتب لهن من الميراث ، فإنهم كانوا يرغبون في الزواج منهن لاجل ذلك المال ، وطمعاً فيه.
     أما إذا راعى الولي ، أو الوصي فحفظ لليتيمة من ميراث وتزوجها لاجل الاقتران لا لمالها فان هذا العمل منه خير.
     « وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليماً ».
     وهو الرقيب عليكم يعلم حركاتكم ، وسكناتكم ، وما تنطوي عليه نفوسكم إن خيراً ، أو شراً.
     وقد نقل السدي أن جابر بن عبدالله الانصاري كانت له بنت عم عمياء ذميمة قد ورثت من أبيها مالاً فكان جابر يرغب في نكاحها ، ولا ينكحها مخافة أن يذهب الزوج بمالها فسأل النبي (ص) وقال :
     أترث إذا كانت عمياء فقال (ص) :
     نعم : فأنزل الله فيه هذه الآية : « ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن » (1). الخ
     ومن مجموع ما جاء في تفسير هذه الآية يتضح لنا أن القرآن الكريم حرص على تكريم المرأة ، وندد بهؤلاء المتجاوزين على حقوقها سواءً المالية ، أو الاجتماعية.
     أما الآية الثانية : فهي ما جاء في قوله تعالى :
     « وان خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من
1 ـ مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية.

(96)
النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك ادنى الا تعولوا » (1).
     وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة.
     أنها نزلت في اليتيمة التي تكون في حجر وليها ، فيرغب في مالها وجمالها يريد أن ينكحها بدون صداق مثلها ، فنهو أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لها صداق مهر مثلها ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب مما سواهن إلى الأربع من النساء ، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة ممن سواهن أو ما ملكت أيمانكم » (2).
     أن اليتيمة كغيرها من النساء لها الحرية الكاملة في إختيار من تشاء من الازواج ، وتهب له ما قرر لها من مهر المثل إذا كان ذلك نابعا من رغبتها ، وإرادتها. أما أنها تقهر على ذلك فهذا ما لايريده الشارع لها.
     والوصي كأحد الخاطبين لا تمنعه الشريعة المقدسة من الإقدام على الخطبة لليتيمة ، أو غيرها لو كان مستكملاً للشروط التي يقررها الشارع في الزوج.
     ولكن النفوس غير المؤمنة تأبى أن تخضع للواقع ، وتترك الاثرة جانباً ، بل كانت تصر على أن تكون اليتيمة العوبة يتلاقفها من هي تحت يده من دون أن يكون لها أي إختيار في أمرها ، وفي صداقها.
     إن الشارع المقدس : وهو الرحيم الودود لا يترك الباب مفتوحاً أمام الاقوياء ليتجاوزوا على الضعفاء دون أن يردعهم ، ويوجههم إلى ما فيه خير الامة ، وصلاحها.
1 ـ سورة النساء : آية ( 3 ).
2 ـ تفسير التبيان في تفسيره لهذه الآية الكريمة.


(97)
    يتامى بني هاشم :
    ويشمل اللطف الإلهي طائفة خاصة من الايتام هم أيتام ( بني هاشم ) فيميزهم عن بقية اليتامى ، فيخصص لهم سهماً معيناً في الخمس الذي فرضه الله في موارد معينة من أموال الناس.
    ولا بد لنا وقبل الدخول في طلب الموضوع من بيان بعض الايضاحات التي لها مساس في بحثنا وهي :
    1 ـ الخمس ... ما هو ؟
    2 ـ الموارد التي يجب فيها الخمس.
    3 ـ من يستحق الخمس ؟
    4 ـ الخمس .. تشريعه.

    1 ـ الخمس ما هو ؟ :
    الخمس : حق مالي فرضه الله سبحانه على عباده في موارد مخصوصة فكلفهم بإخراج سهم واحد من كل خمسة سهام مما يحصلون عليه من تلك الموارد المالية ، والتي سنتعرض لبيانها في ضمن البحث ، وإيصالها الى المستحقين ، والفقراء ممن تكتمل فيهم الشروط التي أخذت في أولئك الذين عينتهم الشريعة مصرفاً للخمس ، ومورداً له.

    2 ـ الموارد التي يجب فيها الخمس :
     لقد فرض الله الخمس في الموارد الاتية :
    1 ـ غنائم دار الحرب.
    2 ـ المعادن.
    3 ـ الغوص.
    4 ـ الكنوز.


(98)
    5 ـ أرباح المكاسب.
    6 ـ الحرام المختلط بالحلال.
    7 ـ أرض الذمي المنتقلة إليه من المسلم.
    ومن الإجمال في هذه العناوين إلى التفصيل.
    أما الغنيمة : فهي ما يحوزه المسلمون بإذن النبي (ص) أو الإمام (ع) من أموال أهل الحرب بغير سرقة ، ولا غيلة وهي الأخذ بغتة ، وإختلاساً من منقول ، وغيره ، ومن مال البغاة ، وهم : الذين يخرجون على الإمام المعصوم (ع).
    وأما المعادن : فهي ما يستخرج من الارض مما كانت الارض أصلاً له ، ثم اشتمل على خصوصية يعظم الإنتفاع كالجواهر من العقيق ، والزبرجد ، والفيروز ، والملح ، وما شاكل ذلك.
    وأما الغوص : فهو ما يؤخذ من داخل الماء من اللؤلؤ والمرجان والذهب ، والفضة ، والعنبر ، وما شاكلها مما تخبئه البحار ، والانهار بشرط أن لا تكون على الذهب ، والفضة.
    وأما الكنوز : فهي الأموال المذخورة تحت الارض في دار الحرب من غير تقييد بوجود أثر للاسلام عليه ، أو في دار الاسلام وليس عليه أثر الاسلام أما إذا كان أثر الإسلام عليه فيعتبر لقطة وللقطة أحكامها الخاصة.
    وأما أرباح المكاسب : فهي ما يربحه الإنسان ويحصل عليه من تجارة أو زراعة بل كلما يكتسب به ولو بنماء أو تولد وما شاكل.
    وأما الحلال المختلط بالحرام : فهو ما يختلط عند الانسان من أمواله الحلال بأموال حرام بحيث يكون الاختلاط مانعاً من تمييز أحدهما عن الآخر وإلا فان أمكن التمييز كان المال الحرام حكمه حكم المال المجهول


(99)
    مالكه ، وفي صورة عدم التمييز يكون إخراج الخمس منه موجباً لتطهير ، وحلية الجميع.
    وأما أرض الذمي المنتقلة إليه من المسلم : وتصويرها :
    أن الذمي والذي هو ـ الكافر الذي يدخل في ضمان المسلمين وعهدتهم على شروط مذكورة في مباحث الجهاد من كتب الفقه ـ إذا انتقلت إليه أرض من المسلم سواءً بشرائها من المسلم أو بكل نوع من أنواع الإنتقال على الخلاف بين علمائنا في ذلك فإن في تلك الأرض الخمس ، ولا بد أن يدفع الذمي هذه الضريبة كبقية الضرائب التي يتقرر عليه دفعها بموجب بنود عقد الذمة ودخوله في حماية المسلمين وتختلف هذه الصورة عن الصور الستة السابقة فان الخمس في تلك كانت على المسلم يخرجه من ماله أما في هذه الصورة فان على الذمي دفع الخمس كضريبة عليه يقول الإمام الصادق (ع) :
    « الذمي إذا إشترى من المسلم الارض فعليه فيها الخمس » (1).
    هذه هي الاصناف السبعة التي يجب فيها الخمس وإنما تعرضنا لها على سبيل الايجاز كعرض لما يجب فيه الخمس الذي كان للايتام من آل محمد (ص) حصة فيه. أما الشروط في كل صنف والخلافات بين العلماء في كل منها فقد تجنبنا التطرق له لخروجه عن موضوعنا المبحوث عنه ، والذي هو ـ كما قلنا ـ وجود حصة ليتامى آل البيت المحمدي.

    3 ـ من يستحق الخمس :
    يقسم الخمس بنص الآية الكريمة ، والاخبار الواردة عن أهل البيت (ع) إلى ستة أقسام :
1 ـ وسائل الشيعة : الباب ( 9 ) من أبواب ما يجب فيه الخمس / حديث ( 2 ).

(100)
    قال تعالى :
    « واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل » (1).
    ( وبمثل هذا التقسيم جاء مكرراً في الاخبار الكريمة أن الخمس يقسم إلى هذه الاقسام الستة (2).
     وقد صنفت هذه الأقسام الستة إلى قسمين :
     ويشمل الأول : سهم الله ، وسهم رسوله ، وسهم ذوي القربى.
     أما الثاني : فهو سهم اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل.
أما القسم الاول : فهو في زمن النبي (ص) له بأقسامه الثلاثة ، وذلك لان سهمه له (ص) بالاصالة. وأما سهم الله فهو لوليه أيضاً ، والسهم الثالث ، والذي هو لذوي القربى فإنه للإمام (ع) حال حياته ولا إمام غيره وأما بعد وفاة النبي الاكرم (ص) فهو لخلفائه الأئمة الاثني عشر (ع) بدءاً بالإمام علي أمير المؤمنين (ع) وختاماً بالحجة محمد المهدي (ع) وقد خصوا هؤلاء بهذه السهام الثلاثة ، وفي زمن غيبة الإمام هذه تختص هذه السهام بالامام الحجة صاحب الزمان (ع).
     يقول الامام الرضا (ع) في تفسير هذه الآية الشريفة بعد أن سئل « فما كان لله فلمن هو ؟ فقال :
     لرسول الله (ص) وما كان لرسول الله (ص) فهو للإمام.
     وبعد ثبوت هذه السهام الثلاثة فعلاً للإمام (ع) فإنه في زمن غيبته ، وعدم تمكننا من الوصول إليه فعلاً فيرجع أمره إلى نائبه ، وهو
1 ـ سورة الانفال : آية ( 41 ).
2 ـ وسائل الشيعة : الباب ( 1 ) من أبواب قسمة الخمس / حديث ( 8 ).


(101)
المجتهد الجامع للشراط. وليس بوسعنا التطرق بشكل أوسع إلى الاقوال في تعيين الوظيفة بالنسبة إلى سهمه (ع) في زمن غيبته فإنها كثيرة ـ وفي الوقت نفسه ـ ضعيفة المدرك إلا أن ما يذهب إليه الفقهاء ممن لهم الكلمة في مجال الفتوى من الامامية هو القول برجوع أمر هذا النصف وهو :
     الذي يطلق عليه إسم ( سهم الامام ) إلى نواب الامام في غيبته وهم ـ كما قلنا ـ المجتهد الجامع للشرائط من الامامية الإثنا عشرية.
     أما القسم الثاني فقد صرحت الآية الكريمة بأنه :
     إلى اليتامى والمساكين ، وابن السبيل.
     ولم توضح بأكثر من ذلك.
     ولكن فقهائنا إستفادوا من الاخبار الواردة عن أهل البيت (ع) تخصيص هؤلاء الطوائف الثلاث :
     بالايتام ، والمساكين ، وأبناء السبيل من بني هاشم. وهو جد النبي (ص). وذريته محصورة في ولده : عبد المطلب وإسمه ( شيبة الحمد ) وأولاده عشرة وهم :
     عبدالله ، أبو طالب. العباس ، حمزة ، الزبير ، أبو لهب ، ضرار ، الغيداق ، مقوم ، الحارث.
     وقد إنحصر نسل عبد المطلب في عبدالله ، وأبي طالب ، والعباس ، وحمزة ، والزبير.
     ولولا حظنا ملياً لرأينا : أن نسل عبد المطلب إنحصر في الأربعة غير عبدالله ، وذلك :
     لان عبدالله ليس له إلا النبي (ص) والنبي إنحصر نسله في سيرة


(102)
النساء فاطمة (ع) وأمير المؤمين علي بن أبي طالب (ع) فدخل نسله في أبي طالب (1).
     وإعطاء ذرية هؤلاء الأربعة هو المشهور بين فقهاء الإمامية بل عليه الإجماع (2).
     وهكذا الاخبار تصرح بذلك فقد جاء عن الامام الكاظم (ع) قوله :
     « وهؤلاء الذين جعل اك لهم الخمس هم : قرابة النبي (ص) الذين ذكرهم الله فقال : « وانذر عشيرتك الأقربين ».
     وهم بنو عبد المطلب أنفسهم الذكر ، والأنثى ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد » (3).
     وقد صرحت روايات عديدة بأن الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب ، أو لا تحل الصدقة لولد العباس ، ولا لنظرائهم من بني هاشم ، أو بابني عبد المطلب ، أو بابني هاشم. إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم (4).
     وعن الامام الصادق (ع) قوله :
     « إن الله لا إله هو لما حرم علينا الصدقة أبدل لنا الخمس فالصدقة علينا حرام ، والخمس لنا فريضة ».
    ومن الخبر الاخير يفهم أن الخمس إنما هو بدل الصدقة فحيث منعهم الله من الصدقة فقد عوضهم الخمس. ومن الاخبار المتقدمة نرى أن بني هاشم ممن منعوا من الصدقات فكان لهم الخمس ومن هنا يرى فقهائنا بأن بني عبد المطلب جميعهم يستحقون الخمس وقد صرحوا بذلك يقول الشيخ صاحب الجواهر :
1 ، 2 ـ جواهر الكلام : 16 / 104 / طبعة دار الكتب الإسلامية / طهران.
3 ـ وسائل الشيعة : باب ( 1 ) من أبواب قسمة الخمس / حديث ( 8 ).
4 ـ وسائل الشيعة : باب ( 29 ) من أبواب المستحقين للزكاة.


(103)
     « لم يعرف منهم ـ أي من ذرية عبد المطلب ـ إلا المنتسب إلى الأولين ... وهم ذرية أبي طالب ، والعباس ، بل لم يبارك الله إلا في ذرية الأول منهما ، وان كان لا خلاف في إستحقاق الجميع الخمس » (1).
     وقد يقف الباحث مع هذا الإطباق من الفقهاء على استحقاق بني عبد المطلب الخمس على بعض الاخبار التي يظهر منها حصر المستحق بآل محمد ، وأهل بيته ، أو ذريته (ع) وما شاكل من هذه العبارات التي لا يظهر منها التعميم لكل من ولده هاشم حتى ولو كان من غير أبي طالب.
     ومن تلك الاخبار ما جاء مرفوعاً في قوله :
     « الخمس على خمسة اشياء ـ إلى قوله ـ والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد (ع) الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك بالخمس » (2).
     ومنها : ما عن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين (ع).
     قال فيها : « نحن والله عنى ( الله ) بذي القربى الذين قرننا بنفسه وبرسوله ـ إلى أن قال : ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيباً أكرم الله رسوله ، وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس » (3).
    وبمثل هذا جاءت بعض الروايات الأخرى.
    وقد أجيب عن هذه الروايات ، وبالإمكان تلخيص الاجوبة على النحو التالي :
    أولا : أن بعض الاخبار مما يفيد ظاهرها الاختصاص بآل محمد (ص)
1 ـ جواهر الكلام : 6/104 طبعة دار الكتب الاسلامية / طهران.
2 ـ وسائل الشيعة : باب ( 1 ) من أبواب قسمة الخمس / حديث ( 9 ).
3 ـ وسائل الشيعة : باب ( 1 ) من أبواب قسمة الخمس / حديث ( 7 ).


(104)
     ضعيف السند كما في مثل هذين الخبرين المذكورين (1).
    وثانيا : أن هذا النوع من الإختصاص محمول على نوع من التغليب لان أهل البيت هم السبب في تشريع الخمس (2).
    وثالثا : أنه لا منافاة بين كثير من هذه الاخبار ، وتلك الاخبار التي يظهر منها التعميم فان هذه محمولة على أن بعض الخمس لهم وهم ينوهون عن ذلك (3).
    ورابعاً : أنه لا منافاة بين ما يظهر من بعض هذه الاخبار أنها مختصة بهم بإعتبار أن الصدقة محرمة عليهم تكريماً منه تعالى لهم (ع) وبين تحريمها على غيرهم من سائر بني هاشم أيضاً لاقتضاء تكريمهم (ع) عموم التحريم لاقربائهم (4). على أن بعض الاخبار تعبر عن أن الخمس لقرابة رسول الله (ص) والقرابة تشمل غير أهل بيته من أولاد عمومته.

    4 ـ الخمس : تشريعه :
    من مجموع ما تقدم بيانه حيث عرضنا التقسيم الثنائي للخمس وتنصيفه بين حق الله ، ورسوله ، وقرباه من جهة ، وبين اليتامى والمساكين ، وأبناء السبيل من بني هاشم ، ومن الاخبار التي مرت علينا يتضح لنا أن فكرة الخمس في الموارد المالية يتوخى من ورائها تحقيق الأمور التالية :
1 ـ 2 ) ـ لاحظ مستند العروة الوثقى : ص ( 319 ـ 320 ) مطبعة الأداب / النجف الأشرف.
3 ـ لاحظ مستمسك العروة الوثقى : 9/576/ مطبعة الأداب النجف الأشرف.
4 ـ مستند العروة الوثقى / 320 مطبعة الأداب ، النجف الأشرف.


(105)
    الأمر الاول :
    أن الخمس فكرة حية للتكافل الاجتماعي.
    الامر الثاني :
    دعم المركز المالي للسلطة التشريعية.

    الامر الثالث :
    تكريم البيت الهاشمي أسرة النبي (ص) وذوي قرابته.
    1 ـ الخمس والتكافل الإجتماعي :
    وإذا ما عدنا إلى النصف الثاني من الخمس ، ورأينا تخصيصه بهذه الطوائف الثلاث : الايتام ، والمساكين ، وابن السبيل ، اتضح لدينا أن هذه العملية لا تخرج عن كونها صورة حية من صور التكافل الاجتماعي الذي يتوخاه الإسلام ، ويحرص على تطبيقه لينشد الضعيف الى الغني فلا يتركه يعاني ويلات الفقر ، بل يبقى مواكباً مسيرته الحياتية يتحسس مشاكله المالية ، ويفكر فيه ، ويأخذ بيده ليدفع عنه شبح العوز والفاقة.
    وبطبيعة الحال إن هذا التوجه من الغني ، والتودد منه نحو الفقير يوجب تعاطفه معه ، وجعله يتحين الفرص ليرد الجميل إليه بكل ما يستطيع من وسائل العرفان ، والإعتراف بهذا التعاطف الذي لمس حنانه منه يوم كان يتيماً لا أب له ، أو كان فقيراً لا كافل له ، أو كان ابن سبيل انقطع به الطريق في بلد لا معين له فيه.
    وبذلك تتصل الحلقات التي يتكون منها هذا المجتمع بما يحتوي عليه من جنسيات عديدة ، ومذاهب عديدة ، وآراء مختلفة.
    2 ـ تمويل السلطة التشريعية :
    نصف الخمس ـ كما بينٌاه ـ يختص بالله ، والرسول ، وذوي قرباه ،
اليتيم في القرآن والسنة ::: فهرس