المريخ

كوكب المريخ من الكواكب المعروفة منذ القدم وبسبب إضاءته ولونه الأحمر الذي يرى بوضوح في السماء ليلاً أطلق عليه اسم اله الحرب Mars. فاللون الأحمر هو لون الحرب والموت لدى الإغريق. المريخ هو رابع الكواكب بعداً عن الشمس، وسادس الكواكب من حيث الحجم. وأول كوكب يدور في مدار خارج مدار الأرض، وما يتبع ذلك من خصائص تختلف عما رأينا عند دراسة كوكبي عطارد والزهرة؛ مثل إمكانية رصد هذا الكوكب على فترات طويلة في السماء ليلا ً. فهو يقطع السماء من الشرق إلى الغرب. وبما أن مداره خارجي فلا يحدث له عمليات عبور أمام قرص الشمس. ولكن إذا افترضنا وجود ساكن على سطح المريخ فانه يستطيع رؤية الأرض وهي تعبر أمام قرص الشمس ويرى الأرض ترتفع إلى مستوى معين في السماء ولا يرصدها لفترة طويلة في ليل المريخ. والمريخ يبعد عن الشمس 228 مليون كلم (1.52 وحدة فلكية). ومدة دورته حول الشمس أطول لأن حجم المدار أصبح كبيراً الآن، وسنتناول هذه المواضيع في سياق هذا الفصل.

كوكب الخيال العلمي: لقد ألهب هذا الكوكب خيال العلماء والأدباء والفنانين كثيراً، وقضى الجميع فترة طويلة في محاولة مخاطبة سكان المريخ وتصور أشكالهم وصفاتهم وطبيعة حياتهم. حتى أن جائزة عرضت في عام 17/12/1900م من قبل الأرملة الثرية الفرنسية كلارا جوتزمان قيمتها 10 آلاف فرنك للبحث والاتصال مع أية حياة خارج الأرض عدا المريخ! لأنهم كانوا على ثقة تامة بأن المريخ مأهول وزاخر بالحياة. فكثرت القصص والحكايات والروايات والكتابات المختلفة عن سكان المريخ، ونشطت عملية الاتصال مع هؤلاء السكان ولكن دون جدوى حتى أنه في تقابل المريخ 25/8/1924 حيث اقترب المريخ من الأرض وأصبح على بعد 55.78 مليون كم فقط، استجاب الجيش الأمريكي لاقتراح قدمه الفلكي تود Todd وهو وقف كل الإرسال اللاسلكي الذي يرسله الجيش والإصغاء إلى إشارات لاسلكية محتمل أن يرسلها سكان المريخ إلى الأرض. وقد تكررت هذه الظاهرة في تقابل عام 1926م وتقابل عام 1928 م.

والآن لابد وأن نتساءل ما السبب الداعي لكل هذا الاهتمام بالمريخ؟ ولماذا لم نلحظ هذا الاهتمام عند دراسة الكواكب السابقة ؟ عند دراسة المريخ بصورة أولية لاحظ العلماء وجود قبتين جليديتين في شمال وجنوب الكوكب كما هما القطبان الجليديان على الأرض. وأن هاتين القبتين تغيران مساحتهما مع مرور الوقت، فإذا عرفنا أنه تتغير مساحة القطبين الجليديين على الأرض مع تغير الفصول الأربعة، حيث تقل المساحة صيفاً وتزداد شتاءاً. وسبب حدوث الفصول الأربعة على الأرض هو ميلان محور الأرض عن الخط العمودي مع مدارها بمقدار 23.4 ْ أثناء دوران الأرض في مدارها حول الشمس. فلا بد وأن سبب الاختلاف في مساحة الأقطاب على كوكب المريخ على مدار العام يدل على أن فصولاً تحدث على سطحه؛ وهذه الفصول لا تنشأ إلا من ميلان محور الكوكب عن الخط المتعامد على مداره. فلا بد وأن يكون محور الكوكب يظهر ميلاً عن العمود على المدار، وبالفعل وجد أن محوره مائل وأن درجة الميلان هذه تعادل 25.2 ْ وهي قيمة قريبة من ميل محور الأرض. فظن الكثيرين أنه مع تغير الفصول لا بد من وجود حياة.

وقد تمت بعض الأرصاد التي عززت نتائجها مثل هذه الفكرة حيث استطاع بعض الراصدين لسطح الكوكب من رصد بقع داكنة تتفاوت في ألوانها فاعتقدوا بأنها محيطات وقارات كالأرض. وتم رؤية بعض الغيوم البيضاء في مناطق معينة من سطحه. وكذلك تم رصد عواصف رملية متحركة . وعندما درس العالم كريستان هايجنز Christian Huygens الكوكب ورسم له أول خريطة، وجد أن اليوم المريخي يقارب 24 ساعة (في الواقع الرقم الصحيح لليوم المريخي هو 24 ساعة و 37 دقيقة و 22.6 ثانية) فهو قريب جداً من يوم الأرض. ووجود ليل ونهار بنفس طول ليل ونهار الأرض ارتبط بفكر الناس في تلك الفترة بوجود حياة شبيهة بالحياة على الأرض . وعندما تم رصد قمران صغيران يدوران قريباً من الكوكب عند مستوى دائرة الاستواء اعتقد بعض العلماء أنهما قمران صناعيان يدوران حول الكوكب. مثل هذه المشاهدات لابد وأن أثارت الخيال بوجوب وجود حياة مريخية بل وأنه يجب إجراء المحاولات المتكررة للاتصال بهم.

دراسة الكوكب عن كثب :

تشجع العلماء لدراسة هذا الكوكب عن كثب وأنه آن الأوان لتحليق مركبات فضائية نحوه للتعرف عليه. وكانت باكورة هذا النشاط والتي كللت بالنجاح مقارنة مع المركبات الفاشلة التي أطلقت قبلها المركبة مارينر-4 الأمريكية التي أطلقت في 28 تشرين الثاني عام 1964 نحو المريخ واستطاعت أن تبث بعض المعلومات الهامة. منها أن للكوكب غلاف جوي رقيق جداً يتألف من CO2 في أغلبه وضغطه الجوي قليل جداً. ولم تستطيع المجسات التقاط أي أثر لحقل مغناطيسي حول الكوكب وكذلك أوضحت الصور وجود فوهات واضحة متنوعة على سطحه. ثم أطلقت المركبتان مارينر 6 ثم 7 عام 1969 وقدمتا معلومات مشابهة لسابقتهما. وفي عام 1971 وبالتحديد في 30 أيار أطلقت المركبة مارينر 9 وكانت على بعد 1370 كلم من سطح الكوكب . هذه المركبة التي أعطتنا من المعلومات أهمها ومن الصور أبدعها، وأضافت الكثير لما نحتاج معرفته عن المريخ واستمرت بالبث حتى 27/تشرين الأول.

ولكن لا تزال دراسة وجود الحياة على المريخ تحتاج إلى مجسات تهبط على سطح الكوكب وتقوم بالدراسات اللازمة وكان تجسيد هذه الأفكار بإطلاق المركبة التوأم فايكنغ وهي عبارة عن مركبتين متشابهتين V-1و V-2 حيث هبطتا على سطح الكوكب الأولى في 20 تموز 1976 وهي الذكرى السابعة لهبوط الإنسان على سطح القمر، وكان موقع هبوطها في حوض كرايسCryse 22.4 ْ شمالا و47.5 ْغربا. ثم تلاها هبوط المركبة الثانية في 3 أيلول 1976 في موقع يوثوبيا Utopia 47.9 ْشمالاً 225.9 غرباً.وكم كان رائعاً عندما بدأت المركبتان ببث الصور والمعلومات عن سطح الكوكب وتركيب التربة والغلاف الجوي وحرارة السطح وفحص وجود حياة مهما كان نوعها....الخ. وكان موقع المركبتين مواجهاً للأرض لاستلام الرسائل التي كانت تستغرق حوالي 19 دقيقة للوصول إلى الأرض، ثم تبدأ الدراسات على هذه المعلومات مباشرة. ومن هذه الدراسات اتضح لنا عدم وجود أي شكل من أشكال الحياة على سطح هذا الكوكب حتى في أبسط صورها. فخاب أمل الكثيرين الذين تأملوا خيراً بوجود جيران لنا على كوكب المريخ. ولكن لا يزال العزاء أن البحث تم في نقطتين فقط على سطح هذا الكوكب وأن حجم العينات كان ضئيلاً جداً ولعلنا بحثنا في الزمان والمكان غير المناسبان.

جو المريخ :

لقد كانت أول الأخبار عن جو المريخ من سلسلة رحلات مارينر، حيث تم التأكيد على أن للكوكب غلاف الجوي رقيق جداً يصل إلى 0.01 بالنسبة لغلاف الأرض الجوي . يتألف هذا الجو الرقيق من CO2 في أغلبه حيث تصل نسبته إلى 95% من مكوناته. ثم تم تحليل مكونات الجو بواسطة مركبة فايكنغ الأولى لنصل إلى خلاصته عن تركيب الجو وهي كما في الجدول المجاور:

والضغط الجوي على سطح هذا الكوكب يقارب 1/100 من الضغط الجوي على سطح الأرض عند مستوى سطح البحر. وقد تم تلمس كمية ضئيلة جداً من الأوزون يصل تركيزها إلى 0.03 جزئ /مليون جزيء .ولكن هذا التركيز لا يحمي من الأشعة فوق البنفسجية الضارة. ونلاحظ من الجدول أن نسبة بخار الماء في الجو ضئيلة جداً مما يجعل الجو جافاً. ولكن بسبب برودة سطح الكوكب فإن كمية بخار الماء الضئيلة هذه تكفي لإشباعه. ومع استمرارية انخفاض درجة الحرارة دون درجة الندى تبدأ الغازات وخاصة CO2 بالتكاثف والتجمد والسقوط على سطح الكوكب. وتم رصد عواصف محلية على السطح وهي عبارة عن هبوب رياح قوية تتحرك بسرعة وتكون غيوم غبارية وزوابع تدور على السطح وتنقل التربة من مكان إلى آخر. وهذه الرياح التي تعصف على الكوكب لها كما على الأرض دورة رياح يومية ودورة موسمية. ولها تأثير كبير في عمليات الحت والتجوية على سطح الكوكب .ولأن كثافة الجو 2% من كثافة جو الأرض يجب أن تكون قوة الرياح أكبر بحوالي 7 إلى 8 مرات من قوة الرياح الأرضية حتى تستطيع أن تثير وتحمل الغبار وتكون زوابع .فالرياح الأرضية بسرعة 24 كلم بالساعة تثير هذه العواصف أما على المريخ فنحتاج إلى رياح بسرعة 180كلم بالساعة لتقوم بمثل هذه العواصف.ودعيت هذه التأثير بتأثير عُولس Eo`lian effect نسبة إلى اله الريح عُولس E`olus . ومن الأدلة الواضحة على تأثر عُولس لحركة الرياح هو الكثبان الرملية. حيث تحمل الرياح الرمال من مكان وتلقيها في مكان آخر. فنجد لها امتداداً واضحاً على سطح الكوكب.وعندما تثور كمية من الغبار فإن العاصفة تحافظ على بقائها بتحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة حركية ريحية ،حيث تمتص الطاقة من الإشعاع الشمسي وتسخن الجو وتزيد من سرعة الرياح.فيلف الكوكب دثار مصفر من الزوابع. ولعدم وجود ماء يغسل الغبار من الجو فإنه يبقى عالقاً لعدة أسابيع قبل أن يستقر على السطح ثانية. ومن الغريب أن هذه الرياح تعصف بهدوء ومن دون أصوات فلا ينطبق عليها أصوات العواصف الهادرة الأرضية.

الماء على المريخ:

ارتبطت تصورات العلماء الدارسين لهذا الكوكب بوجود شبكات المياه على سطحه. حتى أن الخرائط الأولية التي قاموا برسمها تضمنت وجود مثل هذه الشبكات. فكان الاعتقاد السائد بوجود ماء يجري على سطح كوكب المريخ. وقد قام العالم جيوفاني شيباريللي Giovanni Schiaparelli بتقديم خارطة عكف على إعدادها منذ عام 1877 واستغل ظاهرة التقابل عام 1879 ثم أعلنها عام 1881 أدهش فيها الجميع لأنها توضح القنوات المائية على سطح المريخ والتي أسماها Canali ووضع عليها 62 اسماً معظمها أسماء أسطورية ومنها أسماء عربية كالليطاني والفرات والنيل وغيرها. أما برسيفال لويل Percival Lowell وهو دبلوماسي ثري ترك السياسة واتخذ الفلك هواية وبنى مرصداً في ايرزونا لرصد المريخ وكان ممن آمنوا بحضارة المريخ، فقد أقنع عامة الناس بأن القنوات التي ترى بوضوح هي قنوات ري تمد الكوكب بالماء من منطقة الأقطاب.وكل هذا بالطبع أوهام ! ولكن بعد اقتراب المركبات غير المأهولة من الكوكب والهبوط على سطحه تأكد الجميع بعدم وجود ماء سائل الآن، ولكن هناك علامات لا يمكن الإغفال عنها تدل على أن الماء كان يجري على سطحه في الأزمنة الغابرة. وهذه الأشكال عبارة عن مجاري انهار و أخاديد جافة تبدو بوضوح. تدل على أنه ولا بد أن هذه المياه قد قامت بعملية حت للأودية وهي المسؤولة عن هذه الأشكال التي تشبه مجاري الأنهار، منابعها ،ومصابها على الأرض. وقد بدأت هذه الدلالات مع صور مارينر لسطح الكوكب ولكن أين ذهب هذا الماء الآن؟

يعتبر القطبان مستودع الماء على المريخ. ولكن في الشتاء وكما ذكرنا يتكاثف غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو ويتجمد ويهطل على سطح الكوكب ويساهم في زيادة حجم القبة الجليدية حيث تصل إلى 30% من حجم نصف الكوكب عند كل قطب. وفي الصيف المريخي يتناقص حجم القباب إلى 1% .ويعتقد أن القطب الشمالي للكوكب يتألف من جليد ماء يتصعد مع حرارة الصيف إلى الجو ويساهم في وجود نسبة من بخار الماء في مكونات الجو .ولكن أين الجزء الأكبر من هذه المياه؟ لا بد وأنها مخزونة تحت التربة أو قد يكون الماء محجوزاً في طبقات متجمدة متراكمة مثل القطب الجنوبي للأرض وهو ما يدعى ( بالجمد السرمدي )Permafrost أي تراكم طبقات متجلدة من الماء يصل سمكها إلى حوالي 1 كلم. فمن المتوقع أن يكون معظم الماء موجود في الأقطاب على شكل هذا الجمد أو قد يكون تحت التربة . من أين أتت هذه المياه؟ وأين ذهبت ؟ لا يزال لغزاً يستدعي البحث عن حله. ومع كل هذا الحديث عن المياه المتدفقة على سطح الكوكب سابقاً إلا أن سطح الكوكب الآن جافاً تماماً. وهناك بعض الأشكال السطحية التي تفسر وجود الماء سابقاً، مثل أشكال بعض الفوهات الغريبة والتي تدل على أنه لا بد من وجود جليد ماء عند تكونها لتفسير سبب غرابة شكلها. فالفوهات ذات القطر الكبير تختلف عن تلك الموجودة على عطارد والقمر فإن الاصطدامات عملت على توليد حرارة أدت إلى انصهار الجليد المتجمد في أرض الكوكب وهذه المياه لعبت دور المزلّق للحطام الناتج وانساب حول الفوهة على شكل موجات حتى جفت وتيبست أو بردت وتجمدت ويمكن رؤية آثار الانسياب السائل حول الفوهة.

وقد تمت دراسة صور تحتوي على أشكال تدل على مجاري مياه فيضية أي اندفاعات أو فيضانات مفاجئة أدت إلى تشكيل بعض التضاريس مثل تشكيل جزيرة الدمعة Tear-drop shaped Island والتي يقدر عمرها بثلاث بلايين سنة وتدل على أن الاندفاعات من المرتفعات الجنوبية إلى الأراضي الشمالية. إن الكوكب يحتاج إلى دراسة مستفيضة للإجابة على الكثير من التساؤلات ومن أهمها موضوع الماء على المريخ . فغلافه الجوي خفيف وضغطه الجوي قليل مما يؤكد على عدم وجود ماء سائل الآن، ولعله قبل أربعة بلايين سنة كان له جو كثيف ودافئ جعل احتمال الماء السائل ممكن ثم حدث تغير مناخي أدى إلى تجمد هذه الأنهار الجارية. ثم لسبب ما ارتفعت درجة الحرارة وانصهر الجليد مشكلاً اندفاعات هائلة أدت إلى تكون بعض الأشكال على السطح كما وصفنا ،ثم أصبح المريخ مرة ثانية جافاً ومتجمداً والله تعالى أعلم بما حدث.

أقطاب المريخ:

مهما تحدثنا عن أقطاب المريخ نجد دائماً مواضيع جديدة لإضافتها. فكما قلنا سابقاً إن الأقطاب جليدية أغلبها قد يكون من غاز ثاني أكسيد الكربون وتبدي هذه الأقطاب اختلافات في مساحتها حسب الفصول. تتألف الأقطاب من منطقتين منطقة دائمة التجمد residual caps ومنطقة تتعرض للتجمد والانصهار مما يجعل الظروف عليها متغيرة seasonal caps تحتل الأولى مساحة أقل ولكنها أكثر لمعاناً وتمتد في القطب الجنوبي إلى 350 كلم ودرجة حرارتها تصل إلى 150 درجة كلفن (-120 ْ س ) وفي القطب الشمالي تمتد هذه المنطقة إلى 1000 كلم ودرجة حرارتها تتجاوز 200 درجة كلفن( -70 ْ س) ويعتقد أنها تتألف من جليد ماء وهذا سبب تواجد بخار الماء بنسبة أكبر فوق القطب الشمالي صيفاً.لذا فمن المرجح أن القطب الشمالي مستودع المياه. ولكن ما يثير التساؤل الآن لماذا القطب الشمالي أدفأ بحوالي 50 ْ ؟ يعتقد أن السبب يعود إلى ثوران العواصف في القطب الجنوبي صيفاً وتمتد فترة حدوثها إلى زمن مقداره ربع سنة مريخية. وتندفع العواصف الغبارية من الجنوب إلى الشمال،حيث تمتص الحرارة بفعل حركتها كما ذكرنا وتدفأ الجو، فترتفع الحرارة في الشمال أكثر ولعل هذا هو سبب تواجد الكثبان الرملية بوضوح في النصف الشمالي للمريخ. وقد أكدت المركب مارينر- 9 على وجود مثل هذه العواصف الغبارية التي توّشح الجزء الشمالي للكوكب واستطاعت فقط رصد أربعة نقاط داكنة برزت فوق العاصفة سنتعرف عليها لاحقاً

تضاريس سطح المريخ :

كثيرا ما تحدث مكتشفي هذا الكوكب عن تضاريسه وعن طبيعة سطحه حتى انهم تصوروا إحدى الصور المرسلة عن سطح الكوكب على شكل منحوتات صخرية وأهرامات ولكن تبين فيما بعد أنها بفعل عوامل الحت والتعرية على سطح الكوكب .أول ما أرسل من معلومات عن سطح الكوكب كانت بواسطة ماريز-9 التي بثت صورة الكوكب موشحاً بعاصفة غبارية تخفي جميع المعالم عدا أربع نقاط داكنة، وفيما بعد هدأت العاصفة وبدأت الصورة تتوضح عن سطح الكوكب فصورت كما رأينا سابقا مجاري الأنهار الجافة,الأودية, الصدوع ,الفوهات البركانية وغيرها . ومن ثم أخذت المركبتان التوأم فايكنغ ببث المعلومات عن السطح كل واحدة حسب موقعها، وكانت محصلة هذه الدراسات تمييز الاختلاف بين نصفي الكوكب الشمالي والجنوبي من حيث التضاريس . فقد كان النصف الجنوبي للكوكب ذا فوهات أقدم عمراً وأكثر عدداً وأكثر ارتفاعاً ويحتوي على أعمق حوضين هماHellas وArgyre. وقدر العلماء عمر الأحداث على هذا الجزء بحوالي أربعه ملايين سنة. أما النصف الشمالي للكوكب فقد كان أراضٍ مستوية بعدد أقل من الفوهات البركانية ومناطق منخفضة وحديثة العمر. وقدر العلماء عمر أحداثه بثلاثة بلايين سنة .

وكما بثت المركبة مارينر– 9 صورة لأشهر أودية المريخ ومن أكبر الأودية في النظام الشمسي الذي دعي على اسم المركبة بوادي مارينر Valley Mariner بلغ طوله 4500كلم وعرضه 600كلم وعمقه يصل إلى 7كلم تحت السطح، وهذا الوادي مرتبط بمنطقة النتوءات التي تدعى نتوءات ثارسيس Tharsis bulges التي صورتها المركبة على شكل أربعة نقاط داكنة. عرف فيما بعد أنها قمم مرتفعات تفوق مرتفعات افرست الأرضية بثلاث مرات تقريباً لذلك ظهرت هذه القمم وكأنها نقاط داكنة برزت فوق العاصفة.والسبب كما فسر العلماء في حدوث هذا الوادي هو تصدع تكتوني في قشرة الكوكب أدى إلى تغيير التضاريس نتح عنه هذا المعلم الواضح في منطقة استواء الكواكب.وهو من أكبر الأودية المعروفة على سطح كواكب النظام الشمسي كافة. ولا يمكن أن يكون من عمل الإنسان أو بفعل مجرى الأنهار فالسبب الأكثر قبولاً لتكون هذا الوادي هو تصدع القشرة المريخية . أما النتوءات الأربعة الشهيرة فهي عبارة عن جبال بركانية وأشهر هذه الجبال البركانية على المريخ والمتميزة بقممها المرتفعة جدا هو جبل أوليمبوس Olympus Mons. وهو أعل الجبال البركانية في النظام الشمسي قاطبة ويقدر ارتفاعه بحوالي 25كلم عن المستويات المحيطية به، وعرضه عند القاعدة 700كلم، وقطر فوهته عند القمة 80كلم. ويعتبر هذا جبل بركاني ضخم جداً مقارنة مع أكبر بركان أرضي بركان Mauna Loa في هاواي والذي يبلغ ارتفاعه 9كلم وعرضه 120كلم عند القاعدة. ويأتي بعده ثلاث قمم أخرى أصغر قليلاً وأقل ارتفاعاً تقع على مستوى واحد. وتدفق الحمم البركانية منها يشكل منظراً مشابهاً لبراكين الأرض. وهذه القمم الثلاث هي: Mount Ascraeus , mount Pavonis ,mount Arsia

والسؤال هنا لماذا كانت مرتفعات المريخ بمثل هذه الضخامة؟ يعتقد العلماء السبب في ذلك له علاقة بسماكة قشرة المريخ ،فهو كوكب صغير حجمه أصغر من الأرض فبرد بسرعة وتكون له جزء يابس أكثر سمك من الأرض، فكان أقوى من أن يتصدع على شكل صفائح. وهذا أعطاه فرصة أطول للتطور . وعندما ثارت البراكين كانت قوة اندفاعها كافية لتصدع هذه القشرة السميكة .ولأن جاذبية الكوكب قليلة (0.4 من الجاذبية الأرضية) قل وزن هذه الاندفاعات وبالتالي زاد اندفاعها وارتفاعها للأعلى حتى شكلت هذه القمم الشاهقة. وبناء على هذه الجاذبية يصل ارتفاع الجبال إلى حوالي 2.5 ضعف من ارتفاع الجبال الأرضية. أما الأرض فهي أكبر حجما فكانت قشرتها قليلة السمك، وتصدعت إلى صفائح تميزت بظهور سلاسل جبلية بركانية صغيرة وكثيرة العدد مثل سلسله جبال هاواي البركانية وهي سلسله من الجزر البركانية في المحيط الهادئ وغيرها. ولان الجاذبية على الأرض أكبر كان اندفاع الحمم وتراكمها قليل. ولم توجد أية إثباتات على أن البراكين المريخية لا تزال نشطة, مع أن بعض العلماء يعتقد انه لا يزال يحدث ثوران فيها ولكن لم يتم تصويره في أي من المركبات السابقة . هناك أيضا فوهات نيزكية عديدة على سطح المريخ وقمراه. وتختلف هذه الفوهات عند مقارنتها مع فوهات القمر وعطارد اختلافاً واضحاً. وذلك حسب ما ذكرنا سابقاً أن الاندفاعات كانت سائلة القوام وامتدت إلى جوانب الفوهات قبل تصلبها . وأيضا لعل عوامل التجوية تأخذ دورها في تغيير أشكال هذه الفوهات أو طمرها بالكثبان الرملية المنتشرة على سطح هذا الكوكب حيث لا تظهر مثل عوامل التعرية هذه على القمر وعطارد. عندما هبطت المركبة فايكنغ وأرسلت أول صورة قريبة لسطح الكوكب كان رائعاً أن نرى السماء وردية اللون وصخور الكوكب وردية وحمراء وكانت تختلف اختلافاً واضحاً عن صورة القمر الذي بدى بصخوره وسماءه داكناً رمادياً. وكان من أهم المهمات التي كلفت بها فايكنغ هي تحليل التربة. وفي منطقة المركبة فايكنغ –1 بدى سطح الكوكب مكسواً بطبقة من الليمونيت وهي أكسيد الحديد المائي بأبسط صوره (الصدأ) وهو كما نعرف جميعاً أحمر اللون.

وكانت هذه الصخور بأشكالها المتنوعة تتكون من المواد التالية في كلا الموقعين: الحديد،الكالسيوم،السيليكون، تيتانيوم، ألمنيوم، مغنيسيوم،كبريت ،بوتاسيوم أكسيد الحديد وأكسيد السيليكون. ولم تحتوي التربة على أي شكل من أشكال الجزيئات العضوية حتى من العينات التي تم أخذها من تحت الصخور ظناً منهم أن هذه الصخور قد تشكل واقي من الأشعة فوق البنفسجية التي أدت إلى تدمير أشكال الحياة ومع هذا جاءت النتائج سلبية في كلا الموقعين أيضاً. ومن الصور الحديثة التي تم بثها صورة من العربة سبريت Spirit/ 2004 الصور المجاورة.

هوية الكوكب:

إن الدارس لهذا الكوكب يؤخذ في الأفكار التي تدور حول الكوكب والحياة عليه والمياه ومجاري الأنهار والأقطاب وغير ذلك مما مر معنا حتى أنه يكاد ينسى التعريف العام بالكوكب أو تحديد صفاته البديهية أو هوية الكوكب ولكن لا بد من ذكر هذه الأمور حتى لو جاءت متأخرة هذا الكوكب .للكوكب قطر استوائي يبلغ 6794 كلم مما يعادل 0.53 من قطر الأرض. ومن خلال تطبيق القوانين حسبت كتلة المريخ ووجد أنها تساوي 6.4×10 23 كغم. ومن معرفة الحجم والكتلة نستطيع حساب كثافة الكوكب والتي وجدت بأنها تساوي 3.9 غم /سم3 . للكوكب مجال مغناطيسي ضعيف جداً ويعادل 0.001 من مجال الأرض.ويتوقع العلماء أن نواته غير حديدية أو غير سائلة أو الاثنين معا.

مدار الكوكب:

المريخ كما قدمنا هو رابع الكواكب بعداً عن الشمس. وأول كوكب له مدار خارج مدار الأرض ويبعد عن الشمس حوالي 228 مليون كلم بالمتوسط. شذوذية مركزيته e = 0.093 وهي كبيرة نسبياً، مما يدل على أن مداره إهليلجي بشكل واضح حيث يكون وهو في الحضيض على بعد 206 مليون كلم عن الشمس وعند وصوله إلى الأوج يصبح على بعد 249 مليون كلم عن الشمس.فنرى فرقاً واضحاً في البعدين وهذا يؤدي إلى تباين كمية أشعة الشمس الساقطة على سطحه بنسبة تصل إلى 45% بين الأوج والحضيض،أي بفارق 30 ْ س وما يتبع ذلك من تغيرات في مناخ الكوكب بين الموقعين.ودرجة الحرارة تتراوح على السطح بين الشتاء والصيف -144 ْس إلى 27 ْس أما في المتوسط فإن درجة الحرارة تقدر بحوالي –23 ْ إلى -55 ْ س.

ويقطع الكوكب هذا المدار في زمن يعادل 687 يوم أرضي، وأثناء دورانه في مداره هذا تحدث له عدد من الظواهر. سنتعرف على بعضها في الأسطر اللاحقة. التقابل (اقتران الاستقبال ) Opposition: تحدث هذه الظاهرة عندما يكون الكوكب في الحضيض ويصطف المريخ والأرض والشمس على استقامة واحدة، الأرض في الوسط. وتتكرر هذه الظاهرة الفلكية مرة كل 780 يوماً، وحينها تكون المسافة بين المريخ والأرض أقل ما يمكن، ولكنها لا تتساوى في التقابلات المختلفة وذلك لأن مدار المريخ حول الشمس مفلطح إهليلجي وليس دائرياً كما هو الحال تقريباً مع مدار الأرض. وعليه فإن المسافة في التقابل تتراوح بين 55 مليون كم عندما يكون المريخ في الحضيض والأرض في الأوج، و102 مليون كيلومترا والمريخ في الأوج والأرض في الحضيض. وآخر هذه التقابلات كان بتاريخ 28 /آب/2003 ولكن أقرب مسافة بين الكوكبين كانت بتاريخ 27/8/2003 حيث وصل بعد الكوكب إلى حوالي 55.758.006 كلم فقط عن الأرض. وكانت شدة إضاءة الكوكب الظاهري حينها بقدر –2.9 والقطر الظاهري 25.1 ثانية قوسية، وهذا الحجم مناسب جداً لرصد سطح الكوكب بالتلسكوبات. وظاهرة التقابل هذه هامة لوكالات الفضاء لأنها تستغل القرب في المسافة من أجل إطلاق مركبات فضائية باتجاه الكوكب من أجل استكشافه. والصورة التالية تبين دورية حدوث التقابل كل سنتين وشهرين تقريباً. وبالمقابل عند حدوث الاقتران حيث تقع الشمس بين المريخ والأرض فإن قرص الكوكب الظاهري يتناقص إلى 4 ثواني قوسية فقط ويكون على بعد حوالي 400 مليون كلم . والشكل ( ) يوضح الفرق بين ظاهرتي التقابل والاقتران . وبشكل عام فإن المريخ يبدو في السماء مضيئاً بلون أحمر بسبب تضمن تربته لأكاسيد الحديد، وهو أقل لمعاناً من كوكب الزهرة والسبب في ذلك يعود إلى أن انعكاسية سطحه والبالغة 0.15 أقل من انعكاسية سطح الزهرة والبالغة 0.7 . أما السبب الثاني لقلة إضاءته هو حجمه الذي يعادل 30% من حجم الأرض القريبة من حجم كوكب الزهرة فهو أصغر بكثير وانعكاسية سطحه أقل بكثير. يدور المريخ حول محوره كما عرفنا سابقاً بمدة تعادل 24.6 ساعة أرضية شبيه بيوم الأرض.

قمرا المريخ:

قمرا المريخ فوبوس وديموس، اكتشفهما الفلكي Asaph Hall في تقابل 1877 م. وكما هي صفات الكواكب الداخلية الأرضية قليلة الأقمار فالمريخ له قمران ولكن للأسف قمراه صغيران جداً ويجب اعتبارهما قميران . وهذان القمران فوبوس وديموس حجمهما صغير جداً، وشكلهما غير منتظم، ويدوران على مستوى استواء الكوكب وقريبان منه جداً، وهما قليلا الكثافة حوالي2 غم /سم 3 ، وهما داكنا السطح كثيرا الفوهات النيزكية. القمر فوبوس Phobos ودعيّ على اسم أحد الأحصنة التي تجر عربة اله الحرب الإغريقي وتعني الخوف.عمر هذا القمر يقدر بحوالي 4.1 مليون سنة. أبعاده 28 كلم طولاً وعشرين كلم عرضاً ويتميز بوجود فوهة كبيرة تصل إلى 10 كلم تدعى Stickney. يدور حول المريخ على بعد 9378 كلم من مركز المريخ في مدار دائري يدير فيه للمريخ نفس الوجه دائماً. ديموس Deimos دعيّ على اسم الحصان الثاني الذي يجر عربة اله الحرب لإغريقي ويعني الرعب. هذا القمر أصغر قليلاً من سابقه أبعاده 16 كلم طولاً و 10 كلم عرضاً .ويحتوي سطح الكوكب على فوهة كبيرة يصل قطرها إلى 2 كلم. يدور هذا القمر على بعد 23459 كلم من نصف قطر الكوكب وهو القمر الخارجي. وأيضاً في مدار دائري معطياً نفس الوجه دائماً للمريخ. يدور حول الكوكب كل 31 ساعة.

يعتقد العلماء أنهما كويكبان أسرهما المريخ عند اقترابهما منه واصبحا قمرين يدوران حوله.

رحلات استكشاف المريخ:

1- من أحد مشاريع ناسا لاستكشاف المريخ كانت رحلة Mars Path Finder والتي تعتبر قليلة الكلفة نسبياً. هذه المركبة تم إطلاقها بنجاح على صاروخ دلتا-2 Delta II من قاعدة كاب كانفيرال بتاريخ 4/12/1996 .وحملت هذه المركبة معها العربة المتحركة والتي دعيت باسم (سوجورنر) Sojourner. بتاريخ 4/7/1997 هبطت هذه المركبة بسلام على سطح كوكب المريخ في منطقة وادي آريس Ares valley ( 19.5 ْشمالاً ، 32.8ْ غرباً) .وبعد هبوطها دعيت هذه المركبة باسم "محطة تخليد ذكرى كارل سيغان" Carl Sagan Memorial Station. وبتاريخ 6/7 تم إطلاق العربة المتحركة سوجورنر على السطح وبدأت باستكشاف سطح المريخ. واستمرت هذه العربة بإرسال كميات وافرة من المعلومات حتى تاريخ 27/9/1997 وربما يكون سبب فقد الاتصال تلف في البطارية لهذه المركبة بسبب انخفاض الحرارة على سطح الكوكب في منطقة الهبوط. 2- ومن المركبات الحديثة جداً مركبتا التوأم سبريت وأبورتونتي التابعتان لمشروع عربات استكشاف الفضاء MER:Mars Exploration Rovers . وهما عربتا فضاء توأمان: - سبيريت Spirit: أطلقت في 10 حزيران (يونيو) 2003 وصلت المريخ يوم 3 كانون الثاني (يناير) 2004 - أوبورتونيتيOpportunity : أطلقت في 7 تموز (يوليو) 2003 ستصل المريخ يوم 24 كانون الثاني (يناير) 2004 الهدف الرئيسي من هذا المشروع: البحث عن مياه بكافة أشكالها الممكنة على سطح المريخ.

[عودة لصفحة النظام الشمسي]


اعداد سناء مصطفى عبده، تصميم وادارة احمد الهدبان، الجمعية الفلكية الاردنية، جميع الحقوق محفوظة. لمزيد من المعلومات يرجى ارسال بريد الكتروني