ميشيل عفلق

المهندس ليث الشبيلات/الأردن *

يفرض فقه الواقع لا البراغماتية، وفقه الحياة العملية وليس فقه التنظير المتعالي الذي يفشل عند التنزيل على أرض الواقع، يفرض على كل صادق منا أن يعرض تجربته وتجربة تياره الفكري للمراجعة. وقد كنا فيما سبق من عقود نجعل الانتماء إلى مبدئنا العقائدي القول الفصل والأخير في علاقاتنا مع الآخرين.قد كنا كذلك جميعاً، لا أستثني أحداً إلا ما رحم ربي، نعتبر من ليس معنا أنه بالضرورة علينا ! كنا جميعاً في ذلك استئصاليين لا نرى في أحلامنا الطوباوية سوى مجتمعات كاملة الطهر أي منتمية بالكامل إلى مبادئنا. فالقومي كان ينظر للإسلامي بأنه رجعي عميل لا يليق به إلا الاستئصال (خاصة بسبب توظيف الإسلام من قبل الحكام لمقاومة الشيوعية واليسار المستقوي بالسوفييت) والإسلامي كان يعتبر القومي واليساري التقدمي ذيلاً للغرب ولأفكاره وعاملاً على تغريب الأمة. وهكذا كنا (ومازال بعضنا) يستعمل أبسط الرياضيات لحل أشد المعادلات تعقيداً، معادلات لا يمكن فهمها وبالتالي حلها إلا برياضيات متقدمة لا بمعادلات سطحية بسيطة. كنا جميعاً في التعامل مع فكرنا "مطهرين" puritans لا نرضى إلا بالمجتمع الطاهر من تأثير الغير أو حتى من وجوده كلياً، وليس بالضرورة الطاهر من الأعمال السيئة. كنا يومها قريبين في تصرفاتنا من "المطهرين" الأنغلوساكسون الذي أنتجوا المحافظين الجدد في الولايات المتحدة اليوم، ولو تمكن بعضنا من الحكم فإن استئصال الآخر كان سيكون منهجه، كما حدث فعلاً في حالة كل من استلموا الحكم منا. ولم نصح إلا عندما بدأ العدوان على بلادنا يتفاقم بوجهه السافر وحضر جند الغرب جنباً إلى جنب مع جند الصهاينة لفرض وجودهم المادي وسيطرتهم الكلية على بلادنا، عندها اكتشف المخلصون منا بأن الدفاع عن الوطن هو قاسمنا المشترك، وفعلاً تمايز الناس حسب إخلاصهم للوطن وليس حسب انتمائهم العقائدي، فسقط النذل المستفيد من نظام حكم مستهدفة بلاده في الوقت الذي انحاز فيه الصادقون من خصوم نفس النظام إلى خندقه المدافع عن الوطن رغم الآلام والمآسي السابقة التي لقوها على أيدي جلاوزة ذلك النظام.

وأستغل مناسبة الحديث عن الأستاذ ميشيل عفلق من وجهة نظر عربي إسلامي الانتماء للولوج مباشرة إلى ما يمكن تسميته بالنقد المقارن لأستخلص العبرة من قاعدة ثبتت بالتجربة والبرهان بعكس ما توقعت لها النظريات الاستنباطية ومفادها : "كم من حملة نقائض فكرية وجدوا أنفسهم في خندق واحد في الدفاع عن بلادهم وأمتهم، والتقوا بسبب من صدقهم مع تلكم المبادئ في محصلة نضالهم بوجدان الأمة، وكم من مفكر أو قيادي حمل فكراً منتمياً للأمة لكنه انسلخ عن وجدان الأمة بسبب من عدم ارتفاع أعماله إلى مستوى مبادئه وشعاراته فوجد نفسه في خندق المتخاذلين رغم صدق أحاسيسه التي لم ترتق أعماله إلى مستوى التضحية من أجلها؛ ذلك الخندق الذي هو نفسه للأسف خندق الفاسدين والمتآمرين عن سابق عمد وإصرار ضد مصالح أوطانهم!!!

من هذه المقدمة الملخصة يمكننا تلمس الإجابة عن التساؤل عن كيفية ثناء شخص إسلامي مثلي على الأستاذ ميشيل عفلق، في الوقت الذي قد يقع فيه كثير من زملاء الكاتب في التسطيح المدمر الذي قد يكفر الغير بمجرد العمل ناهيك عن تكفيرهم ومعاداتهم بسب من مبادئهم العلمانية مثلاً أو انتمائهم لدين غير دين الإسلام ؛ وهنا سأفترض عدم صحة واقعة إسلام الأستاذ ميشيل لا لأن مثل تلك الواقعة غريبة عن مفكر صادق جريء مثل الأستاذ، الحكمة ضالة أمثاله أنى وجدها أخذ بها، بل لأزيل أي تشكيك يفسر انحيازي إلى الأستاذ اليوم بأني إنما أفعل ذلك تعصباً لواقعة إسلامه. فأقول بأننا إن لم نفرق في الشأن الديني بين البيعة مع الله وبيعة المواطنة التي قرر أسسهما الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في أول دستور مكتوب وجد على سطح الكرة الأرضية، صحيفة المدينة المنورة، فإننا سنمزق نسيج مجتمعاتنا التي ترعرعت واشتد عودها بسبب من ذلك الدستور ونهبط بها بفهمنا القاصر إلى مدارك الأسفلين. لقد وصف عليه الصلاة والسلام المسلمين بالأمة التي يتعاقل أفرادها بينهم (أي أنهم تتكافل دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويفدون عانيهم إلى آخره)، ثم وصف عليه الصلاة والسلام المسلمين ويهود بني عوف بأنهم أمة ملزمون جميعهم بالدفاع عن دولة المدينة المنورة ونظام حكمها من كل اعتداء يقع عليهما من الأعداء. فمن أراد أن يبايع سيدنا محمد بصفته رسول الله (وليس كرئيس للدولة فقط) وطلب أجراً على ذلك الجنة بايعه الرسول عليه الصلاة والسلام على ذلك، ومن ضمن البيعة بالضرورة بيعة حماية الوطن والنظام لأن الجهاد جزء لا يتجزأ من الإيمان والبيعة، ومن أراد أن يبايع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كرئيس للدولة، بيعة المواطنة فقط، كان له ذلك. ولو أن يهود بني عوف وفوا بيعتهم ولم يغدروا بها كما فعل أحد كبارهم، مخيريق، لما كان أشكل على بعضنا فهم سعة الإسلام وكيف أنه أقام دولة المواطنة التي تحكم بشرع الله وليس دولة المطهرين puritan state التي يحتاج فيها الإنسان للدخول في الإسلام ليصبح مواطناً ! والفرق بالطبع كبير. لقد خالف مخيريق اليهودي الشهم قومه معاتباً إياهم على غدرهم في ما بايعوا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم إذ بايعوه على الدفاع عن المدينة المنورة إذا تعرضت للغزو  ( كما جاء في صحيفة المدينة المورة دستور الدولة الوليدة) وأوصى بماله الوافر إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن هو قتل وخرج مع القوات المدافعة عن الدولة وقتل مسجلاً شهادة في سبيل الوطن وليس شهادة في سبيل لله والدين، فقال فيه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم: "مخيريق خير يهود" في الوقت الذي رجع فيه ثلث جيش المسلمين بقيادة رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن أبي سلول ولم يدافعوا عن عاصمتهم ودولتها حتى نزلت فيه آية (ولا تصل على أحد مات منهم أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون). وبهذا نفهم بأن الرسول عليه الصلاة والسلم لم يقم دولة "المطهرين" البيوريتانيين المسلمين على الأرض، وقبل من غير المسلم بيعة المواطنة، فوسع الناس بإنسانية رسالته ولم يحصرها في المسلمين. كما منع من ناحية أخرى محاكم التفتيش حتى تلك التي تستهدف الكشف عما في قلوب المسلمين إذ لم ينكل ولم يضطهد ولم يكفر ولم يستئصل المنافقين من المسلمين رغم أن الوحي يعلمه علماً يقينياً بما في قلب فلان من النفاق. لماذا ؟ "حتى لا يقول الناس أن محمداً يقتل أصحابه" ! وحتى لا تكون سنة لحروب وفتن أهلية يكفر بعضنا فيها بعضاً بالأعمال. فوسع المجتمع ليكون مجتمعاً إنسانياً يقبل التنوع وحماه من الغلو والظن والأخذ بالريبة وبالتالي من الفتن.

إن أعظم هدية أهديناها في السابق إلى المستعمر كانت ضيق صدرنا ببعضنا البعض والاستئصالية التي كان يغذيها الفكر البيوريتاني القومي والبيوريتاني الإسلامي والبيوريتاني اليساري. فدخل البعثيون والشيوعين في مذابح استئصالية في العراق مثلاً، لا يقبل طرف وجود الآخر فوق الأرض. وفعل غيرهم مثل ذلك كما في الجزائر. حتى أنهكتنا صراعاتنا فيما بيننا أكثر مما أنهكنا الصراع مع صنائع الاستعمار من الأنظمة الخادمة المستخذية للغرب. ولئن صحونا الآن فإن الصحوة ليست شاملة ناهيكم على أنها متأخرة وبعد خراب البصرة.

والآن وقد قطعت جهيزة قول كل خطيب إذ أعلن الأمريكان بأن البعث عدو يجب استئصاله وضموه في ذلك إلى الإسلام الثوري والإسلام الجهادي فلا يجرؤ إلا عميل ثقافي على تصنيف البعث والبعثيين وإسلام الصادقين من المجاهدين الأفغان وابن لادن على أنهما عميلان للغرب كما كان خصومهما ينعتونهما في السابق رغم الأخطاء الكبيرة التي أوقع بها هؤلاء أنفسهم فيها. فشتان بين الخطأ والخطيئة، "فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، وفد علمنا الإمام علي بن أبي طالب درساً بليغاً في ذلك عندما طالبه " الإعلاميون الاستئصاليون" من حوله بلعن الخوارج فأجابهم بمقولته الخالدة : " ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه". نعم لقد قطعت جهيزة قول كل خطيب ! ولئن طبقنا اليوم الفتوى السهلة الممتنعة التي سلح الإمام الثائر الخميني الناس بها حتى لا يغدر بهم أشياخهم وملاليهم فيضلونهم من بعده ومفادها:" انظروا إلى موقعكم من أمريكا فإن هي رضيت عنكم فاتهموا أنفسكم" لعلمنا أين يقع البعث في الخارطة ولعلمنا مقدار الخطيئة التي يرتكبها ورثة الإمام إذ يغازلون أمريكا كاللواتي يتمنعن وهن الراغبات، فيستنبطون شعارات تنسف وجودهم وتنسف المذهب العظيم الذي يعتنقونه والذي أنتج المعارضين والثائرين، مثل شعار "الحياد الإيجابي" عند حلول الغزو الاستعماري الكافر في البلاد، وشعار "المقاومة السلمية" للأمريكان بعد أن كان شعار الموت لأمريكا والموت لإسرائيل محور شعاراتهم.

وعوداً إلى موضوعنا نقول :لئن أسلم الأستاذ أم لم يسلم، فإن البوريتانية التي تسيطر على الغرب تعتبر كل العرب مسلمين وتتعامل معهم دون تفريق على هذا الأساس، تماماً مثلما جاءت حملة كاملة من حملات الفرنجة في الحروب التي أطلقوا عليها هم اسم الحروب الصليبية تستهدف المسيحية الأرثوذكسية في القسطنطينية. ومثل هذا التعميم المخل لا يقوله جهلة عوام في أمريكا بل أساتذة في مراكز بحوث يزعم بأنها شديدة الاحترام  فقد قرأت قبل عقد من الزمان في إحدى أكثر المطبوعات السياسية احتراماُ في الولايات المتحدة وهي دورية "فورين أفيرز" Foreign Affairs " مقالاً عن مؤتمر لمتشددين إسلاميين عقد في الخرطوم حضره أشخاص ذكرتهم المطبوعة ومن ضمنهم جورج حبش ونايف حواتمة. فكل ثائر على الاستعمار عندهم متشدد إسلامي مهما كانت قبلته.

لم تسنح لي الفرصة للالتقاء بالأستاذ ميشيل فعندما كان كثير من زملائي الطلاب الجامعيين منخرطين في العمل السياسي وكثير منهم تعرفوا عليه أو على "الحكيم" أو على الأستاذ السباعي أو الأستاذ النبهاني وأمثالهم وانخرطوا في العمل معهم كنت أعتبر القيادة الطليعية السياسية فرض كفاية إذا قام به الغير سقط عن الآخرين حتى ألحقتني الظروف بالعمل السياسي بعد بلوغ الأربعين، ولكني التقيت الكثيرين من تلامذة الأستاذ. وكما في كل الفئات والجماعات فإن منهم من صدق مع مبادئه فالتزمها قولاً وعملاً وحفظ أخلاقه من الانغماس في مغانم السلطة عندما استلم البعث الحكم في سوريا والعراق ومنهم غير ذلك. ولكن لا يمكن القول أبداً بأن من فسد منهم قد فسد بسبب فساد المبدأ بينما تستطيع الجزم بأن الملتزم منهم قد زاده الالتزام بمبادئ البعث خلقاً ووطنية فكما أن وجود ثلاثمائة منافق في جيش المسلمين في أحد لا يعتبر منقصة في مبدأ الإسلام بل منقصة ذاتية في ذواتهم فإن ذلك ينطبق على جميع المبادئ الإنسانية. وصدق الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إذ يقول : " الحق مقياس الرجال والرجال ليسوا مقياساً للحق ". ولقد أعجبت بمن عرفت من الملتزمين منهم رغم أخطاء ارتكبوها وصل بعضها إلى مرتبة الخطيئة مثل استئصال شأفة الخصوم السياسيين ولا أجد لهم عذراً أبداً في ذلك إلا أننا معشر المنتقدين لم نرق في نفس الحقبة إلى مستوى أرفع من ذلك، فالكل في النصف الثاني من القرن العشرين كان لا يتسامح ولا يتعايش إلا قسراً مع الآخر ولو تمكن الآخرون من السلطة لارتكبوا نفس التصرفات القمعية الاستئصالية في حق الآخرين كما حدث في حالة كل الذين استلموا السلطة، وإن كان الأمر على درجات متفاوتة من البطش، فيما عدا الحالة السودانية التي لم يصل الاستئصال فيها إلى البطش الدموي. فلئن كان النقد والإدانة واجبين في حق البطش والبطاشين فإن الإدانة لتنسحب أيضاً على البيوريتانيين الآخرين الذين كان البطش كامناً في داخلهم ينتظر فرصة السلطة لكي ينطلق ويطهر الغير إرضاءً لله زعماً، أو للشرعية الثورية أو للشرعية الجماهيرية أو غير ذلك من الأصنام الحديثة. ومن معرفتي بالتلامذة الملتزمين عرفت أستاذهم، فقد سؤل سيدنا الإمام الشاذلي رضي الله عنه عن كتبه فأشار إلى تلامذته قائلاً هؤلاء كتبي.

لا شك بأننا أخطأنا في وصف الفكر البعثي بأنه إلحادي لأنه مجرد علماني، وقد ساعدنا على ذلك سؤ تصرف الكثيرين من البعثيين والقوميين في فترة المد اليساري إذ كانوا يسخرون من الدين ويعتبرونه رجعياً خليقاً بالتحالف مع الاستعمار فلم يكونوا منصفين في ذلك. ونحن بدورنا سحبنا تصرفاتهم ومواقفهم على أنها مقياس لمبدئهم وهو أمر غير صحيح. فمن معرفتي القريبة في العقد الأخير بالبعثيين علمت بأن عقيدة البعث ترفض الإلحاد ولا تقبل موقفاً حيادياً منه كما هو الحال أيضاً في الفكر القومي الاجتماعي. فمع أن الفكرين علمنيان يفصلان الدين بالكامل عن الدولة، إلا أن ذلك لا يعني الترحيب بالإلحاد بل رفضه وعدم السماح بتغلغله. ولئن سألت بعثياً عن الرسالة في شعار "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"  لما استطاع أن يعلن رسالة غير الرسالة التي حملها العرب للإنسانية : رسالة الحضارة الإسلامية. ولكن التصرف لا شك لم ينسجم مع الفكر مما ساعد الخصوم على الطعن في المبدأ من خلال الطعن في الرجال. وإن محاضرة الأستاذ الشهيرة " في ذكرى الرسول العربي الكريم" لكفيلة ببيان رأي مؤسس البعث ومفكره في الإسلام وكذلك حملة الإيمان التي قادها الرئيس صدام حسين.

لا شك أن ممارسة البعثيين السيئة وخاصة موقفهم من الانفصال، والأنكى من ذلك الخلاف بين البعثين السوري والعراقي وعجز جميع الوساطات عن رأب الصدع إلا بعد فوات الأوان أسقط أسهم البعث ومصداقيته إلى أدنى الحدود، لكن تمسك البعثيين رغم الخطيئات الكبرى تلك بفضيلة عدم خيانة الأمة بالانحياز إلى المشروع الاستعماري كما فعل غيرهم من الأنظمة الأخرى لدليل على نظافة المعتقد البعثي حتى إن الأمريكان أعلنوا رغبتهم في استئصال شأفة البعثيين من كبيرهم إلى صغيرهم لاعتبارهم أعداء المشروع الاستعماري الأمريكي.

وإن الاعتداء الحاقد اللاأخلاقي على قبر الأستاذ ميشيل من قبل برابرة العصر الذين يطبقون المعايير المزدوجة في كل سلوكياتهم من التمثيل بجثث الموتى إلى الدوس على المواثيق الدولية في ما يخص الأسرى إلى عشرات التصرفات التي لا تخرج عن أخلاقيات مبيدي الشعوب والأمم الأصلية في الأمريكتين لهو دليل على مدى حقدهم على ميراث الأستاذ ميشيل، خاصة وأن صلب المقاومة العراقية الباسلة يتكون من البعثيين. ويعتبر الأمريكيون بذلك أن كل قتيل أمريكي تقع مسؤوليته على المفكر الذي جمع القوم على مبادئ العروبة والأمة الواحدة والنضال ضد الاستعمار والهيمنة. ولا يدركون بأن تدنيس القبور وإزالة آثار الزعماء الذين يمرون على الأمة في تاريخها يعتبر صبيانية فوق اعتباره نذالة. فتزوير التاريخ مستحيل وإن الأمم الحية لتحفظ تراثها بغض النظر عن رضاها أو عدم رضاها عن زعامة معينة أو فترة محددة. لقد قامت الدنيا ولم تقعد على تدمير صنمي بوذا في بلاد الأفغان وعبئ العالم من ضمن ما عبء ضد الطالبان بسبب من هذا العمل. أما تدنيس قبر زعيم من زعماء الأمة العربية فلا يعتبر جريمة في عرف اللانظام الدولي ولم يحرك احتجاجاً من قبل أي مسؤول عربي. ويمكننا فهم ذلك كدليل على أن زعماء الأمة الحقيقين الذين ماتت أجسادهم ما زالوا أحياء في وجدانها يحركون الناس بينما يثبت زعماء الدول العربية مرة أخرى بأنهم جثث متحركة قد ماتت قلوبهم إذ ماتت عندهم الشهامة والغيرة على الأرض والعرض.

فكل الاحترام لذكرى الأستاذ ميشيل ولنضالات أبطال العراق من شتى المشارب وللرئيس الشرعي للعراق المناضل البعثي صدام حسين.

والحياة لأمتنا ورساتها الخالدة    والخزي والعار للخونة وللعملاء.

* كلمة ألقيت في رابطة الكتاب الأردنيين بدعوة من منتدى الفكر الاشتراكي وجمعية الفلسفيين الأردنيين بتاريخ 20/3/2003