الشيخ عبد الباسط الفاخوري 

هو الشيخ عبد الباسط إبن الشيخ علي الفاخوري، ولد في بيروت سنة 1240هـ 1824م وكان أبوه الشيخ علي من العلماء، وقد تلقى الشيخ عبد الباسط العلوم والفنون على مشايخ بيروت وقتئذٍ ثم اختص بعلامتي عصرهما الشيخ محمد الحوت والشيخ عبد الله خالد الكبيرين عليهما الرحمة والرضوان، فقرأ عليهما الفقه والتوحيد والحديث والأصول والتفسير وغير ذلك من المعقول والمنقول وبرع فيها كلها.

 

الشيخ عبد الباسط الفاخوري كان مشاركاً لأبيه في الأعمال التجاريّة، على أن انهماكه في هذه الأعمال لم يحل دون مواظبته على طلب العلم على عادة تجار ذلك الزمان الذين كانوا يحرصون على حضور الدروس الدينيّة في المساجد على العلماء بعد أداء الصلاة.

 

كان حريصاً على متابعة الدروس التي كان يلقيها الشيخ محمد الحوت الكبير في المسجد العمري الكبير لا سيما دروس الفقه والحديث حتى برع فيهما وأحاط بأسرارهما وكان له فيهما اليد الطولى والرسوخ التام ، وأصبح عالماً كبيراً في الشريعة الغراء مما حدا بشيخه الشيخ محمد الحوت أن يمنحه الإجازة بإعطاء الدروس وهو دون الخامسة والعشرين من عمره، فكان رحمه الله يجمع بين معاطاة التجارة وأداء الدروس في آن واحد، إلا أنه إنصرف أخيراً عن الاشتغال بأسباب التجارة وإلتفت إلى مواصلة التدريس دون أن يتناول على عمله هذا أجراً مادياً وإنما كان يفعله طمعاً في حسن المثوبة عند الله وحرصاً على تفقيه الناس في أمور دينهم وتبصرهم بدقائق الإسلام ومزاياه التشريعيّة.

 

وكانت بيروت في تلك الأيام تواجه غارة تبشيريّة مسعورة قادها المرسلون الأميركان والأوروبيون من قساوسة البروتستانت وكهنة اليسوعيين، فقد أسّس هؤلاء وأولئك المدارس في جبل لبنان ومدينة بيروت وجعلوا منها مصيدة لأبناء المسلمين الراغبين في العلم العصري بغية افتراس إيمانهم وتحويلهم عن دينهم أو على الأقل تشكيكهم بعقيدتهم الإسلاميّة وزعزعة ثقتهم بتراثهم وتاريخ رجالهم.

 

وأمام هذه الغارة المركّزة التي شنتها الصليبيّة العالميّة من أجل تهديم الإسلام من داخله عن طريق الغزو الفكري المسلّح بكل وسائل الدعاية والإغراء من الأموال والرجال، إستنفرت طائفة من علماء المسلمين وأعيانهم في بيروت واجتمعت في بيت الشيخ عبد الله خالد بدعوة منه حيث تدارس الجميع أمر مجابهة المدارس التبشيريّة من أميركيّة ويسوعيّة وقرّ رأيهم على إنشاء مدارس إسلاميّة تستوعب ناشئة المسلمين وتبعث فيهم يقظة فكريّة على أسس حديثة وتسلحهم بالعلوم العصريّة على أسس دينيّة لتقيهم شر الإنزلاق في طريق التبشير المقنّع بالشعارات العلميّة.

وكان ذلك حوالي سنة 1280هـ 1864م أو سنة 1281هـ 1865م إذ اصطحب الشيخ عبد الله خالد عيون المشايخ إلى والي الإيالة حيث ظفروا منه بالترخيص لإنشاء مدرسة إسلاميّة على الأساليب الحديثة، وبالفعل فإن هذه المدرسة ظهرت إلى الوجود وكان مقرها جامع الأمير منذر بن سليمان التنوخي الذي كان معروفاً باسم جامع النوفرة.

وتألفت الهيئة التعليميّة الأولى في المدرسة المذكورة من الشيخ عبد الباسط الفاخوري والشيخ عمر الأنسي والشيخ عبد الرحمن الحوت والشيخ عمر خالد وكانت المواد التي كُلّف هؤلاء الشيوخ بتدريسها مشتملة على الصرف والنحو والفقه والتوحيد.

ثم إن الوالي راجع الآستانة مستأذناً بفتح مدرسة أخرى عُرفت يومها بالمدرسة الرشديّة وكان ذلك سنة 1284هـ 1867م، كما فتح الشيخ عمر البربير في بيروت مدرسة أخرى باسم المدرس القادريّة، وقد تخرج من هذه المدارس عدد كبير من الطلاب الذين أصبحوا فيما بعد باكورة علميّة وتولوا المناصب الرفيعة في دوائر الدولة الدينيّة والمدنيّة.

 

تابع الشيخ عبد الباسط الفاخوري مهنة التدريس في مدرسة جامع الأمير منذر، النوفرة، في بيروت وقد أظهر رحمه الله في هذه المدرسة كل حميّة للدين وإخلاص في التعليم، وأبدى من الكفاءة والمقدرة ما جعل أبناء بلده يحيطونه بكل مظاهر الإجلال والتوقير. فلما تُوفي الشيخ محمد المفتي، حفيد الشيخ عبد اللطيف فتح الله المفتي في 18 رجب سنة 1296هـ تموز 1879م الذي شغل منصب الإفتاء حوالى ثلاثين عاماً، أجتمع أهل الحل والعقد من علماء بيروت وكبرائها وأعيانها وذوي الرأي فيها، وقرّ رأيهم بالإجماع على اختيار الشيخ عبد الباسط الفاخوري لمنصب الفتوى في هذه المدينة خلفاً للمفتي الراحل، وقد وافقت إسطمبول على هذا الاختيار وتمّ تعيينه في هذا المنصب يوم 25 رجب سنة 1296هـ 1876م.

والجدير بالذكر أن الشيخ عبد الباسط الفاخوري وصل إلى أريكة الفتوى دون أن يرشّح نفسه لهذا المركز الديني المرموق، ذلك أن أهل بيروت وفي مقدمتهم العلماء هم الذين أرادوه له ولم يتقدم أحد من الشيوخ لترشيح نفسه وذلك احتراماً لهذا العالِم الفاضل الذي كان بنظرهم أجدرهم بالفتوى وأكثرهم لياقة للقيام بأعباء هذه الرسالة التي تناط بمن تلقى على عاتقه تبعات الشؤون الدينيّة وأعباء التوجيه الروحي في قومه، فلقد كان الشيخ عبد الباسط الفاخوري رحمه الله يمتاز بسعة العلم وصدق التقوى واستقامة الأخلاق والصلاح الكامل .

ولقد بقي الشيخ عبد الباسط الفاخوري يشغل منصب مفتي بيروت من حين توليته فيه إلى حين وفاته في 2 صفر 1323هـ نيسان 1905م.

 

من مؤلفاته :

       تحفة الأنام ، مختصر تاريخ الإسلام

       المجالس السنيّة ، في الوعظ والإرشاد

       هدية الطالبين وهداية المسترشدين.

       في عقيدة الدروز ، لم يطبع.

       النبّوت في رأس أهل بيروت ، كتاب في نقد أهل بيروت.

//-->