The Patriarchate

 

كـنيسة المـشرق بين شـطريها

بقلم : "المطران مار سرهد يوسب جمو"

مُقدمة

        يقول رسول الأمم بولس في رسالتهِ الى أهل أفسس (4،4-5) "...... هناك جسد (أي جسم كنسي) واحد وروح واحد، كما أنكم دعيتم دعوة رجاؤها واحد. فهناك رب واحد وايمان واحد ومعمودية واحدة". هذا هو المنطلق والمفهوم العقائدي. أما الواقع التاريخي والوضع القائم فأمر آخر. ذلك لأن هذا الجسد المسيحي او الكيان المنظم الواحد تباعدت بعض أطرافهِ. تحت ضغط العوامل اللاهوتية والجوانب الثقافية والسياسية، عن بعضها البعض وربما عن المتن. وطالت الحال ردحاً من الزمن حتى ألفت هذه الأطراف حال الأنعزال وأعتبرتها وضعاً طبيعياً لا بأس به.

ولسنا نعني في هذه المقدمة بالبحث عن موضوع الوحدة المسيحية عموماً، إنما يهمنا هنا الحديث عن علاقة الشرق المسيحي على تنوعهِ بالغرب المسيحي المتمثل بروما، وعرض إجمالي للظروف التاريخية التي أدت بتلك الأطراف الشرقية الى التباعد عن ذلك الغرب الروماني.

ونحن اذا شئنا التبسيط في عرض الأمور لأمكننا القول أن تاريخ الكنيسة معالم ثلاثة يجوز إعتبارها نقاط تحول في المسيرة الكنائسية:

 

المعلم الأول هو مجمع أفسس الذي أنعقد سنة 431 م. والذي حُرم فيهِ نسطوريوس بطريرك القسطنطينية وما فهم عن تعليمه من أن في المسيح طبيعتين وأقنومين وشخصاً واحداً. وقد أدى هذا الموقف آخر الأمر الى إبتعاد كنيسة المشرق المنتشرة في بلاد ما بين النهرين وفارس وشرقهما عن الكنيسة الغربية تدريجياً حتى إنعزالها عنها لقرون عديدة. لذلك شاع عنها لفترة أسم "الكنيسة النسطورية". وتلك هي كنيسة أجدادنا.

و المعلم الثاني هو مجمع سنة 451 م المنعقد في مدينة (خلقيدونية)، والذي حرم فيه رأي القائلين أن في المسيح طبيعة واحدة. وقد أدى هذا الموقف الى انفصال تدريجي لكنائس مصر والحبشة وسوريا وأرمينيا. وهي الكنائس التي أطلق عليها حديثاً أسم الكنائس المونوفبزية، ويطلق عليها أسم "الكنائس الأرثوذكسية الشرقية" وهي الكنيسة القبطية والحبشية والسريانية والأرمنية. والمعلم الثالث هو الخلاف المذهبي على بعض القضايا اللاهوتية بالأضافة الى موضوع الرئاسة الكنسية بين العاصمة البيزنطية (القسطينية) وروما البابوية، والذي يبلغ ذروته على عهد بطريرك القسطنطينية ميخائيل جيرو لاريوس وانتهى بتراشق الحرم (سنة 1053م) بين الكردينال هومبرتودي سيلفا كانديدا، الموفد من قبل البابا لاون التاسع، والبطريرك المذكور. وهكذا ترسخت القطيعة بين الكنائس البيزنطية والعرب المسيحي. وقد شملت هذه القطيعة الكنيسة اليونانية والملكية والروسية والاوكرانية والروثينية والسربية والرومانية. ويطلق عليها اسم "الكنائس الأرثوذكسية".

وهكذا بأنقضاء الألف المسيحي الأول من عمر الدعوة المسيحية نرى ان الشرق بكامله اي من شرق اوربا حيث الشعوب السلافية نزولاً الى الشرق الاوسط واقوامه العريقة حتى الشرق الاقصى، أنشطر الجسم الكنسي الى "شرق وغرب"، وانشطر الشق الشرقي نفسه الى مجموعات ثلاث هي "كنيسة المشرق" التي سميت لاحقاً بالكنيسة الكلدانية والاثورية، والكنائس الارثوذكسية الشرقية وهي السريانية والقبطية والحبشية والارمنية، والكنائس الارثوذكسية البيزنطية من يونانية وسلافية.

 

محاولات الوحدة الجماعية

       لابدّ للمسيحيين، لاسيما المسؤولين الكنسيين منهم، ان يستذكروا كلمات الرب في صلاته الكهنوتية؛ "أحفظ باسمك الذين وهبتهم لي، ليكونوا واحدا كما نحن واحد (يو 11:17)، ولامناص لهم من السعي في سبيل إعادة الجسم الكنسي الى وضعه الوحدوي الطبيعي، لذا فأن محاولات الوحدة تتابعت مع مرّ العصور بين كل من الكنيسة الرومانية وكل مجموعة وفرع من الكنائس الشرقية الثلاث، حتى توصل مجمع ليون سنة 1274م ثم مجمع فلورنسا سنة 1439م الى ابرام الوحدة بين ممثلي الكنائس البيزنطية والغرب الروماني. غير ان هذه الوحدة سرعان ما تراخت وزالت لانها تمت تحت ضغط الاوضاع السياسية والعسكرية ودون تهيئة للأجواء الكنسية والشعبية. حتى اهملت تماماً لأن الغرب المسيحي لم يفعل شيئاً مجدياً لانقاذ القسطنطينية من الاحتلال التركي سنة 1453م.

بعد فشل هاتين المحاولتين الكبيرتين اتجه النشاط الوحدوي لاحقاً الى اسلوب الحوار مع كل كنيسة شرقية على حدة. وكانت كنيسة المشرق (كنيسة أجدادنا)، الملقبة أحياناً بالكنيسة النسطورية والمسماة لاحقاً بالكنيسة الكلدانية والاثورية، هي السباقة في هذا المضمار، حيث تم توقيع وثيقة الأتحاد على يد يوحنان سولاقا رئيس الرهبان سنة 1553م في روما. وعقب ذلك التوصل الى ابرام الوحدة بين الكنيسة الرومانية ومجموعة من الكنائس البيزنطية السلافية ثم مع الروم الملكيين والسريان والارمن والاقباط واليونان.

ولكن الذي يهمنا في هذه الدراسة تخصيصنا انما هو أمر كنيستنا وشعبنا أعني قضية الوحدة الكنسية بين الشقين المنشطرين من كنيسة المشرق العريقة أي الشق الكلداني والشق الاثوري. ولمعالجة الموضوع معالجة واقفية تناوله من جوانب عديدة، منها تاريخية واخرى معاصرة. فلنبدأ أولاً بالقضايا التاريخية وأهمها أثنتان:

1-   قضية الرئاسة الكنسية.

2-   قضية الخلاف العقائدي عن شخصية المسيح.

 

‌أ.      كرسي المشرق:

أن السلطة الكنسية، في المفهوم والتفسير الكاثوليكي، تتركز أولاً في هامة الرسل شمعون بريونا، الذي هو في إيمانهِ بمثابة الصخرة (باليونانية بطرس) من بنيان هيكل الكنيسة، وذلك برغبة السيد المسيح، وهذه السلطة عينها تتسلسل عبر العصور الى خلفاء زعيم الرسل وهم أساقفة روما، حيث أستقر شمعون – بطرس حتى نال اكليل الشهادة. ويشترك في هذه السلطة الكنسية، برغبة السيد المسيح كذلك، بقية الرسل وخلفاؤهم، ولكن بنوع محدود وعلى ان يكونوا متحدين بالايمان والمحبة براعي القطيع كله.

وحيثما ذهب الرسل والتلاميذ ونشروا بشرى الخلاص وأسسوا الكنائس رسموا لكل مركز أساقفة وكهنة وشمامسة يتولون مسؤولية الرعاية والخدمة فيه. وقد أدت الظروف المحلية في كل مملكة او قطر الى تطوير نوع من السلطة المركزية العليا في المدن الكبرى. وقد بلغ هذا التطور مستوى واضحاً في مطلع القرن الرابع، حيث برز "رئيس أساقفة" بين كل مجموعة أساقفة. وكانت الكراسي الاسقفية البارزة في المملكة الرومانية هي: روما، الاسكندرية، وانطاكيا، ثم أضيف اليها لاحقاً كرسي القسطنطينية وكرسي أورشليم، أما خارج حدود الامبراطورية الرومانية فقد تبلورت رئاستان أسقفيتان هما: كرسي المدائن ساليق قطيسفون وهي مقر الامبراطوية الفارسية يومذاك، وكرسي ارمينيا. وبعد منتصف القرن الخامس لقب الجالس على كل من هذه الكراسي بلقب بطريرك. وقد تميز الكرسيان الاخيران بلقب الجاثاليق ايضاً، وكلتا اللفظتين يونانية، وتعني الاولى "العام" اي الرئيس العام، والثانية "الأب الرئيس، وذلك تعبيراً عن الرئاسة والأبوة العامة التي يتحمل مسؤوليتها من ينتخب لهذه الرتبة. ونظراً لوقوع الامبراطورية الفارسية شرق الامبراطورية الرومانية فقد أطلقت الكنيسة القائمة فيها تسمية "كنيسة المشرق" واطلق على مقر سلطتها الكنسية في المدائن لقب "كرسي المشرق". وعلى الأسقف الجالس عليه لقب "جاثليق وبطريرك المشرق".

ويبدو ان ظروف الادارة الزمنية كان لها في احوال كثيرة دور مؤثر في بروز بعض الكراسي الاسقفية بالنسبة الى غيرها. ذلك لأن اسقف المدن الكبرى وعواصم الممالك كان بإحتكاك مستمر مع السلطة المدنية العليا القائمة فيها، فكان يلجأ اليه الاساقفة المتاخمون في مراجعاتهم حتى برزت أهمية الكرسي، واضحى من الملائم ان تكون عاصمة الدولة مقراً للرئاسة الكنسية المحلية. واذا حدث وانتقلت عاصمة الدولة الى مدينة اخرى، فغالباً ما كان رئيس الأساقفة (البطريرك لاحقاً) ينتقل اليها بدوره، كما جرى بالنسبة الى بطريرك الاسكندرية القبطي الذي أنتقل مركزهِ الى القاهرة، وكما جرى بالنسبة الى بطريرك المشرق الذي انتقل الى بغداد أبان الحكم العباسي ثم الى مراغا أبان الحكم المغولي ثم الى بغداد من جديد في العقود الآخيرة.

أن اول أسقف للمدائن "ساليق قطيسفون" تذكر المصادر التاريخية عن تحصيله لمسؤولية الرئاسة العامة على "كرسي المشرق" هو مار بايا (+329). وتختلف هذه المصادر عند شرح ظروف حصوله على الرئاسة. فبينما نفهم من كتاب اعمال الشهيد ميلس (بيجان، 2، ص 366-268) ان بايا طمح الى ترؤس اخوته الاساقفة فلقي مناواة شديدة منهم، نلاحظ ان بايا في رواية كتاب مجامع كنيسة المشرق هو الرئيس بالفعل إنما تمرد عليه اساقفته، فألتجا الى "الأباء الغربيين" أساقفة الامبراطورية الرومانية، فدعمه هؤلاء لتثبيت رئاسته على كرسي المشرق (المجامع، ص 46-47 من النص).

اما علاقة كنيسة المشرق بالكنيسة الكاثوليكية (الشاملة) فكانت علاقة الجزء بالكل وعلاقة الطرف بالمركز، وقد جاء هذا الموقف صريحاً في مجمعين عقداً في المدائن، الاولى في سنة 410 والثاني سنة 420، حيث أعلن أساقفة المشرق رغبتهم في الاتفاق مع الاباء الغربيين على كل شيء سواء في امور الايمان كما في شؤون التنظيم الكنسي، "لكوننا أعضاء جسد واحد هو المسيح". (كتاب المجامع، ص40 من النص). كما ويعلن أساقفة المشرق التزامهم بكافة القوانين التي وضعها الآباء الغربيون ابتداء من مجمع نيقية سنة 325.

ترى ما هو المقصود بعبارة "الآباء الغربيين" التي ترد بتواتر في متن هذين المجمعين؟

ان دراسة النص الدقيقة تقدم دلائل وفيرة على ان المقصود بالآباء الغربيين هو أساقفة الامبراطورية الرومانية عموماً. فكنيسة المشرق وان لم ترتبط يومذاك ارتباطاً خاصاً بمركز معين خارج حدود الامبراطورية الفارسية اعترفت رسمياً بأنتمائها الى الكنيسة الجامعة ككل، كما أعتبرت ذاتها جزءاً متصلاً لهذه الكنيسة. ولذا يصل من يعتقد ان كنيسة المشرق كانت بادىء الامر مرتبطة بكرسي انطاكية ارتباط الفرع بالجذع، وان كان هذا لاينفي وجود العلاقة الحميمة بين الكنيستين المشرقية والانطاكية والتأثير المتبادل بينهما لاسيما في القرون الخمسة الاولى. (عن نشأة كرسي المشرق، راجع ترجمتي لمقالة وليم دفريز، في مجلة بين النهرين 1975، عدد  9- 10 ص5-32).

ولابد لنا من الاشارة هنا الى ان روابط العلاقة بين كنيسة المشرق والكنيسة الغربية كانت تتأثر كثيراً بالأوضاع السياسية المتزامنة وبطبيعة العلاقة القائمة يومذاك بين الدولتين الغربيتين ؛ الرومانية والفارسية، ولم يكن المجمعان المذكوران إلا مظهراً من مظاهر هذا التأثر، ذلك لأن المجمع الاول إنما أنعقد برغبة العاهلين: الروماني تيودوسيوس الثاني، والساساني يزدجرد الاول، ويبدو ان يزدجرد حاول ان يستخدم رعاياه المسيحيين كجسر للتفاهم مع العاهل القسطنطيني، كما يبدو أن فتح الحدود بين كنيسة المشرق والغرب المسيحي انما توخى العاهل الساساني من ورائه البرهنة على الحرية التي يتمتع بها المسيحيون في بلاده والتدليل على الرعاية التي يخصم بها.

اما في عهود العداء بين المملكتين، فقد كانت كنيسة المشرق تضطر الى الأنطواء على ذاتها، لئلا تصبح علاقتها مع الغرب المسيحي سبباً للتشكك في ولاء الرعايا المسيحيين لدولتهم او فرصة لوضعهم في موقف حرج أمام السلطة المدنية الوثنية او مبررا لكهان النار الزرداشتيين لأثارة الاضطهاد عليهم، وكم كان سهلاً يومذاك، بل ولا زال حتى اليوم، الخلط بين الدين والدولة، والخلط بين التعاطف الديني والولاء الوطني.

وقبل ان ننقل الحديث الى نقطة اخرى، من اللازم علينا ان نذكر هنا ان بطريرك المشرق، مع رغبته في توثيق العلاقات بينه وبين الغرب المسيحي وإعترافه بأن كنيستهِ جزءٌ من الكنيسة الجامعة متصل بها اتصال الجزء بالكل، كان يعتبر لجوء اساقفته الى الغرب المسيحي، كلما جرى بينه وبينهم خلاف، إحراجاً لموقفهِ أمام شعبه وأضعافاً لموقفهِ امام السلطة المدنية. ولذا فقد أعلن مجمع داديشوع سنة 424 م أن بطريرك المشرق هو المرجع الأعلى والأخير لكنيستهِ وأنه لا يُحاكم إلا أمام منبر المسيح (المجامع، ص 44-47).

 

ب. الخلاف العقائدي:

في هذا الظرف تماماً، وفي سنة 430، أحتد النقاش بين نسطوريوس بطريرك القسطنطينية وأتباعه من جهة وقوراس بطريرك الأسكندرية واتباعه من جهة اخرى، حول الصيغة التي يحدد فيها وصف تواجد العنصر الالهي والعنصر الانساني معاً في كيان المسيح الواحد، وترتبط بهذه المسألة مسألة آخرى وهي:

أيجوز تلقيب العذراء مريم بـ "أم الله" او لايجوز ذلك لاهوتياً. فأنتهى الأمر بعقد مجمع في مدينة أفسس سنة 431 م أكتنفته الملابسات، ولكنهُ توصل آخر الأمر الى حرم الموقف النسطوري حسبما عرضه مناوئوه. وعقبهِ مجمع آخر عقد في خلقيدونية سنة 451 م وفيه توضيح يعدل شيئاً من جذرية المجمع السابق. وقد زرع هذا الخلاف اللاهوتي الشقاق بل والتناخر في الشرق المسيحي كله، سواء في جزئه المتواجد في الامبراطورية الرومانية الشرقية (آسيا الصغرى، سوريا، مصر...) او في الجزء المتواجد في الامبراطورية الساسانية (بين النهرين وفارسي) حيث كنيسة المشرق. وأنقسمت الكنيسة في الشرق كله الى ثلاث أقسام: الواحد، وشاع عنه اسم "الارثوذكسي" وهو المتحد يومذاك بالكنيسة الرومانية، يقول بطبيعتين وشخص واحد في المسيح، والثاني وقد شاع عنه اسم "المونوفيزي" او "اليعقوبي" يقول بطبيعة واحدة وشخص واحد، وثالث شاع عنه اسم "النسطوري" يقول بطبيعتين وأقنومين وشخص واحد. وقد لانبالغ اذ قلنا ان ذاك النقاش لو جرى اليوم لما اعتبرت هذه الصيغ اختلافاً عقائدياً بل تنوعاً فلسفياً وحذلقة ذهنية في التعبير عن نفس العقيدة، اذ ان جميع هؤلاء يعترفون بالمسيح الواحد الاهاً وانساناً ولكل زمان ظروفه.

لقد كانت نتيجة هذه المشاحنات اللاهوتية ان كنيسة المشرق، في اغلبيتها الساحقة، اعتبرت الصيغة "النسطورية" اوفق للتعبير عن مضمون الايمان، مما ادى الى عزلها تدريجياً ولحقبة مديدة من بقية اجزاء الكنيسة الكاثوليكية. وهو وضع ارتاحت له الدولة الساسانية وشجعته وساعدت على تثبيتهِ. لانهُ، في نظرها، يسهل لها تأمين ولاء المسيحيين من رعاياها ويجعلهم في موقف العداء من غريمتها الأمبراطورية الرومانية. الا ان هذا الوضع في الوقت نفسه ادى من جانب آخر، بكنيسة المشرق الى تفجير طاقاتها الروحية وعبقريتها الذاتية، وجعل من بينها نسوراً حلقوا الى أبعد أقاصي الشرق ينشرون فيه مبادىء ايمانهم وحضارة موطنهم الأم، حتى ضاهت كنيسة المشرق، في عهد مجدها، رقعة ً وعدداً، الكنيسة الرومانية ذاتها.

 Patriarchate

 

 

كرسي المشرق والتطورات اللاحقة

بعد أن ذاقت كنيسة المشرق طعم المجد أجيالاً، لاسيما منذ القرن التاسع حتى نهاية الثالث عشر أبان الحكم العباسي ومطلع الحكم المغولي، وثبتت مراكزها " في كل مقاطعات بابل وفارس وآثور. (وحطت مرسليها) في كل البقاع حيث تشرق الشمس، ولدى الهنود والصينيين، ولدى التيبيتيين كما لدى الأتراك، وفي كل المدن التي تخضع لهذا الكرسي البطريركي" (من رسالة طيمثاوس الاول الى الموارنة. عند لابور في كتابة عن طيمثاوس الاول ص45)، دارت عليها دوائر الزمن القاسي، فأتخذت تنحسر انحساراً سريعاً منذ العقد الاخير من القرن الثالث عشر، لاسيما على عهد الايلخان المغولي محمود غاران وخليفته خدابنده، حتى تفوقعت على ذاتها في شمال ما بين النهرين وفي الجبال المتاخمة له من ايران وتركيا، وهكذا استقرت من جديد في الشعب الذي انطلقت منه منذ البدء وهم احفاد كلدو واثور.

والجدير بالذكر ان الكرسي البطريركي انتقل خلال هذه الفترة أولاً من المدائن ساليق قطيسفون الى بغداد على عهد طيمثاوس الاول (780م-823م). ثم، في فترة التقلبات السياسية واضطراب الوضع الامني التي رافقت الحكم المغولي، احتمى معظم المسيحيين في الجبال والمناطق الشمالية وتبعاً لذلك انتقل مقر البطريرك الى مراغا في ايران مع يابالاها الثالث سنة 1295م. ثم الى اربيل (1318م-1332م)، ثم الى كرمليس (1332م-1336م)، ثم الى الموصل (1364م-1497م)، فالجزيرة (1497م-1504م)، واخيراً الى دير الربان هرمز قرب القوش منذ 1504 حتى ابرام الاتحاد مع روما سنة 1553م.

 

على طريق روما

رغم سياج العزلة الذي احاط بكنيسة المشرق أجيالاً عديدة، جرت خلال العصور بعض الاتصالات بين بطريرك المشرق وبابا روما وذلك منذ الربع الثاني من القرن الثالث عشر، وخصوصاً عبر المرسلين الغربيين الذين توافدوا الى اقطار الشرق ابان الحكم المغولي، ومن اهم تلك الاتصالات المراسلات التي جرت بين البطريرك سبريشوع ابن المسيحي (1227م-1257م) والبابا انوشنسيوس الرابع، وبين يابالاها الثالث (1281م-1317م) وبندكتس التاسع، وفي جزيرة قبرص حاولت الابرشية النسطورية فيها، والمتكونة من مهاجري مابين النهرين، ابرام الاتحاد مع روما مرتين: الاولى سنة 1340م على عهد اسقفها ايليا، ثم سنة 1445م على عهد الاسقف طيمثاوس. وقد رافقت هذه المحاولة الثانية احداث يجدر التوقف عندها لما تنطوي عليه من مدلول.

 

الوثيقة الفاتيكانية

عندما أبرم المطران طيمثاوس، أسقف نساطرة قبرص، وثيقة الاتحاد مع روما سنة 1445م ومعه مطران الموارنة فيها، كان عليه ان يستبدل لقبه، المرتبط بالمذهب الذي هجره، بلقب آخر تتبين منه هويته. فوقع وثيقة الاتحاد هكذا: "انا طيمثاوس رئيس اساقة  ترشيش على الكلدان ومطران الذين هم في قبرص منهم، اصالة عن ذاتي وبأسم كافة الجموع الموجودة في قبرص، اعلن واقر واعد امام الله الخالد الأب والأبن والروح القدس وأمامك أيها الأب الأقدس والطوباوي البابا اوجين الرابع وامام هذا المجمع (اللاتراني) المقدس، بأنني سأبقى دوماً تحت طاعتك وطاعة خلفائك وطاعة الكنيسة الرومانية المقدسة على انها الام والرأس لكافة الكنائس (عند شموئيل جميل كتاب العلاقات، روما 1902 ص 10).

ويعلق المرسوم البابوي الذي اصدره اوجين الرابع في 7 آب 1445 م على ذلك بقوله: "وطيمثاوس ذاته، امامنا في هذا المجمع اللاتراني المسكوني وفي جلستهِ العامة، أعلن بأحترام وتقوى صيغة ايمانه وتعليمه اولاً بلغته الكلدانية، ثم ترجمت الى اليونانية ومنها الى اللاتينية". وبناء على هذا الاعلان الوحدوي فان اوجين الرابع يمنع في مرسومه الانف الذكر ان يسمي احد الكلدان فيما بعد نساطرة، كما يمنع في الموضوع عينه ان يسمى الموارنة هراطقة، ومن ثمة يساوي الكلدان والموارنة بالحقوق والامتيازات الدينية مع كافة الكاثوليك. (عند شموئيل جميل، ص 11).

 

بين كرسي المشرق وروما 

لم يكن ابرام الاتحاد بين ابرشية المهجر الكلداني في قبرص وكرسي روما الا حدثاً جانبياً بالنسبة الى مجمل اوضاع كنيسة المشرق. ففي تلك الفترة تماماً، كانت كنيسة المشرق غارقة في ديجور من المحن، كنتيجة للمعاملة القاسية التي لاقتها من الحكم المغولي في اواخر عهده، وما عقب ذلك من التبلبل والتناحر ابان حكم الدولة الجلائرية، وما جلبه تيمور لنا من خراب ودمار على اهل العراق جميعاً مسلمين ومسيحيين، ولم يكن الديجور ذاك ديجور محن حسب، ولكنه لا زال حتى اليوم ديجور انعدام الوثائق التاريخية الكنسية عن تلك الفترة، حتى انه ليس لنا اليوم اية وثيقة كنسية معاصرة تشرح لنا بشيء من التفصيل احداث قرنين يمتدان من اواسط القرن الرابع عشر حتى اواسط السادس عشر. فتلك حقبة يقف امامها المؤرخ الكنسي حائراً فارغ اليدين الا من بعض المعلومات الزهيدة وما تلقيه الوثائق اللاحقة من ضوء عن هذه الفترة التي سبقتها. والامر الاكيد انه تطور في تلك الحقبة نظام ورائي للمراتب الكنسية العالية كرتبة البطريركية والمطرانية، ينتقل من البطريرك الى أبناء اخوتهِ، حتى لقبتهُ العائلة التي احتكرت هذا المنصب بعائلة "ابـونا" علما ان الكرسي البطريركي، بعد ان تحول من موقع الى موقع كما مرّ، استقر في دير الربان هرمزد القريب من القوش، او في القوش ذاتها حيث سكنت العائلة المذكورة. لقد كانت الاوضاع الاجتماعية في حالة تلكؤ كبرى، والمسيحيون في قلق دائم على حياتهم ومصيرهم بحيث كان لهم ما يكفي لكي يشغلهم عن الالتفات الى الشؤون الكنسية وتتبع تطوراتها، ومن كان يا ترى يتمنى في تلك الاوضاع ان يصبح بطريركاً او"يشتهي الاسقفية" على حد قول رسول الامم؟ غير ان الاوضاع السياسية والامنية بدأت في اتجاه جدير ابان الربع الثاني من القرن السادس عشر. فقد اخذ الاتراك العثمانيون، على عهد سليمان القانوني، يمدون سيطرتهم على بلاد ما بين النهرين حتى استولى ابراهيم باشا على بغداد سنة 1534م وبدات حقبة من الاستقرار والامان النسبي في ارجاء البلاد. فقد اضحى هناك على الاقل نوع من السلطة وشكل من النظام، وبالتالي اخذت الجماعات المسيحية تلمم ذاتها الى اوضاعها القائمة، وكانت تلك الاوضاع الكنسية مثيرة للقلق الشديد.  

لقد سن البطريرك شمعون الرابع الملقب "باصيدي" اواسط القرن الخامس عشر، قانوناً يقضي بتوريث المنصب البطريركي (الى ابن الاخ او ابن العم)، كما نوهنا بذلك أعلاه، مبطلاً قوانين الانتخابات التي جرت عليها الكنيسة منذ البدء، فخلفه على الكرسي البطريركي بالوراثة شمعون الخامس فأيليا الخامس ثم شمعون السادس فشمعون السابع الملقب برماما (1538-1555 م) وهم جميعاً من عائلة "ابـونا".

لقد كانت قوانين كنيسة المشرق تحصر رسامة البطريرك في رؤساء الأساقفة وحدهم. فلكي تضمن عائلة ابـونا الخلافة الكرسي لأبنائها كان البطريرك لا يرقي احداً الى منصب رئيس الأساقفة الا من عشيرته، وعند قلة الشباب في العائلة كانت المناصب في العائلة كانت المناصب تبقى شاغرة او تنسب الى من لا يليق بها. فحدث على عهد البطريرك شمعون برماما، الذي بلغنا عنده في دراستنا، ان ابن اخيهِ، وهو صبي في الثامنة من عمره، كان المرشح الوحيد لخلافته.

فكان لابد من وضع حد لهذه الحالة فأجتمع في الموصل اسقف اربيل واسقف سلاماس (في ايران) واسقف اذربيجان مع العديد من رجال الاكليروس وممثلي الشعب، وانتخبوا يوحنان سولاقا رئيس دير الربان هرمزد بطريركاً بدلاً عن شمعون برماما، وقرروا إرسالهِ الى روما لكي ينال فيها رسامتهِ البطريركية، فخرجوا به من الموصل بأبهة عظيمة، ثم رافقهُ سبعون رجلاً حتى مدينة القدس اورشليم، ومنها تابع رحلته بمعية ثلاث ممثلين – توفي واحد منهم في الطريق وتمرض آخر – حتى بلغ المدينة الابدية في 15 تشرين الثاني سنة 1552 م مع مرافق واحد.

ومع مداولات مطولة مع المسؤولين في روما، اعلن البابا يوليوس الثالث في 20 شباط 1553 يوحنان سولاقا بطريركاً... وفي 9 نيسان رسمه البابا بنفسه مطراناً ثم منحه في 28 نيسان بحضور مجمع الكرادلة درع السلطة الكنسية، فكان ذلك فاتحة عهد جديد من تاريخ كنيسة المشرق.

بعد هذا العرض السريع للأحداث التي اوصلت قسماً كبيراً من ابناء كنيسة المشرق الى ابرام الاتحاد القانوني مع روما، لنا اولاً ان نطرح سؤالاً مركزياً، ترى ما هو المغزى العميق من ابرام هذا الاتحاد؟

 

مغزى الحركة الاتحادية

هل كان قصد الفئة من ابناء كنيسة المشرق، اذ ارسلت ممثليها ومرشحيها الى روما، هجر ما تهمت به كنيسة المشرق من "هرطقة" نسطورية، والانضمام بالتالي الى حضن الكنيسة الكاثوليكية؟ ترى هل كانت نية هؤلاء الذين قاموا بالحركة الكنسية ضد مار شمعون برماما، البطريرك القائم ومذاك، انهاء وضع الانعزالية القانونية التي ابعدتهم عن الكنيسة الرومانية فترة احد عشر قرناً ومحاولة لأعادة الجسور المقطوعة وجمع الاعضاء المتباعدة؟  ام ان نيتهم كانت تنحصر في تقديم مرشحهم للبطريركية الى قداسة البابا لكي ينال منه الرسامة المطرانية – البطريركية، على ان ذلك هو ما يعوزهم في الاساس لتقويم اوضاع كنيستهم؟.

لقد نشر الأب الدكتور يوسف حبي مقالة قيمة عن هذا الموضوع في مجلة "الشرق السرياني" الباريسية ( المجلد 11، سنة 1966)، ونحن نعتبر النتائج التي توصل اليها في دراسته هذه معبرة تماماً عن نظرتنا، وهي ذي:

ان كنيسة المشرق لم تنكر قط، في وثائقها القانونية والطقسية، موقف أسقف وبطريرك روما من الكنيسة الجامعة، ولا وضعت موضع الشك اولويته على انه خليفة بطرس والمتقدم بين اخوته الاساقفة والبطاركة. غير ان اوضاعها الحياتية وظروفها التاريخية قادتها، منذ سنة 424 في مجمع داديشوع، الى اعلان بطريركها المرجع الاخير في كنيسته، كما مر أعلاه، مما جعل الموقف المبدئي الذي يعترف بالأسقف الروماني رئيساً اعلى للكنيسة الجامعة مجمداً وغير متجسد في صيغة نظامية فعلية. كما ان كنيسة المشرق لم تعتبر ذاتها قط مختلفة في العقيدة الايمانية عن الكنيسة الرومانية، ولا اعتبرت استخدامها احياناً للاصطلاحات النسطورية في التعبير عن سر شخصية المسيح سبباً للأنشقاق العقائدي تجاه روما، بل ردةٍ فعل حيال الموقف المونفيزي (القائل بطبيعة واحدة في المسيح). لذا فأن الحركة المناوئة لمار شمعون برماما، والتي اتخذت قراراتها في اجتماع الموصل. لم يكن المقصود منها في ضمير القائمين بها جحد هرطقة ما هي الهرطقة النسطورية ولاعودة ابن ضال الى حضن البيت الابوي، ولكنها كانت تعبيراً عن الامتعاض الذي نتج عن حصر الرئاسة الكنسية وراثياً في عائلة "ابـونا" والرغبة في اصلاح الاوضاع القائمة عن طريق انتخاب شخص كفوء لمنصب البطريركية، هو رئيس الدير مار سولاقا، ولما كانت هذه الحركة، من وجهة النظر القانونية الصرفة. حركة تمرد على الرئاسة الكنسية المحلية، كان لابد لها من ايجاد طريقة لأضفاء صفة الشرعية القانونية عليها، ولكن كيف السبيل الى ذلك؟

لقد كانت قوانين كنيسة المشرق. كما ذكرنا اعلاه، تحصر رسامة البطريرك برؤساء الاساقفة وحدهم، ولم يكن بين المجموعة المتمردة من رجال الاكليروس الا ثلاثة اساقفة لم يكن لأي منهم رتبة رئيس الاساقفة او المطرافوليط، بحيث ان أياً منهم لم تكن له الصلاحية القانونية لرسامة البطريرك، مما اضطرهم الى اللجوء الى مركز كنسي له الصلاحية الكنسية القانونية وقابلية التأثير النفسي والإجتماعي والمدني لأضفاء صفة الشرعية على هذه الحركة، وهكذا اتجهت الانظار الى روما، والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو: لماذا روما بالذات؟

لأن لروما بالذات تعود، في تقاليد كنيسة المشرق، الصلاحيات الاولى والمكانة الارفع، وعن كل ذلك، تعبر الرسالة (باللغة الكلدانية) التي بعثها المجتمعون في الموصل مع سولافا والموجهة الى الحبر الاعظم يوليوس الثالث. تقول:

 

"الى أبُ الآباء، الرفيع بين الرعاة، الذي يلبس التيجان ويدهن الكهنة. بطرس زماننا وبولس هذه الايام، والرباط الذي يشد كافة المسيحيين الى بعضهم، الذي هو وكيل المسيح ربنا والهنا، الجالس على كرسي بطرس  الرسول، والماسك بمفاتيح العلى والعمق، والذي قال له ربنا: ما تحل يكون محلولاً وما تربط يكون مربوطاً.

فلتعلم ايها الاب... اننا نحن خدامك النساطرة الشرقيين، اضحينا اولاداً بغير اب منتخب... وليس لنا رؤساء أساقفة، الذين تعود لهم رسامة الجاثاليق، بل بعض أساقفة فقط هم أسقف اربيل وأسقف سلاماس وأسقف اذربيجان... اجتمعنا... وافقنا... وارسلنا لهذه الغاية الراهب سولاقا (صعود)... وارسلنا معه ثلاثة رجال... ونحن الان نطلب من سموكم، بعد ان تنظروا في أمرهم، ان ترسموه (سولاقا) جاثاليق، وان تعطوه بأمركم سلطة منح الدرجات الكنسية حسب حاجة الرعية وحسبما جرى عليه البطاركة لكي يتمكن من الحل والربط بموجب تقاليد الاباء والقوانين الرسولية... (عند شموئيل جميل، ص 475-476).

ان المجتمعين في الموصل سنة 1552، أكليروساً وعلمانيين، ارسلوا رئيس دير الربان هرمز، سولاقا بن دانيال من عشيرة بلو، الى روما ليرتسم فيها بطريركاً على كنيسة المشرق، تعبيراً عن تمردهم على البطريرك شمعون برماما من عشيرة ابـونا، ورغبة منهم في ايجاد طريقة شرعية لتقويم واصلاح اوضاع كنيستهم في فترة قائمة من تاريخها، واذا كان الامر بهذه البساطة من وجهة نظر هؤلاء ابناء كنيسة المشرق، فان الامر ذاته لم يكن بهذه البساطة من وجهة النظر الرومانية.

فأن كنيسة المشرق كانت، في ذهنية لاهوتيي وقانونيي الكنيسة الرومانية يومذاك، كنيسة منشقة متلبسة بالهرطقة النسطورية، فكان على رئيس الدير سولاقا ان يستنكر اولاً ما تعتبره روما هرطقة، ثم يقبل بكافة صيغها العقائدية وكل البنود التي تعتبرها من ضروريات الايمان الكاثوليكي في كل فروع اللاهوت، وبعد ان يوقع على كل ذلك يثبت بطريركاً على كنيسته، علماً بأن القائمين بحركة الموصل فهموا روما بأن البطريرك شمعون برماما قد توفي، مع انه كان حياً يرزق وهكذا فأن روما اعتقدت بحصول فراغ في الكرسي البطريركي وان سولاقا انتخب لملء هذا الفراغ، ضد من ترغب عشيرة ابـونا ان تصعده الى هذا المنصب بالوراثة حسب عادتها.

وهكذا فقد عينّ البابا لجنة لفحص قضية سولاقا والتثبيت من عقيدته، فطلبت اليه اللجنة ان يقدم صيغة ايمانه، وطرحت عليه اسئلة تخص بنود قانون الايمان، وخدمة الاسرار السبعة، والكتاب المقدس، والمجامع المسكونية، والرتب الطقسية، والقوانين الكنسية، وهكذا كان على الراهب سولاقا ان يخوض امتحاناً لاهوتياً شاملاً حول عقيدته الإيمانية وحول طقوس كنيسته وتقاليدها، ويجيب على استفسارات لاهوتيي وقانونيي الدوائر الرومانية، وكان عليه ان يعرض كل ذلك بحيث يتطابق او ينسجم مع المفاهيم والقوانين والطقوس الشائعة يومذاك عندهم.

ولكن سولاقا لم يكن لاهوتياً، ولا كانت اوضاع ذلك الزمان، القاسي على كنيسة المشرق، توفر للرهبان والمهنة دراسة لاهوتية كاملة متبحرة، ومن الناحية الاخرى، لم تكن الذهنية الرومانية المعاصرة على انفتاح كاف لتقبل تنوع الذهنية الشرفية وتقاليدها. وهكذا تقابلت في شخص سولاقا واعضاء اللجنة الرومانية ذهنيتان مختلفتان هما الذهنية الشرقية والذهنية الغربية، ولا بد ان سولاقا تضايق من أسئلة اللجنة الرومانية، حتى جابهوه بسؤال يخص سر التثبيت (ويبدو ان اللاهوتي الروماني سأله عما اذا كان الاسقف، في تقاليد كنيسة المشرق، يمنح سر التثبيت للأحداث البالغين سن الرشد واذا كان ذلك جارياً منذ القديم) فأجاب سولاقا ببساطة، وبتضايق على ما أتصور؛ "ما أنا إلا راهب فمن تراه أعلمني بذلك" (عند جميل، ص 478).

وعلى كل حال، فقد دبج سولاقا صيغة إيمانهِ وإيمان كنيستهِ، باللغة الكلدانية، ضمنها ايضاً قبوله بمجمع أفسس (الذي حرم فيه نسطور وتعليمه) وبكافة المجامع التي تعترف بها الكنيسة الرومانية. وقد ترجم أندريا ماسيوس الى اللاتينية ما كتبه سولاقا بالكلدانية ( وتجد نص الوثيقة عند جميل، ص 477-479). فتلك صيغة إيمان بدائية بسيطة خالية من الفنون الفلسفية واللاهوتية، ولكنها مع ذلك خالية من الشوائب اللاهوتية صافية الاصطلاحات والتعابير، حتى ان الكردينال مافيوس قدم للحبر الاعظم ولمجلس الكرادلة تقريراً حول الموضوع (يوم 20 شباط 1553) جاء فيه:

" والحقيقة، ان ولاء النساطرة، يبدو انهم اتخذوا اسم الهرطوقي نسطوريوس اكثر مما اتخذوا اخطاءه. فأني لا أرى في هؤلاء الرجال شيئاً يعود الى ذلك المذهب، انما بسبب الحسد (أطلقه عليهم) الموارنة واليعاقبة والأقباط..." (جميل، ص 480).

ومع أن سولاقا أجتاز الامتحان، الا أن ذلك لم يكن كافياً لروما، اذ كان عليه ان يتلقى شبه دروس في اللاهوت العام واللاهوت الغربي. وقد صيغ له آخر الامر قانون ايمان مفصل، وقعه راضياً، وحمله معه الى بلاده. وهكذا فأن سولاقا الذي جاء الى روما ليرتسم فيها بطريركاً، أنتهى آخر الامر بتوقيع وثيقة اتحاد حسب الصيغ الذي ترضى بها روما.

 

هوية أبناء كنيسة المشرق     

عند تثبيت شمعون سولاقا بطريركاً كاثوليكياً على  كنيسة المشرق (وشمعون هو الاسم الذي أتخذه سولاقا عند رسامته الأسقفية). جاء لقبه في الوثائق الرومانية هكذا: "بطريرك كنيسة الموصل في أثور" بأعتبار أن الموصل كانت المدينة التي توجهت منها الى الحبر الاعظم رسالة المجموعة التي انتخبته بطريركاً، جديداً، ولا شك ان هذا اللقب لا ينطوي بوضوح على أي طابع شامل للكنيسة المعنية كما انه لا يشير بجلاء الى هوية الشعب الذي ينتمي اليها، انما يعكس الطابع المحلي الذي انطلقت منه الرسالة المذكورة. وهذا دليل آخر على أن روما كانت تطلق في مراسيمها نفس التسميات التي كانت تعرض عليها من اصحابها، غير أن الامور سوف تتطور سريعاً بأتجاه اكثر دقة وتحديداً ما ان تحتك روما احتكاكاً مباشراً وشاملاً بأبناء كنيسة المشرق.

ان روما، لكي تضمن تتابع مسيرة الاتحاد مع أبناء كنيسة المشرق، بعثت مع شمعون سولاقا اثنين من مراسليها لتوطيد أسس التعليم الكاثوليكي في نفوس رعيته، هما امبروزيوس الذي عين سفيراً بابوياً في بلاد المشرق والاب زهارا الراهب، وعند عودتهما بعد ثلاث سنوات قدمت الدائرة الرومانية المختصة تقريراً عن نشاطهما الى الحبر الاعظم تـُُقدم ترجمة حرفية عن الاصل اللاتيني لمقطع منه:

" في بلاد ما بين النهرين، اثور وكلدو، حيث مكث (المرسلان) فترة ثلاث سنوات، واعظين بكلمة الله، بيقظة واتعاب جمة، تلك الشعوب التي كانت تعتنق خطأ ً نسطوريوس الذي نسبة اليه دعوا نساطرة، معلمين ومهذبين اياهم في نزاهة التعليم الكاثوليكي... حتى أنهم اضحوا يستنكرون اسم نسطوريوس، ويرغبون في ان يدعوا كلداناً (عند فوستي، حوليات رهبنة الوعاظ الدومنيكان، المجلد 32 (1925)، 4، ص1- 30). يتضح اذا من جديد في هذا النص كيف ان ابناء كنيسة المشرق هم الذين رغبوا في ان يدعوا كلداناً، وليست روما هي التي "أنعمت" عليهم بهذا الاسم.

ومع ذلك سوف ينجلي لنا من الوثائق المعاصرة لتلك الحقبة أن أبناء كنيسة المشرق من سكان ما بين النهرين وتخومها، عند انبثاق وعيهم بهويتهم الحضارية المتميزة، تأرجحو بين تسميتين كلتاهما تعبر، كل من ناحية معينة، عن إنتسابهم التاريخي والقومي، وهما تسمية الكلدان والأثوريين، وسوف نرى كيف ان هذا الواقع سوف ينعكس لفترة طويلة في الوثائق المزامنة.

بعد أن أستشهد شمعون سولاقا على يد عملاء باشا العمادية سنة 1555. انتخب المجموعة الكاثوليكية من رعايا كنيسة المشرق مار عبد يشوع مارون (1555-1567) خليفة له.  وندرج هنا مطلع الصيغة الايمانية التي أبرزها البطريرك الجديد في روما في 7 آذار 1562: "أنا عبد يشوع أبن يوحنا من عائلة مارون من مدينة الجزيرة على نهر دجلة... المنتخب بطريركاً على مدينة الموصل في اثور الشرقية" (عند جميل، ص 63)، وهنا لا زال عبد يشوع يعكس الطابع المحلي التي تميزت به الحركة الكاثوليكية في بدايتها، غير ان التقرير الذي عرضه الكردينال أمرليوس لهيئة الكرادلة في المجمع التريدنتيني في 19 آب سنة 1562 يجتاز هذا الطابع المحلي في لقب البطريرك الى طابع اكثر شمولاً، حيث أنهُ يقدم لهم البطريرك الجديد على النحو التالي: " السيد المحترم عبد يشوع بطريرك الأثوريين المنتخب من قبل الأكليروس وبموافقة شعبهم" (جميل ص77).

وفي رسالة رومانية مؤرخة في 1565 يمتزج الأسمان الكلداني والاثوري في مقطع واحد. فأن البابا بيوس الرابع بعث برسالة الى رئيس أساقفة كوان في الهند، يوصي بها بالمطران اوراهام الذي أرسله البطريرك عبد يشوع الى ملبار، يقول: " الى هذه الاعتاب الرسولية كان قد قدم من الهند هذا الاخ الحبيب اوراهام الكلداني أمة، (مرسلاً من قبل اخينا عبد يشوع بطريرك الاثوريين". (جميل ص 71).

اما بعد وفاة عبد يشوع فقد خلفه لفترة قصيرة مار يابالاها الذي جلس في سعرد (1578 – 1580). ثم شمعون دنحا (1581 – 1600)، وقد بعث معاونه المطران ايليا هرمز حبيب اسمر الى روما بتقرير بأسم البطريرك، لا زالت نسخته محتفظاً بها في ارشيف الفاتيكان (AA،الخزانة 1-18، رقم 1796، ورقة 1-4 ) ( عند بلترامي، ص 199) هذا مطلعه: " (أنا) مار ايليا رئيس أساقفة أمد في بلاد ما بين النهرين، كلداني من اثور... أعرض بتواضع كيف أن مار شمعون سولاقا بطريرك أمته، بعد عودتهِ من روما. توقف في أمد فترة خمسة أشهر فقط ورسم فيها خمسة أساقفة ورؤساء أساقفة..." والخ، وفي ختام التقرير يتوسل مار إيليا أن يُـعمم قداسة البابا على العالم المسيحي القرار الذي كان قد أصدره سابقاً، والذي مرّ الحديث عنهُ. حيث يمنع قداسته أن يطلق أحد على الكلدان المتحدين بروما اسم النساطرة، بل أن يطلق عليهم إسمهم الحقيقي وهو "الكلدان الشرقيون في اثور".

ومن بين الوثائق المهمة التي تخص موضوعنا التقرير الذي رفعه الى الحبر الاعظم غريغوريوس الثالث عشر مطران صيدا اللاتيني وأسمه ليوناردو هابيل، وقد أرسلهُ البابا في مهمة لتقصي الحقائق في بلاد الشرق وذلك بين (1583 – 1585) فجاء تقريرهُ غنياً بالمعلومات عن أوضاع المسيحيين في الشرق الأوسط. وذا يبلغ في مقالهِ الى الحديث عن كنيسة المشرق يقول (ونحن نترجم هنا عن النص الإيطالي): " كذلك زرتُ مار شمعون دنحا بطريرك الامة الكلدانية في اثور..." ثم يتابع التقرير شارحاً: " ان اولئك الذين من الأمة النسطورية يسكنون مدينة امد وسعرد والبقاع والمدن القريبة، اذ تمردوا على بطريركهم، الذي حتى ذلك الحين كان يسكن في دير الربان هرمزد قرب مدينة آثور – وهي تسمى اليوم بالموصل – في بلاد بابل، قدمو الطاعة الى الكنيسة الرومانية المقدسة على عهد حبرية البابا يوليوس الثالث عشر الطيب الذكر واستعادوا اسمهم اذ اطلقوا على ذاتهم اسم كلدان اثور الشرقية " (عند جميل، ص 115 – 116).

لقد اعتقدت روما، بناء على ما عرض عليها في حينه، ان رئيس الدير سولاقا انما انتخب لكي يخلف البطريرك شمعون برماما، على أساس ان هذا الاخير قد توفي. ونتيجة لذلك فقد ظنت روما لاحقاً ان شمعون برماما كان يومئذ لا يزال حياً يرزق فقد وجدت نفسها امام واقع جديد وهو انقسام كنيسة المشرق الى مجموعتين: "المجموعة النسطورية " التي تـترأسها عائلة "ابـونا" البطريركية ومقرها دير الربان هرمزد، والمجموعة الكاثوليكية برئاسة خلفاء سولاقا وقد تحول مقرهم من ديار بكر الى سلاماس في ايران ثم الى قوجانس في تركيا. وقد حدث في مطلع القرن السابع عشر ان البطريرك النسطوري (وهو عهدئذ مار ايليا الثامن من عائلة ابـونا) كان يحاول الاتصال بروما مستطلعاً امكانية الوصول معها الى الاتحاد القانوني. ولذا فقد بعث مار ايليا البطريرك وكيله موجهاً الى البابا بولص الخامس ومؤرخاً في آذار 1610 (نسخته الاصلية في أرشيف الفاتيكان، مجموعة بورجا، السلسلة 3، المجلد 42، ورقة 109، وما يتبع – عند جميل ص 108 – 115)، والذي يهمنا هنا من هذا التقرير هو ختامه الذي جاء هكذا: "تمت هذه الرسالة التي كتبت بأمر مار ايليا بطريرك بابل... " وهذا التقرير، حسب علمي، اقدم وثيقة رسمية يعتمد فيها بطريرك المشرق ذاته لقب "بطريرك بابل". الامر الذي يشكل بلا ريبة مرحلة متطورة من الوعي الذاتي والعودة الى الاصول التاريخية، كما جاءت عند عبد يشوع الوباوي في تأليفه عن مجموعة القوانين (السنها دوسية)، الميمر التاسع، وتجدر الاشارة هنا الى ان هذا اللقب استخدمه اولاً بطريرك المشرق النسطوري ذاته قبل ان يستخدمه البطريرك الكاثوليكي. وقد ورد اولاً في وثيقة بطريركية قبل ان يرد في وثيقة رومانية.

 

إستبدال المواقع بين سلالتين

لقد كانت الفترة التي عقبت ابرام الاتحاد القانوني مع روما حقبة صراع حاد بين فريق الراغبين في متابعة مسيرة الاتحاد هذه وفريق الراغبين في المكوث على العزلة الكنسية. وقد سقط يوحنان سولاقا، ممثل الفريق الاول، في 12 كانون الثاني 1555 شهيداً مبكراً للأتحاد الكنسي، أثر التعذيبات التي تجرعها على يد عملاء باشا العمادية نتيجة لتحريضات شمعون دنحا البطريرك النسطوري، غير أن المسيرة نحو روما لم تتوقف.

لقد كانت مناطق ديار بكر وسعود وماردين، في تلك الفترة التاريخية. مركز الحركة الكاثوليكية، بينما كانت الموصل والقرى المجاورة لها مركز التقليد النسطوري، فبعد ان قتل البطريرك يوحنان سولاقا انتخب عبد يشوع مارون مطران الجزيرة خلفا له. فزار روما (1561 – 1562) ثم قفل راجعاً الى ديار بكر حيث دبر شؤون رعيته حتى توفي سنة (1567). وخلفه على كرسي رئاسة المشرق الكاثوليكي مار يابالاها مطران الجزيرة سنة (1578) ولكنه توفي بعد قليل في سنة (1580)، فأنتخب خليفة ً له مطران جيلو وسعرد وسلاماس واتخذ له اسم شمعون التاسع، غير انه عوض ان يستقر في ديار بكر مركز القوة الكاثوليكية حول كرسيهِ الى دير مار يوحنا قرب سلاماس في ايران حيث كان يتعرض الى ضغط شديد من قبل الفريق التقليدي وقد توفي سنة 1600 فخلفه شمعون العاشر وجلس هو ايضاً في سلاماس حتى توفي سنة 1638. اما خلفاؤه شمعون الحادي عشر (1638 – 1656) وشمعون الثاني عشر (1656 – 1662) فقد حولوا مقر الرئاسة الى اورمية في ايران ايضاً.

لقد كان هؤلاء البطاركة خلفاء سولاقا يبعثون الى روما، كل بدورهِ، صيغ إيمانهم يعلنون عقيدتهم المسيحية بالاصطلاحات الكاثوليكية. ونجد معظمها في ارشيف الفاتيكان، وآخرها رسالة البطريرك شمعون الثالث عشر الى البابا كليمنت العاشر سنة 1670، وذلك قبل ان يرتد هذا البطريرك الانعزالية الكنسية، وعنوانها: " رسالة مار شمعون بطريرك الكلدان " (عند جميل ص 197 – 200). الا انه منذ تحول كرسي الرئاسة الى ايران. مبتعداً عن ديار بكر مركز الحركة الكاثوليكية، فترت تدريجياً حزارة العلاقات بين بطريركية المتحدين الكاثوليك وروما حتى انقطعت الصلة تماماً ابان بطريركية شمعون الثالث عشر (1662 – 1700) . والجدير بالذكر ان هذا البطريرك نقل كرسيه من اورمية الى قوجانس (في جبال تركية)، وقد بقيت هذه البلدة مقراً للرئاسة المنعزلة حتى مطلع القرن العشرين.

وخلال هذه الفترة نفسها – اي منذ سنة (1553) وهي سنة ابرام الاتحاد و 1662 وهي سنة جلوس شمعون الثالث عشر – بينما كان البطاركة حملة اسم "مار شمعون" يتابعون خلافة يوحنان سولاقا الكاثوليكي، كانت عائلة " ابـونا" تتابع في دير الربان هرمزد سلسلة بطاركة كرسي كرسي المشرق الاصلية ومعظمهم يحملون في هذه الفترة اسم " مار ايليا "، ولا زالت أنصابهم المنقورة محفوظة في مقبرة البطاركة الى جانب صومعة الربان هرمزد، وعددها تسعة انصاب اولها قبر شمعون الرابع باصيدي (1437 – 1497) وآخرها قبر ايليا الثاني عشر (1778 – 1804). وهي خير شاهد على هوية هؤلاء الجثالقة وموقعهم من تاريخ كنيسة المشرق. (انظر نصوص الانصاب عند كوركيس عواد، اثر قديم ص 33 – 41)، وهكذا حصل لنا في تلك الحقبة التي تزيد على القرن بطريركيتان الواحدة تخلف سولاقا وتمثل الرئاسة المشرقية الاصلية، علما بأن البطاركة الشمعونيين أنفسهم ارتدوا الى اعادة توريث الكرسي، وذلك منذ وفاة البطريرك شمعون التاسع.

وعندها انقطعت صلة البطاركة "المشعونيين" بروما بعد سنة 1670 على عهد شمعون الثالث عشر، بقي الكلدو اثوريون الكاثوليك بغير راع، وكان فراغ السلطة الكنسية بيناً لاسيما في منطقة ديار بكر، فحدث ان أنضم مطران البلدة النسطوري، مار يوسف، الى الكـثـلكة فأضحى هو زعيم حركة الاتحاد. وقد نجح في الحصول على فرمان من السلطان العثماني سنة 1677 يعترف بهِ  "بطريركاً للكلدان"، ثم أعترفت بهِ روما ايضاً سنة 1681، وخلفه يوسف الثاني (1696 – 1713) فيوسف الثالث (1713 – 1757) ثم يوسف الرابع (1759 – 1796) فيوسف الخامس (1893 – 1827) الذي لم ينل تثبيت روما، وبه انتهت سلسلة البطاركة الكاثوليك الذين جلسوا في ديار بكر.

نستخلص مما مرّ انه في الفترة بين (1681 – 1827) كان للكلدواثوريين ثلاثة بطاركة: الواحد يتابع سلسلة يوحنان سولاقا التي ارتدت الى العزلة الكنسية وقد استقر اخيراً  في قوجانس، والثاني يتابع سلسلة "ابـونا" العشائرية ويمثل رئاسة كرسي المشرق الاصلية وكرسيهِ في دير الربان هرمزد، والثالث يمثل الرئاسة الكاثوليكية وكرسيهِ في ديار بكر.

وعلى الرغم من وجود بطريرك كاثوليكي في ديار بكر، واصلت روما عبر موفديها الاتصال بالبطريركين المنعزلين، وكان الامل قوياً في آنٍ واحد هذين الآخيرين سينضم الى الكثلكة. وبالفعل نجحت المفاوضات بين روما والمطران يوحنان هرمزد من عشيرة ابـونا فأعترفت به روما سنة 1830 بطريركاً على الكلدان. ومنذ ذلك الحين تعاقبت الرئاسة الكاثوليكية في المشرق الكلدو اثوري بأنتظام وفي خط مباشر حتى يومنا هذا. بينما تتابعت الرئاسة المنعزلة في قوجانس حتى نزلت على ابنائها كوارث الحرب العالمية الاولى.

ومـُلخص القول انهُ بعد أبرام الاتحاد مع روما حدث إستبدال جذري في المواقع، فقد أرتدت الى موقف التقليد الإنعزالي سلسلة البطاركة المتحدة اثر سولاقا بروما، بينما انتهت سلسلة "آلــ ابـونا" الى الاتحاد الكاثوليكي.

 

وتحاشياً للأطالة نكتفي بهذا القدر من الوثائق، نستخلص منها النتائج التالية :-

 

1.   أن أبناء كنيسة المشرق، اولاً في أبرشية المهاجرين منهم الى قبرص، ثم في بلاد ما بين النهرين موطنهم الاصيل، هم الذين ارادوا إستعادة أسمهم القومي، ولم تفعل روما في وثائقها غير التعبير عن رغبتهم الذاتية.

2.   أن أستعادة الهوية القومية تركزت منذ البدء على تسميتين الواحدة ذات طابع اكثر ارتباطاً بالناحية التاريخية والثقافية هي التسمية الكلدانية، والثانية ذات طابع اكثر ارتباطاً بالمنطقة الجغرافية هي التسمية الاثورية. وقد استمر التأرجح بين التسميتين فترة طويلة تزيد على القرن.

3.   أن لقب "بطريرك الاثوريين" أطلق أولاً على خلفاء سولاقا من بطاركة المشرق المتحدين بروما، بينما أطلق لقب "بطريرك بابل" بادىء الامر على الجثالقة النساطرة غير المتحدين بروما. غير أن التطورات اللاحقة عكست الاوضاع تماماً. فأضحى لقب "بطريرك بابل" في المفهوم الشائع كنيسة للبطريرك الكاثوليكي. بينما أضحى لقب "بطريرك الاثوريين" كنية للبطريرك غير المتحد بروما.

 

ولذا يخطأ من يعتقد ان الاسم الكلداني من وضع روماني وان الاسم الاثوري من وضع انكليكاني، ذلك لان التسميتين، كما مر، من وضع اصحابها الذاتيين، وقد جاء ذكرهما، منذ منتصف القرن السادس عشر، في الوثائق الرسمية المتداولة بين أبناء كنيسة المشرق والكرسي الرسولي الروماني.

لما استقر الاسم الكلداني لاحقاً على المجموعة المتحدة بروما، بينما تبنى الانكليكان التسمية الاثورية في مداولاتهم مع المجموعة غير المتحدة بروما، مع ان هذه التسمية ايضاً ليست من وضعهم بل وردت اولاً في المراسلات بين الكرسي الروماني وكنيسة المشرق، ثلاثة قرون قبل تعامل الانكليكان مع أبناء هذه الكنيسة.

 

لائحة جثالقة المشرق

رأينا كيف أنشطر الجسم الكنسي في المشرق الكلدو اثوري، منذ آواسط القرن السادس عشر، الى مجموعتين الواحدة متحدة مع روما والأخرى منعزلة عنها، ثم كيف أستـُبدلت المواقع لاحقاً، وسنة 1830، فأرتدت سلالة سولاقا عن الأتحاد الكاثوليكي وتمركزت في بلدة قوجانس، بينما أبرمت الاتحاد مع روما سلالة ابـونا البطريركية في شخص المطران يوحنان هرمز.

وهكذا صار لنا منذ عام 1830رئاستان كنسيتان في المشرق الكلدو اثوري. الـتفت حول كل منهما مجموعة من أبناء هذا الشعب، بلورت حياتها الطقسية والثقافية والاجتماعية حول المؤسسات التابعة لتلك الرئاسة. وقد أدت هذه الحال بمرور السنين الى تشكيل محورين مركزين هما المحور الكلداني والمحور الاثوري مع اطار شعبي تابع لكل منهما؛ حتى تبلورت في ذلك الاطار وحول ذلك المحور حياة المجموعة التابعة، وذلك على نمط معين ذي خصوصيات تميزهُ عن النمط الثاني.

ولتبيان إستبدال المواقع بين السلالتين البطريركيتين، نقدم اللائحة التالية وهي تـتناول تسلسل البطاركة منذ آواسط القرن الخامس عشر حتى يومنا. ولابد لنا ان نعلم القارىء بأنهُ، لشحة المصادر التاريخية، لا زال الغموض والأشكال يكتنف بعض الشخصيات والحقبات التي تتضمنها قائمة البطاركة المشرقيين، لا سيما في الفترة الممتدة من اواسط القرن الرابع عشر حتى آواسط القرن الخامس عشر. أي من طيمثاوس الثاني (1318 – 1322) حتى شمعون الرابع باصيدي (1437 – 1497). ولا زالت الحاجة ماسة الى دراسة تتناول هذه الحقبات الغامضة. ومن الملاحظ أن قائمة الكردينال تيسران (معجم اللاهوت حقل 261 – 263) هي التي يعول عليها المؤرخون المعاصرون عموماً، ونجدها منقولة كما هي في العديد من البحوث، لكونها كما يبدو أقرب القوائم الى المعطيات التاريخية المتوفرة حتى زمانهِ، إلا ان لنا عليها، فيما يخصُ موضوعنا، ملاحظتان أساسيتان :-

 

1.   أن تيسران يعتقد خطأ أن شمعون لسابع برماما كان قد توفي سنة 1551 اذ أختير يوحنان سولاقا لمنصب البطريركية المنوي توخيدها مع الكرسي الروماني. فيضع خلفاً له شمعون الثامن على أن هذا هو المدفون في مقبرة البطاركة في دير الربان هرمزد وأن وفاته سنة 1558 كما يرد على النصب المنقور. ولكن الدراسات الأخيرة، ابتداءً من بحث المطران رافائيل ربان (شهيد الإتحاد، ص 52 – 54، حاشية 14) تثبت أن شمعون السابع برماما كان حياً يرزق اذ أختير يوحنان سولاقا لمنصب البطريركية. وأن أختيار هذا الآخير لمنصب البطريركية لم يكن لخلافة البطريرك برماما بل للأستعاضة عنهُ.

 

وبالتالي فأن هذين الشمعونين الواردين عند تيسران إنما هما شمعون تاريخي واحد، أعني شمعون السابع برماما، معاصر سولاقا وغريمهُ، وقد أعتلى الكرسي البطريركي (سنة 1538)  وتوفي (سنة 1558) وقبر في دير الربان هرمزد.

وبناءً على هذا التوضيح يجب تصحيح تسلسل البطاركة اللاحقين.

 

2.   أن تيسران يضع بين (سنة 1558)  و (سنة 1591) أثنين من البطاركة بأسم إيليا، أعني: إيليا السادس (1558 – 1576) وإيليا السابع (1576 – 1591). غير أن النصب المنقور في مقبرة البطاركة (كوركيس عواد، أثمر قديم، ص 36) واضح المعنى اذ يقول: سنة 1902 للأسكندر ملك اليونان (1591 م) البطريرك مار إيليا خرج من هذا العالم في 26 من شهر آيار شهر الورود... الخ،. وعن يسار هذه الكتابة كتابة آخرى تقول: "ابـونا آدار الكرسي البطريركي مدة ( 32 سنة)". وبالتالي ليس لنا في هذه الفترة إلا بطريرك واحد هو ذاته إيليا السادس الذي بدأ بطريركيتهِ (سنة 1558) ودير الكرسي (32 سنة) وتوفي (سنة 1591). وقد فطن بطرس نصري الى هذا الخطأ الوارد عند بعض المؤرخين ونبه الى تصحيحهُ (ذخيرة الأذهان، 2، ص 15، الحاشية).

 

وتبعاً لذلك يجب في هذه النقطة ايضاً تصحيح تسلسل البطاركة اللاحقين، فأنظر في نهاية لائحة البطاركة معدلة حسبما ذكرنا.

 

وهكذا اذ نحن نستفيق اليوم، بعد اكثر من قرن ونصف، نرى أن النهر الواحد أصبح جدولين، وأن نتائج الانشطار في الرئاسة ونتائج القطيعة بين المجموعتين أدت آخر الامر الى تنوع في الحياة الطقسية والثقافية والاجتماعية.

 

بحيث أن معالجة قضية الوحدة المسيحية بين هذين الشطرين وإعادة الجدولين الى الاندماج او اللقاء في نهر واحد يقتضيان اليوم معالجة موضوع هذا الأختلاف، او بالآحرى هذا التنوع.

 

 

سلسلة جثالقة كرسي المشرق

 

من المفارقات التاريخية أن البطريرك الكلداني الكاثوليكي القائم حالياً هو متابعة لسلالة بطاركة المشرق الاصلية المتسلسلة من رُسل المشرق آدي و ماري، آما بطريك كنيسة المشرق الاثورية الحالي فهو متابعة للسلالة التي افتتحت مع يوحنان سولاقا الذي أقتبل الرسامة الاسقفية من البابا يوليوس الثالث سنة 1553 وقطع خلفاؤه العلاقة مع روما عائدين الى العزلة الكنسية مع شمعون الثالث عشر الذي أستقر في قوجانس بين سنة 1670-1700. أنظر الواقع التاريخي في اللائحة أدناه:-

من عشيرة ابـونا البطريركية                                                        دُفن في

* شمعون الرابع باصيدي          (1437– 149)                               دير الربان هرمزد

* إيليا الخامس                      (1497–1501)                               دير مار اوجين

* شمعون السادس                 (1504– 1538)                               الربان هرمزد

 

     مقرهُ في

  السلالة المتحدة بروما    

 

  دُفن في

السلالة التقليدية

ديار بكر

شمعون الثامن (يوحنان سولاقا) (1552-1555) 

   الربان هرمزد

شمعون السابع برماما       (1538–1558) 

  سعرت

عبد يشوع الرابع مارون          (1555-1567)

  الربان هرمزد 

إيليا السادس                   (1558–1591) 

 سعرت

يابالاها الخامس                     (1578-1580)

 الربان هرمزد    (1591-1617)                    إيليا السابع 
سلاماس

شمعون التاسع دنحا                (1581-1600)

الربان هرمزد   (1617-1660)           إيليا الثامن شمعون
  سلاماس

شمعون العاشر                      (1600-1638)

   الربان هرمزد 

إيليا التاسع مار اوجين       (1660-1700)

   أورمية

شمعون الحادي عشر               (1638-1656)

   الربان هرمزد 

إيليا العاشر مار اوجين       (1700-1722) 

 أورمية

شمعون الثاني عشر دنحا          (1656-1662)

        ؟

(1722-1778)        إيليا الحادي عشر دنحا
 
   قوجانس

شمعون الثالث عشر دنحا         (1662-1700)  

الربان هرمزد   

إيليا الثاني عشر أيشو عياب  (1778-1804)

 

قطع الوصال مع روما بعد          (1670)  

     أبن عمهِ المطران يوحنان هرمزد أتحد بروما  
 

******************************** 1
 ديار بكر   يوسف الاول     (1677-1695)         
 ديار بكر

  يوسف الثاني    (1696-1713)     

   ديار بكر

  يوسف الثالث    (1713-1757) 

 ديار بكر

  يوسف الرابع    (1759-1796)

 ديار بكر

  يوسف الخامس (1803-1828)

 

********************************
  الموصل

 يوحنا الثامن هرمز (1830-1838) 

مقره في

 قوجانس

شمعون الثالث عشر دنحا  (1662-1700)

  الموصل

نيقولاوس زيعا                   (1840-1847)

 قوجانس 

شمعون الرابع عشر سليمان        (1700-1740)

 الموصل

يوسف السادس اودو           (1847-1878)     

    قوجانس

 شمعون الخامس عشر يوحنا      (1740-1780)

الموصل

إيليا الثالث عشر عبو اليونان (1878-1894)

 قوجانس  

 شمعون السادس عشر يوحنا      (1780-1820) 

 الموصل

عبد يشوع الخامس خياط       (1895-1899)

قوجانس 

شمعون السابع عشر ابراهام       (1820-1861)

 الموصل

يوسف عمانوئيل الثاني توما  (1900-1947)      

 قوجانس 

شمعون الثامن عشر روبين        (1861-1903)  

 بغداد يوسف السابع غنيمة            (1947-1958)        قوجانس  شمعون التاسع عشر بنيامين     (1903-1918)
 بغداد بولص الثاني شيخو             (1958-1989)   قوجانس             شمعون العشرين بولس           (1918-1920)
 بغداد روفائيل الاول بيداويد           (1989-2003)   سان فرانسيسكو  شمعون الحادي والعشرين أيشاي(1920-1975)  
 بغداد عمانوئيل الثالث دلي            (2003)     شيكاغو           دنخا الثالث (او الرابع)           (1976)