"لطيفة.. كوكب.. درية.. ومفيدة".. مصريات صنعن الأمجاد

كتب : نورهان نصرالله الجمعة 26-09-2014 20:02
نساء فتحت بوابة الحياة نساء فتحت بوابة الحياة

معروف أن الأنثى مقدَّسة في جميع الحضارات، لدرجة إضفاء الألوهية عليها، فكانت هناك ماعت وعشتار وإيزيس، فالأنثى هي بوابة الحياة التي نفضت عن نفسها غبار الرجعية والظروف، وأثبتت أن الصعاب لم تخلق إلا لتتجاوزها، لتخطو بعدها بخطوات ثابتة واثقة نحو حلمها لتتحد معه، رحلة نجاح وتميز تخللها بعض الإخفاق أحيانًا، فمن إصرارها تولد الحرية والصمود، صوتها كمشاعل أضاءت عصورًا وعقولًا مظلمة، لتخلد بنضالها علامات فارقة غيرت ملامح التاريخ الإنساني في مصر مهدت بها طريق من يأتي بعدها.

سيدات مصريات أثبتن وجودهن في مهن وأعمال كانت مخصصة للرجال في ذلك الوقت ليجتاحوها، مؤكدين تفوقهن بها، فكان ولا زال دور المرأة في المجتمع المصري يتجاوز نظرية "نصف المجتمع" بشكل كبير، فهي صنعت معركتها واختارت عدوها ببراعة لترمي نفسها بعد ذلك في براثنه وتتفوق عليه، فتحقق الريادة والسبق وتفتح الباب أمام الأجيال القادمة بطريقة غير تقليدية، فالتمرد يليق بهن.

"كابتن لطيفة النادي"

في صورة ترجع إلي الثلاثينيات من القرن الماضي تقف فتاة رقيقة بفستان أبيض، ترتسم على وجهها ابتسامة حرية كسرت جميع القيود وفي عينيها لمعة الانتصار، هي "كابتن لطيفة"، التي جاءت إلى العالم لتكسر حواجز مجتمعها وعاداته وتؤكد أنها ليست أسيرة للحواجز، وتردد أن السبب الحقيقي الذي دفعها لتعلم الطيران هو "أن أكون حرة".

نجحت الآنسة لطيفة النادي أن تكون أول مرأة عربية تحصل على إجازة طيران عام 1933، لتكون السيدة الثانية على العالم التي تقود طائرة بعد الأمريكية "إميليا إيرهارت"، وكان رقمها 34 أي لم يتخرج قبلها سوى 33 طيارًا فقط، في الوقت الذي كانت الفتاة قد حلَّقت في السماء وقت كان السير على الأرض بالسيارات ما زال مثار خوف للرجال.

فوالدها الذي رفض وبشدة أن تبدأ في تعلم الطيران كان المشجِّع لها على أن تحقق حلمها متحدية جميع الصعاب، فعملت عاملة تليفون وسكرتيرة بمدرسة الطيران، وكانت تحضر دروس الطيران مرتين أسبوعيًا دون علم والدها إلى أن حصلت على إجازة "طيار أ" وهي لم تتجاوز الـ26 عامًا، ليعلم والدها بالأمر بعد نشره بالصحف مع صورة تم التقاطها لها.

ومن أجمل لحظات عمرها، على حد قولها، عندما أخذت والدها في الطائرة، وقادت به فوق القاهرة ثم ذهبت إلى الجيزة والتفت بالطائرة حول الأهرامات وأبي الهول، ولما رأى جرأتها وشجاعتها قام باحتضانها، ثم يصبح بعد ذلك من أكبر المشجعين لها والمعجبين بقدراتها.

"الدكتورة كوكب حفني ناصف"

غزلت فصول حياتها بيدها وحدها، فكانت أكبر مثال على تفرد المرأة فقد حلمت بالمعجزة وحققتها، ما بين نضالها ضد الاحتلال وما بين حلمها في أن تشفي الجراح ويتذكرها الجميع كطبيبة، فكانت تقول "الطب هو اللي عملني".

بداية كفاحها ضد الاحتلال من خلال مشاركتها في ثورة 1919، وتشجيع الفتيات في المدرسة على المشاركة بها، ما أدى إلى أن تقوم ناظرة مدرسة السنية بطردها من المدرسة فلجأت للبحث عن مدرسة أخرى، وتمكَّنت من الالتحاق بمدرسة الحلمية، لتحصل على منحة دراسية لدراسة الطب في إنجلترا من خلال بعثة "كيتشنر" لدراسة الطب في إنجلترا ولتصبح أول مبعوثة مصرية تسافر عام 1922.

وعند عودتها في عام 1932 لم تكن أول طبيبة مصرية، ولكنها كانت أول جراحة مصرية، تعلَّمت الجراحة على يد الدكتور نجيب باشا محفوظ، وعهد لها بإجراء 7 جراحات في يوم واحد، وكانت "كوكب حفني" الوحيدة التي عملت بالطب من بين المبعوثات الخمس فقد تركت أربع منهن المهنة لأسباب مختلفة، فعملت "كوكب" كطبية لمدة 30 عامًا، وكانت أول من تولت رئاسة مستشفى لتغير اسمه إلى الاسم الذي تُعرف به الآن "مستشفى شبرا العام"، وكانت أول من تتقلَّد منصب "حكيمباشي" بعد ما كان المنصب حكرًا على الإنجليزيات، ولم تقتصر إسهاماتها عند هذا الحد بل امتدَّ لتؤسس أول مدرسة للتمريض في مصر.

نجحت الدكتورة كوكب في أن تكرِّس للمرأة في مجال الطب، بالرغم من أن إسهامات المرأة فيه لا تقتصر على اسم "كوكب حفني" بل امتدت لتشمل في طياتها العديد من السيدات؛ منهن الدكتورة هيلانة سيداروس التي تعتبر أول طبيبة مصرية.

"درية شفيق"

هي المرأة المجهولة وراء حصول المرأة على حق الترشح والانتخاب في المجتمع المصري، فهي القوية الصامدة.

"لقد تعلمت في طفولتي المبكرة أن إرادة المرأة يمكن أن تُبطل أي قانون لا ينصفها"، فمن قوتها ظهرت المعجزات عندما قادت مظاهرة نسائية عام 1951، واقتحمت البرلمان للمطالبة بحق المرأة في الترشح والانتخاب، فدرية الحاصلة على درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1940 عن موضوع "المرأة في الإسلام" والتي أثبتت من خلاله أن حقوق المرأة في الإسلام هي أضعاف حقوقها في أي تشريع آخر، لتستمد منه قوتها وصمودها.

أسست اتحاد "بنت النيل" كأول حزب سياسي نسائي عام 1948 كخطوة أخرى على نضال المرأة المصرية للحصول على حقوقها، كما شاركت في محاربة الاحتلال بتدريب النساء على فنون القتال والتمريض.

10 أيام هي عدد الأيام التي أضربت فيها درية عن الطعام، لتكون أقوى المعارك التي خاضتها مع الحكومة المصرية حين تم تشكيل اللجنة التأسيسية لصياغة دستور 1954 ولم تكن المرأة ممثلة فيه، فقررت درية شفيق الاعتصام في نقابة الصحفيين وأضربت عن الطعام، وقالت وقتها: "أنا أرفض الخضوع لدستور لم أشترك في صياغته" ولم تغادر مكان الاعتصام حتى وقَّع لها المحافظ إقرارًا كتابيًا بأنه مندوب من رئيس الجمهورية وقتها محمد نجيب.

"المحامية مفيدة عبدالرحمن"

أبحرت بين الأمواج المتلاطمة ولكنها استطاعت أن تبحر، بعد أن أضاءت الطريق الذي كان مسدودًا بالعادات والتقاليد البالية، واخترقت ركام القيود التي كانت تلجم المرأة، فصوتها هو الذي كان يرج المحاكم والمحافل الدولية، لتجلس بعد ذلك مع رؤساء العالم، فنجحت في أن تجمع الطيبة والصرامة مع الجدية، واستطاعت أن تحل المعادلة الصعبة التي تعجز معظم السيدات عن حلها.

ارتدت مفيدة روب المحاماة الأسود طوال 60 عامًا كانت فيها أمًا لـ9 أطفال، فقبل ظهور نتيجة البكالوريا كانت قد تزوجت من الكاتب الإسلامي محمد عبداللطيف، الذي شجَّعها بعد ذلك لتدخل كلية الحقوق وتكون أول فتاة تلتحق بها، لكن عميد الكلية أصرَّ على مقابلة زوجها والحصول على موافقة كتابية منه بعد ما علم أنها زوجة وأم.

تخرَّجت عام 1935 في كلية الحقوق لتصبح أول محامية مصرية وهي أم لخمسة أطفال، ثم اتَّجهت للعمل بالمحاماة، وحققت شهرة واسعة، وكانت تذهب إلى المحكمة وهي حامل حتى آخر يوم قبل الولادة، وكانت أول سيدة تشغل منصب عضو بمجلس إدارة بنك ‬وأول سيدة مصرية تستمر عضوًا بمجلس الأمة 17 ‬عامًا متصلة ‬وأول محامية في العالم العربي تترافع أمام المحاكم العسكرية العليا.

وقبل أن تذهب مفيدة لمقابلة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والسادات تمسح حذاء زوجها بيدها، فكانت دائمًا تدين بالفضل لزوجها في تشجيعها ودفعها للدراسة ثم العمل وكان سببًا في نجاحها، بجانب قوتها وصمودها في الوصول إلى ما لم تصل إليه سيدة من قبل، وهو ما يؤكد أن الثورة دائمًا كامنة في نفوس المصريات في حياتهن.

التعليقاتسياسة التعليقات

لا يوجد تعليقات
اضف تعليق