Make your own free website on Tripod.com

يهود العراق

مير بصري
رئيس الطائفة الموسوية
في العراق سابقاً

لندن ـ بريطانيا

 

     الديانة اليهودية دين التوحيد الخالص المحض ووضع أساسها على الكلمات العشر التي أعطاها الله الى النبي موسى الكليم على الجبل في سيناء .  وأولاها أن وحد الله خالق الكون واعبده ولا تعبد سواه ، ولا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة مما في السماء أو الأرض ، لا تسجد لها ولا تعبدها .  ثم أوصى الله بالراحة يوم السبت من كل أسبوع ، وأكرام الأب والأم ، لا تقتل ، لا تزنِ ، لا تسرق ، لا تشهد شهادة زور ، لا تحسد .  تلك أسس الدين الموسوي التي أمر الله بها موسى عبده ونبيه وأوحى اليه أن ينقلها الى بني أسرائيل في بلدته سيناء لتكون سنّة حياتهم وحياة أبنائهم الى أبد الدهر.

     لكن الدين اليهودي يرجع من قبل موسى الى ابراهيم أبي المؤمنين الذي عرف الله وآمن به ووحده توحيداً وهجر أهله وقومه وبلده هرباً من عبادتهم للأوثان ، وقد ورث عنه التوحيد ابنه اسحق وحفيده يعقوب والأسباط .  وأمر الله ابراهيم بختان كل ذكر في اليوم الثامن من مولده ليكون علامة عهد بينه وبين الله سنّة للأجيال .

     نشر اليهود التوحيد في زمن كانت الناس تؤمن بآلهة متعددة ، وكان لكل بلد وثن يمثل ربَّ البلد ويعبده الجاهلون حارساً لهم ومدافعاً عنهم.  أما بنو إسرائيل فآمنوا بالله تعالى خالق الكون ، وما زال أبناؤهم يرددون صبحاً ومساء آية  التوراة التي تقول : (( واسمع ، يا إسرائيل ، الربّ إلهنا اله واحد )) ، يؤمن اليهود ان العقل البشري لا يستطيع ادراك الذات الالهية وصفاتها ، واذا قيل الله عليم حكيم رحمن رحيم وما الى ذلك من الصفات فأنما هي وضعت لتقريب الصفات الربانية الى الذهن الانساني القاصر .

     وقد أوصت التوارة بتقريب القرابين في الهيكل للّه من البقر والشاة في زمن كان الوثنيون يقدمون القرابين لآلهتم من ابنائهم وبناتهم .  وكان المصريون في العصر الفرعوني يلقون فتاتهم كل عام حية في النيل ليباركوه فيفيض ويحيي موات الأرض .  وقد صرف بنو إسرائيل النظر عن القرابين الحيوانية بعد خراب بيت المقدس فقرر الأحبار ان يستعيضوا عنها بالصلاة .  ومنذ 2700 سنة قال إشعيا النبي يخاطب امم الأرض :  ((  لماذا لي كثرة ذبائحكم ، يقول الربّ ... اغتسلوا ، تنقوا ، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عينيّ ، كفوا عن فعل الشر .  تعلموا فعل الخير ، اطلبوا الحق ، أنصفوا المظلوم اقضوا لليتيم حاموا عن الأرملة ... )) .

     وقد كانت الصلوات والمزامير تتلى في بيت المقدس يتلوها اللاويون معلمو الدين ، ثم صارت لهجاً تردد في المعابد والكنائس تسبيحاً للباري وطلباً لرحمته وعونه .

     وقد آمن إبراهيم وبعده بنو إسرائيل بخلود الروح وإحياء الموتى . لكن التوراة تشدّد على عمل البّر والتمسك بالصلاح والنهج القويم فتكون المكافأة في هذه الدنيا نفسها .

     تطورت الديانة الموسوية خلال الاجيال دون المسّ بأسسها التي وضعها النبي موسى كليم الله في أسفاره الخمسة .  ففي سنة 722 ق.م قضى الاشوريون على دولة اسرائيل وأجلوا الاسباط العشرة الى أنحاء الأرض . وفي سنة 586 ق.م سقطت مملكة يهودا أمام جيوش نبوخذ نصّر / فهدم بيت المقدس الأول الذي بناه الملك سليمان وأجلي اليهود الى بابل . وظهر النبي حزقيال المعروف بذي الكفل بجوار نهر الفرات ، فشدّد عزم قومه المنفيين وقدّم لهم النصح والارشاد .  ولا يزال ضريحه في قرية الكفل من اعمال الحلة مزاراً لليهود والمسلمين على السواء يبجلونه ويعظمونه .

     لم يمض عهد طويل على اليهود في بابل حتى استوطنوا البلد وعملوا في التجارة والزراعة وأفلحوا ونالوا الرخاء ، عاملين بوصيّة نبيهم إرميّا الذي قال عن لسان الربّ :  (( ابنوا بيوتاً واسكنوا واغرسوا جنات وكلوا ثمرها ... واكثروا هناك ولا تقلوا .  واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها وصلّوا لأجلها إلى الربّ لأنه بسلامها يكون لكم سلام . )     ولم تمض سبعون سنة حتى جاء كورش ملك الفرس وقضى على الدولة البابلية وأذن لليهود بالعودة إلى أورشليم وإعادة بناء بيت المقدس ، فذهب إليها من ذهب وبقي الكثيرون في بابل مؤثرين الإقامة فيها .  وظهر آنذاك عزرا الكاتب الذي جمع أسفار التوارة ودوَّنها ، وكانت أقسامها كما أنزلت باللغة العبرية مدونة ومحفوظة منذ عهد موسى النبي وفي زمن قضاة اسرائيل وملوكها كما هو مذكور في اسفار التوراة نفسها واسفار الملوك وأخبار الأيام .  ولا يزال قبر عزرا الكاتب قائماً في بلدة العزير عند ملتقى دجلة والفرات في جنوب العراق يبجله الاهلون من يهود ومسلمين ويرعونه ويزورونه .

     أعيد بناء بيت المقدس الثاني في اورشليم ، وقد دام نحواً من 550 سنة حتى هدمه تيطس الروماني سنة 70 م ، ولم يبق منه حتى الوقت الحاضر سوى قسم من جداره الغربي الذي يزوره اليهود الآن ، ويعرف اسم حائط المبكى .

     حصلت أزمة في تأريخ الديانة اليهودية في ذلك الزمان ، فهبّ الأحبار والعلماء لسدّ الثغرة ووضع أسس الدين مستنيرين بأحكام التوراة .  وضعوا نظام المعابد والصلوات التي تقام فيها ، وقرروا أن تقرأ فصول التوراة في الكنيست أو المعبد بالتسلسل كل سبت ابتداء من سفر الخليقة حتى تنتهي قراءة آخر سفر تثنية ألاشتراع الخامس في نهاية السنة ، ليستأنف تلاوة كتاب موسى الأول في بدء السنة التالية .

     دونت في ذلك العهد أحكام ما سمي بالتوراة الشفهية  ( التقليدية ) التي تفسّر أحكام التوراة المكتوبة .  وبرز " ألتّنائيم " ( المعلمون ) الذين  وضعوا " المِشنة " ، وكان ابرزهم الحبر هلّيل ، وهو بابليّ المولد هاجر إلى أورشليم وتوفي بها سنة 10 سنة م .  وأصبح رئيساً لمجلس " ألسنهدرين " ،  وقد اشتهر بأقواله الحكيمة ، ومنها :  ما كان غير صالح لنفسك لا تعمله لجارك ، هذا الشرع كله وما تبقى شرحه . )) وقال  :  ولا تعزل نفسك عن الجماعة . )) وقال  أيضاً  : " لا تحكم على جارك حتى تحلَّ في محله . "  كان ورعاً متواضعاً حليماً لا يعرف الغضب .

   وكلمة " مشنة " عبرية معناها التعليم أو التكرار ، وهي مجموعة التعاليم الدينية والشرعية المستمدة من التوراة .  ووضع " التلمود " الذي يتضمن أصول الدين ، وهناك تلمودان :  التلمود الاورشليمي ، والتلمود البابلي ، وهذا الأخير هو المعولَّ عليه اكثر من سابقه .  والحقيقة أن التلمود دائرة معارف دينية وعلمية واجتماعية ، وفيه فصول متعددة تتناول مختلف المواضيع كالوجود والذات الإلهية والخلود والعدل والرأفة وإسرائيل والأمم والنفس والإيمان والصلاة والإثم والتوبة والعقاب والثواب وثمة فصول أخرى عن التوراة ودراستها والنساء والزواج والطلاق والأولاد واصول التدريس والعمل وشروط الصحة والطهارة والطعام ومعالجة المرض والحقوق والمحاكم والزراعة والتملك والبيع والشراء والإرث ، ثم المسيح ( الموشياح ) والقيامة والجنة والنار ، الخ ..  اما الفصول الأخلاقية تتناول انتهاج النهج الألهي والمحبة الانسانية والتواضع والصدقات والأمانة والتسامح والواجبات نحو الانسان والحيوان .  وقد وضع التلمود البابلي في العراق في الجامعات التي أسست على ضفاف الفرات منذ القرن الميلادي الثاني في سورا وبمبديشا وغيرهما ، وفرغ الربّانون من وضعه في أواخر القرن الخامس .

      لكن تثبيت أحكام الدين الموسوي وشرحها وتفسيرها استمر على مدى الأجيال حتى عصرنا الحاضر .  وقد اشتهر سعيديا بن يوسف المعروف باسم سعيديا الفيومي بترجمته اسفار التوراة الى اللغة العربية ، ولد في الفيوم سنة 892 ، وانتقل الى بغداد حيث عرف بعلمه الواسع واصبح رئيس جامعة سورا . وألف كتبه باللغة العربية ، ومنها كتاب التمييز وكتاب الشرائع وكتاب العِبُور  ( التقويم ) الخ . وكانت وفاته سنة 942 م .

     وممن اشتهر بعده الطبيب الفيلسوف موسى بن ميمون ( 1135 ـ 1204 ) ، ولد في قرطبة بالأندلس ، ثم انتقل الى شمال افريقية ودخل مصر وأقام في القاهرة 37 عاماً الى وفاته . كان رئيساً روحياً لليهود وطبيب البلاط الأيوبي .  وضع مؤلفاته بالعربية والعبرية ، وأشهرها : " دلالة الحائرين " في أحكام الدين الموسوي ، ألفه بالعربية بحروف عبرية ، وقد ترجم الى العبرية واللاتينية وأصبح مرجعاً من أهم المراجع ، ومن أعلام القرن السادس عشر الرَّبّان  يوسف قارو ( 1488 ـ 1575 ) ، ولد في الأندلس وخرج مع اسرته منها طفلاً واستقر في صفد بفلسطين .  وقد وضع كتابه "  شلحان عَروخ "  ( المائدة الممدودة ) لخص فيه ونظَّم وشرح الشريعة الموسوية وأحكامها وتقاليدها في كل مجالي الحياة ، فأصبح مرجعاً للعلماء والعامة يرشدهم الى أمور دينهم وعبادتهم .

     ولا بدّ من ذكر شعراء الاندلس واحبارها ، وفي مقدمتهم سليمان بن جبرول المتوفي في نحو سنة 1058 ويهودا هاليوي المعروف بأسم أبي الحسن اللاوي الطليطلي المتوفي في نحو سنة 1140 ، وقد وضعا كتباً فقهية وفلسفية واشعاراً دينية أدخلت في الصلوات لعظمتها وصفائها .

     وفي بغداد في عهدها الأخير برز الراب يوسف حييم  صاحب المؤلفات الدينية الكثيرة .  وله كتابه " قانون النساء" بالعربية ، وقد توفي في ضواحي الحلة سنة 1909 .  والحاخام الأكبر عزرا روبين  دنكور رئيس الحاخامين المتوفى سنة 1930 .  ألف تفسيراً للتوراة طبعه حفيده نعيم ألياهو دنكور في مجلدين سنة 1987 .

 

 

الكتب المقدسة

    في طليعة الكتب المقدسة أسفار موسى الخمسة التي أنزلت على النبّي الكليم في بادية سيناء بعد خروج اليهود من مصر الفرعونية في نحو القرن الثالث عشر قبل الميلاد .  والكتاب الأول " الخليقة " أو " التكوين "  يتناول خلق العالم وآدم ونوح والطوفان وسيرة إبراهيم الخليل والأسباط ويوسف في مصر ، وينتهي بموت يوسف .

     ويتكلم سفر " الخروج " عن تعذيب فرعون لبني إسرائيل وظهور موسى الذي أنقذ القوم وأخرجهم من ديار العبودية ، ثم نزول الكلمات أو الوصايا العشر على جبل سيناء وبناء " المسكن " السابق لهيكل سليمان .  ويتبع ذلك سفر "  اللاويين "  وسفر " العدد " ، وفيهما تنقلات بني إسرائيل في الصحراء وأحكام الشريعة بحسب تفاصيلها .  أما السفر الخامس "  التثنية " فيكرر احكام الشرع وينتهي بوفاة موسى .

     ويلي ذلك الاسفار التأريخية ، وهي كتب يهوشع والقضاة وصموئيل والملوك وأخبار الأيام وعزرا ونحميا وغيرها .

     ويتناول سفر أيوب فلسفة الرجل المؤمن الصالح الذي ابتلي بأشد البلايا ، فلم يهن ولم يكفر . وناقش الحكمة الإلهية مع أصحابه ، ثم أعاد الله إليه صحته وثروته وحياته العائلية الكريمة .

     وكتاب المزامير أو الزبور يتألف من 150 مزموراً أو نشيداً ، وينسب الكثير منها إلى الملك داود .  وكانت ترتل في بيت المقدس ، ثم أصبحت تراثاً خالداً لليهود والمسحييين على السواء ، يتلونها في معابدهم وكنائسهم ويرددونها في صلواتهم وابتهالاتهم .  وهي مزامير عذبة تتجاوب مع خلجات النفس وتتضارب مع دقات القلوب .  منها الهادئ والصاخب ، والبهيج والحزين .  صلوات روحانية تسمو بالإنسان الواهن وترفعه إلى أعلى علّيين .  أما تلك التي تتعلق بالموت فتشيد بقوة الباري ورحمته وتفتح أبواب الآخرة للمؤمنين ، تضئ دياجير القبروتسكب في الروح بلسم الحنان وترف في الوجه رفيف نسائم الخلود .

     وسفر الأمثال وسفر الجامعة ينسبان الى الملك سليمان الحكيم ، وفيهما درر الحكم وقواعد السلوك وعبر الادهار .  وقد قال سليمان : " لكل شئ زمان ولكل أمر تحت السماء وقت .  للولادة وقت وللموت وقت ، للغرس وقت ولقلع المغروس وقت .  للقتل وقت وللشفاء وقت ، للهدم وقت وللبناء وقت وللبغض وقت للبكاء وقت وللضحك وقت للحب وقت  ... " وقال : " وقد رأيت كل شئ وهو باطل وقبض الريح " .

     وأسفار الانبياء إشعياء وارمَّيا وحزقيال وسائر الأنبياء الصغار المصلحين الذين نبغوا في القرون الثامن والسابع والسادس قبل الميلاد .  دعوا الى الصلاح ونادوا بالخير والمحبة ، وتنبأوا بأزمان سعيدة بعيدة يسود فيها السلام وتهنأ الانسانية بحياتها ، " يطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل . لا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب فيما بعد ، بل يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته ، ولا يكون من يرعب لأن فم الله قد تكلم . " وقد أتخذت هذه النبوءة شعاراً للأمم المتحدة وخططت على واجهة مبناها في نيويورك .

العبادات

     في مقدمة الفرائض الدينية الصلاة والصوم .  تقام الصلاة صباحاً وظهراً ومساءً ، لكن العادة جرت أن صلاة الظهر والمساء تقام معاً حوالي مغيب الشمس .  وتفضل الصلاة جماعة ، ويكون النصاب عشرة ذكور بالغين على الأقل .  وليوم السبت صلوات خاصة وقراءات من أسفار التوراة .  وتتضمن الصلوات عادة بعض المزامير والتسبيحات الألهية ، و " العميدة " ( الوقوف ) ، وفيها ذكر للعون الألهي والرحمة وشفاء المرضى واحياء الموتى وطلب المغفرة والتوبة والمعرفة الربانية .  ويتلى أيضاً فصل التوحيد من التوراة .  وثمة بعض الصلوات الاضافية لرؤوس الاشهر العبرية وايام الأعياد والصيام .

     وللأيام العشرة الأولى من شهر تشري ( تشرين ) أول شهور التقويم العبري ميزة خاصة . فيحتفل باليومين الأولين كالأعياد ، ثم تتلوها ما يسمى بأيام الخشوع والتوبة التي تنتهي بيوم الغفران ( العاشر من الشهر ) .  وهذا اليوم أقدس أيام السنة يصوم فيه اليهود رجالاً ونساءاً أكثر من 25 ساعة تبدأ في مساء اليوم التاسع وتنتهي عند ظهور النجم في اليوم التالي.  وتستغرق الصلاة أكثر ساعات النهار بورع ورهبة .  وعند حلول المساء ينفخ في الصور بنغم يملأ النفوس تقوى ورهبة .  والنفخ في الصور عادة تعود الى عهد النبي موسى ، وقد نفخ فيه الكهنة هارون وأبناؤه عند نزول التوراة في بادية سيناء .

     وهناك أيام أخرى في السنة فرض فيها الصيام ، وأهمها اليوم التاسع من آب العبري ، وهو يوم خراب بيت المقدس وسقوط دولة يهودا .  وترتّل فيه مراثي إرميّا النبيَّ ، ومطلعها :  " كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب ، كيف صارت كأرملةٍ العظيمة في الأمم . السيّدة في البلدان صارت تخضع للجزية . تبكي في الليل بكاءًَ ودموعها على خدّيها ، ليس لها معّزٍ من كل محبيها . "

     لكن أيام السنة العبرية ليست كلها صوماً وحزناً ، فهناك الأعياد الثلاثة الكبرى التي أُمِرَ بها موسى في التوراة .  أولها عيد الفصح الذي يأكل اليهود فيه الخبز الفطير كما فعل أجدادهم عند خروجهم من مصر في سالف الزمان ، ويقع في 15 نيسان ويدوم سبعة أيام ويليه بعد تسعة وأربعين يوماً عيد الأسابيع ، وهو عيد نزول التوراة ، وأمده يومان في 6 و 7 سيوان ( حزيران ) . ويقع في الخريف عيد المظالّ ، وهو عيد الحصاد وأمده 8 أيام إبتداءً من 15 تشري ، واليوم الأخير منه يدعى يوم " فرح التوراة " ،وهو يوم بهجة وأناشيد احتفالاً بتوراة موسى التي نشرت التوحيد ومعرفة اللّه .

     وهناك أعياد ثانوية صغيرة كعيد الأنوار ( الحنوكة ) ذكرى انتصار الأسرة المكابية  ( الحشموناؤون ) على الحكم السوري اليوناني الوثني وإعادة الأنوار الى بيت المقدس سنة 175 ق م ، ( ويقع في 25 كسليو ( الشهر الثالث من التقويم العبري ) .  و" عيد البوريم " ( القرعة ) في 14 آذار ، وهو ذكرى خلاص اليهود من هامان وزير أحشويروش ملك الفرس الذي تآمر لأفنائهم في القرون السابقة للمسيحية .

المرأة 

     للمرأة في المجتمع اليهودي مقام خاص ، ولها واجبات كرّبة بيت مسؤولة عن نظافته والمآكل الصالحة للطعام حسب تعاليم التوراة  .  ومن وظائفها أيقاد النور في مساء الجمعة تمهيداً للسبت يوم الراحة .  وقد سجلت التوراة التعاليم الخاصة بالزواج والطلاق وتربية الاولاد وحددت مواقف الزوجة ازاء رجلها وأسرتها .

     وذكرت التوراة نساء العهد القديم ، وأولاهن حواء أم البشر .  وذكرت امهات المؤمنين سارة زوجة ابراهيم وربقة زوجة اسحق وليئة وراحيل زوجتي يعقوب ، وهنّ  (عدا راحيل ) مدفونات مع أزواجهن في المغارة التي اشتراها إبراهيم من الحثّيين ودفن فيها زوجته ببلدة الخليل ( حبرون ) .  وذكرت التوراة مريم اخت موسى ونعتتها بالنبيَّة ، ثم نوه سفر القضاة بدبورة القاضية التي حكمت بني اسرائيل قبل العهد الملكي ، وأمرت القائد براق بن ابي نوعم أن يحارب سيسرا ملك الكنعانيين، فحاربه وانتصر عليه وأنقذ القوم من شرّه وعدوانه .

     وذكرت الأسفار المتأخرة الأخرة روث الموآبية التي إعتنقت الديانة اليهودية وكانت جدّة الملك داود ، واستير التي اختارها أحشويروش ملك الفرس زوجة له .

التصوف ( القبّالة )

     يرجع التصوف اليهودي الى ماضٍ قديم ويستند الى مبادئ تقليدية خفية تتعلق بصفات الذات الألهية وعلاقتها بعالم الانسان . وعرف التصوف بأسم " القبَّالة " والكلمة تنظر الى التسلّم والقبول . والغرض الذي يرمي اليه ، كما قال بعض العلماء ، وصل الكون اللانهائي بالذات الإلهية التي لا نهاية لها ، ومحاولة معرفة مصدر الشر الذي علق بالبشرية والتوصل الى الحياة الخالصة إن العقل يقصر عن معرفة اللّه ويؤمن به بدافع روحي منطلق من ذات النفس .

     أشهر كتب القبّالة سفر " الزوهر " ( السناء ) الذي ينسب الى الحبر شمعون بار يوحاي . عاش في الجليل في القرن الثاني للميلاد.  لكن مؤسس القبالة الحديثة وناشرها انما كان  الاشكنازي (1534 ـ 72 ) الذي عاش في صفد .

     ما زال المتدينون يرتلو كتاب " الزوهر " للتبرك بآياته ، وأكثرهم لا يفقهون معانيه ، يرتلونه خاصة في الصلوات على ارواح الموتى وفي مناسبات أخرى .  كتب باللغة الأرامية القديمة ، وكلماته غريبة عسيرة على الفهم .  عمَّ يتحدث ؟  نشعر انه يتحدث عن الحياة والموت ، عن الخالق والخليقة ، عن العالم العلوي الذي يقطنه الملائكة والصدّيقون ، اولئك الذين يرددون تسابيحهم المرتفعة الى العرش الألهي .  انه يتحدث عن العالم السفلي الذي تتعذب فيه النفوس الشريرة لتصفّى كما يصفّى الذهب الإبريز في النار، عن الخوالج التي تختلج في قرارة النفس ، عن الآمال التي تحلم بالبقاء والخلود ، عن الآلام التي لولاها لم يكن فرح ولا بهجة في الدنيا ، عن الأرواح الهائمة التي تريد مستقرَّا في حمى الرحمة الألهية الشاملة .  يا للظلام الذي يلف الأفلاك القاصية ، يا للأنوار الساطعة التي لا تستطيع رؤيتها العين البشرية ، يا لذكريات الأزل التي تمتدّ الى أبد الآباد !

المسيح المنتظر

     يؤمن اليهود بالمُوشِيَاح ( المسيح المنتظر ) الذي يأتي في آخر الأزمان ليملأ الأرض عدلاً وسلاماً .  بشر به الأنبياء منذ أكثر من 2500 عام ، فقال أشعياء : " ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام ، المبشر بالخير المخبر بالخلاص . "  وقال : " الذئب والحمل يرعيان معاً ، والأسد يأكل التبن كالبقر ، أما الحيَّة فالتراب طعامها ، لا يؤذون ولا يُهْلِكُون ... "

     وقال النبي ميخا : " ويكون في آخر الأيام ان جبل بيت الربّ يكون ثابتاً في رأس الجبال ويرتفع فوق التلال وتجري اليه الشعوب .  وتسير أمم كثيرة ويقولون :  هلمَّ نصعد الى جبل الرب والى بيت اله يعقوب ، فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله ... فيقضي بين شعوب كثيرين وينصف أمماً قوية بعيدة ، فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل لا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب فيما بعد ... "

  وقد قلت في قصيدة لي مستوحياً آيات الانبياء السالفين :

حُيّيتَ ، يا رجل الغد الحرّ الذي
أنت المؤمَّل للحياة وعزّها
بيديك تجمع للمحامد شملها ،
العلم والخلق الرفيع كلاهما
يا ليتني أحيا لأشهد عالماً
لم يخشَ ظلماً والعدالة دأبه ،
لا الحرب تفني أرضه ورجاله ،
فثقافة ورفاهة وأخوّة
والحكم فيه فضيلة وأمانة
والعلم مصدر عزّة وسعادة
والجهل كالفقر الممضّ جريمة،
والفرد رأس الكائنات وركنها
ان كان فرد القوم حراً هانئاً
وكرامة الشعب العزيزر بأهله ،
حُيِيتَ عصراً قد تراءى مشرقاً ،

 

به تنجلي في الأرض كلَّ ملّمةِ
للخير ، للغد نيّراً ، للنهضة
حاشاك توصم في علاك بسبَّة
لك منهج يغري عباب الظلمة
رفّت عليه المكرمات وشَعَّتِ
والحقّ يعلو فوق حلم السلطة
والجهل لا يبلو البلاد بفتنة
تلك الصفات لموطن الحرَّية
والمال محض وسيلة لمعيشة
والفكر في الانسان أقدس حلية
والداء ينخر في بناء الأمة
وأساس مجتمع وثيق اللحمة
فالقوم مسعود وفير النعمة
ليس الفخار بقوة أو كثرة
فالى الغد المرموق تلك تحيتّي !

 

                          نفحات من المزامير

     ترجمت بعض مزامير داود بتصّرف ، وفيما يلي بعضها :                    (1 )

 

قد تلا داود في مزموره
خفقات القلب في مشعوره ،
رتل الأوراد في الليل البهيم
واذا ما طلع الفجر الوسيم
مسّت الأنغام أوتار القلوب
في ليالي الحزن
تلك آيات الرجاء الخالدة

 

صلوات النفس في محرابها ،
خلجات الروح في أوجاعها.
قانتاً للّه مخضلّ الجفون ،
مجّد النور بفتّان اللحون
في اضطراب وابتهاج وكروب ،
في عرس الهناء .
من مَعِين النفس صفواً رافدة،

 

 



 

 

في ليالي الحزن ، في عرس الهناء .

 

 

 

تلك آيات الرجاء الخالدة

 

من معين النفس صفواً رافدة ،

 

 

 

صاغها داود من وحي العلاء.

 

 

 

(  2 )

سيدي داود ، هات المِزْهرا
إنما الأرض وأبناء الورى
خلق البحر وأرسى اليابسة ،
والدّراري في ذراها ناعسة ،
أي مرءٍ يرتقي عرش الإله ،

 

ليثير اللحنُ صمت المعبدِ:
كلها للّه ملك الأبد
وضع الحدّ لطغيان البحار،
والدجى يضفي على الكون الستار ،
يبتغي الرضوان يحظى بهداه ،

 

 

يترك الاثام ، لا يدري الرياء ؟

 

 

ذاك صافي القلب عَفُّ المقلتين ،

 

من فعال الشر قد نقى اليدين

 

 

فحباه الله فضل الأتقياء

 

 

       

                                               (3)                                                           

قال داود النبيّ الملك :
ليس يغشاني الونى والحلك
قد هداني للرياض الزاهرة ،
إيه طوبى للذي رام الحياة ،

 

 

إن رب الكون لي الراعي الأمين .
في طريقي فهو لي نعم المعين .
غمر النفس بعطف وسكون .
لا أخاف السّوء لا أخشى المنون

 

 

من شرور الإثم والفكر الكليل .

 

 

مجدوا الله بزَمْرٍ وصنوج ،

 

 

مجدوه في البراري والمروج ،

 

 

إن عرش الله في القلب الذليل .

 

 

           

                                                        

(4)

 

قال داود النبي الملك :
معجزات الله يبدي الفلك
تحمل الأيام أنباء الدهور
هاتف في النفس ، سرّ في الصدور
وكلام الله للنفس شفاء ،

 

 إن مجد الله ترويه السماء ،
والتسابيح وأنوار البهاء .
والليالي حكمة الكون العظيم ،
يملأ الأفق كأنداء النسيم ،
وهدى الايمان لطف ورجاء ،

 

 

 

 

بهجة للقلب نور للعيون

 

 

فتقبل من فمي هذي الصلاة
  واشف جلاب الروح بالدمع  الحنون 
  

مثل نبع فاض ماءً في الفلاة

 

 

 

واشف جدب الروح بالدمع الحنون

 

 

 

               

 (5)

قال داود :ألا أنّ الاله
منقذي من كل سوءٍ ، في حماه
إن قلبي مطمئن هانئُ
كبف يؤذيني الغشوم الشّانئ
بك آمنتُ فسدّد لي خطاي

 

ربّ هذا اللكون لي نور الحياة ،
أجد العون واسباب النجاة.
لا يخاف البأس لا يخشى الحمام.
ومجنّي دونَهُ ربِّ الأنام ؟
واهدني للخير ، حقّق لي مناي

 

 

وافتح العين لتحظى بسناك .

 

 

رب ، فجر منبع اللطف العميم

 

وضع الايمان في القلب السليم .

 

 

لا يخيب العبد قد نال رضاك .

 

 

       

(6 )

في ليالي الحزن أيّام العذاب ،
إنني أدعوك فأمنن با لجواب
نُقّ قلبي من تباريح الشرور ،
إن تحاسبني على فرط الذنوب

 

يا إلهي ، لا تُشِح بالوجه عنّي .
في ضلال اليأس قنَّا لا تدعني .
وأعد للنفس لطفاً ، وصفا،
والمعاصي نكدت عيشي الكروب

 

 

وقضيت العمر في اسر الشقاء

 

 

فاعف عما قد جنت ظلماً يداي ،

 

ولتسبح مجدك السامي كلاي

 

 

في رحاب الرب للعافي الهناء

 

 

         

 

(7)

إيه ما الانسان قد عظَّمْتَهُ
حكمة الأدهار قد علَّمته
رفع الطرف إلى هام الفضاء
طافحاً يرقى معاريج السماء
إنما الانسان واهٍ كالهشيم ،

 

سيّدَ الأرض وآفات البحار ،
وعقدت المجد تاجاً والفخار .
يحسب الأزمان في مسرى النجوم
بعد يوم من شقاءونعيم
بعد يوم من شقاء ونعيم

 

 

مثل عشب البر يذوي في العراء

 

 

انت رب الكون ذو المجد العظيم ،

 

ولك الحمد مدى الليل البهيم ،

 

 

ليس إلاك خليقاً بالدعاء

 

 

         

 

(8)

أيّها الجبار ، آثرتَ الشرور
لإله الكذب أحرقت البخور
إن ربَّ الكون يجزي المتّقين
يَفْرَحُ الأبرار فازوا باليقين ،
ليس يجدي المجد ، لا يغني الثراء ،

 

ولقد أطلقت كالسيف اللسان ،
وتفارخت بظلم وطعان.
يُهلك الأشرار في عَقر الديار
أمنوا في سبل الإثم العثار .
إنما في طيبة النفس الصفاء ،

 

 

رحمة الله وآلاء الحياة .

 

 

في رحاب الرب نور ورجاء

 

وسرور في صباح ومساء

 

 

لشفاهٍ رتّلت آي الصلاة

 

 

       

 

(9)

عندما قد بسم الحظّ لنا
يغمر النفس ارتياح وسَنا ،
يعجب الناس لفيض من هناء
تعمة سابغة تهدي السماء
يا إله الكون ، سدّد خطونا

 

أهو حلم كان وهماً أم حقيقة ؟
يستعيد الفم ألحاناً رقيقة .
حَلّ في ساحتنا بعد الشقاء .
تستثير الغيظ في أهل الجفاء .
وأحْبُنَا الخير بتحقيق المنى ،

 

 

واسقنا في ذلنا الماء النمير

 

 

زارع الحقل بكدّ وعناء

 

يبذر البذر ليحظى بالنماء