معركة عين جالوت وحوار أيبك وكتبغا

قضى المسلمون الليل في القيام والابتهال والدعاء والرجاء..

لقد كانت هذه ليلة من أعظم ليالي السنة لأنها في العشر الأواخر من رمضان..

بل إنها كانت ليلة وترية، ومن المحتمل أن تكون ليلة القدر..

غير أنها كانت كذلك ليلة من أعظم ليالي الدنيا لأنها الليلة التي تسبق يوم الجهاد، وفي صبحها سيكون لقاء عظيم يثأر فيه المسلمون لدماء الملايين من المسلمين التي سُفكت على أيدي هؤلاء التتار الهمج..

هذه يا أخوة ليلة خالدة حقاً..

ترى كيف كانت أحاسيس قطز رحمه الله في هذه الليلة؟

أكاد أجزم أنها كانت قريبة من أحاسيس خالد بن الوليد t في الليالي التي تسبق معاركه!!

يقول خالد بن الوليد t:

"ما ليلة تزف إليّ فيها عروس ـ أنا لها محب ـ أو أبشر فيها بغلام، بأحب عندي من ليلة شديدة البرد، في سرية من المهاجرين، أصبّح بهم أعداء الله"..

متعة حقيقية لا يشعر بها إلا المجاهدون حقيقة..

لا شك أن قطز رحمه الله كان يقضي هذه الليلة في محرابه يدعو الله U أن ينزل نصره على أوليائه، وأن يثبت أقدام المجاهدين.. لقد كانت هذه ليلة طال انتظارها.. فهذه ليلة كان يعد لها قطز منذ أن ارتقى عرش مصر وإلى الآن..

لقد اجتهد قطز رحمه الله كثيراً في الزرع، وغداً هو يوم الحصاد..

وحان وقت الفجر.. وصلى المسلمون الفجر في خشوع.. ورتبوا صفوفهم بعد الصلاة واستعدوا، وما هي إلا لحظات وأشرقت الشمس.. هذا يوم الجمعة الخامس والعشرون من رمضان سنة 658هـ, وبشروق الشمس أضاءت الدنيا, ورأى المسلمون من بعيد.... جيش التتار!!..

العرض العسكري في عين جالوت

أتى الجيش المغولي التتري المهول من اتجاه الشمال، وبدأ في الاقتراب من سهل عين جالوت، وعلى أبواب السهل وقف الجيش المغولي في عدده الرهيب وعدته القوية..

ولم يكن بالسهل أحد من المسلمين، فقد كانوا يقفون جميعاً خلف التلال..

لكن -كما أشرنا من قبل- فإن مقدمة جيش المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس كانت لا تخفي نفسها، وذلك حتى يعتقد جواسيس التتار أن هذه المقدمة هي كل الجيش.. ومع ذلك فعند قدوم جيش التتار كانت هذه المقدمة مختفية هي الأخرى، ثم أشار لها قطز رحمه الله أن تنزل من فوق التلال للوقوف على باب السهل لقتال الجيش التتري..

{سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [الأنفال: 12].

وبدأت القوات الإسلامية تنساب من فوق التل إلى داخل سهل عين جالوت، ثم تتجه إلى شمال السهل للاقتراب من جيش التتار..

ولم تنزل مقدمة الجيش دفعة واحدة، إنما نزلت على مراحل، وفي صورة عجيبة، على صورة العرض العسكري..

حوار بين صارم الدين أيبك وكتبغا

وأترك الحديث لصارم الدين أيبك -الرجل المسلم في جيش التتار- والذي كان يقف بجوار "كتبغا" وهو يصف العرض العسكري للقوات الإسلامية وهي تنزل من فوق التلال..

يقول صارم الدين أيبك:

"فلما طلعت الشمس ظهرت عساكر الإسلام، وكان أول سنجق أحمر وأبيض، وكانوا لابسين العدد المليحة"..

موقف في غاية الروعة..

لقد نزلت الكتيبة الإسلامية الأولى وهي تلبس ملابس أنيقة أحمر في أبيض.. للفرقة كلها زي واحد، وكانوا يلبسون العدد المليحة، بمعنى أن الدروع والسيوف والرماح والخيول كانت في هيئة مليحة (جميلة) لقد نزلوا بخطوات ثابتة، وبنظام بديع..

الجنود الإسلاميون ينزلون إلى ساحة المعركة في غاية الأناقة والبهاء.. وكأنهم في عرض عسكري.. لهم هيبة.. وعليهم جلال.. ويوقعون في قلب من يراهم الرهبة..

وهذه هي الكتيبة الأولى..

استمعوا إلى وصف صارم الدين أيبك وهو يتكلم عن كتبغا السفاح التتري الجبار..

يقول صارم الدين أيبك:

"فبهت كتبغا .. وبهت من معه من التتار"..

سبحان الله!!.. {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258].

هذه أول مرة يرى فيها كتبغا جيش المسلمين على هذه الصورة، لقد كان معتاداً أن يراهم وراء الحصون والقلاع يرتجفون ويرتعبون، أو يراهم وهم يتسارعون إلى الهروب فزعاً من جيش التتار، أو يراهم وهم يسلمون رقابهم للذبح الذليل بسيوف التتار!!.. كان كتبغا معتاداً على رؤية المسلمين في إحدى هذه الصور المهينة، أما أن يراهم في هذه الهيئة المهيبة العزيزة فهذا ما لم يحسب له حساباً أبداً!!

قال كتبغا في فزع: "يا صارم، رُنك من هذا؟! "

و"رنك" كلمة فارسية تعني "لون"، وهو يقصد كتيبة من هذه؟ إنها كتيبة مرعبة..

وكانت فرق المماليك تتميز عن بعضها البعض بلون خاص.. فهذه الفرقة مثلاً لونها الأحمر في الأبيض، فكانت تلبس الأحمر والأبيض، ولها رايات بنفس اللون، وتضع على خيولها وجمالها وأسلحتها نفس الألوان، وتضع على خيامها نفس الألوان، وكذلك على بيوتها في مصر، وعلى مخازنها وغير ذلك.. فكانت هذه بمثابة الشارة التي تميز هذه الفرقة أو الكتيبة..

فسأل كتبغا في فزع: رنك من هذا؟

فقال صارم الدين أيبك: رنك "سنقر الرومي" أحد أمراء المماليك..

ومهما كانت عظمة الكتيبة المسلمة وبهاؤها فإننا لا نستطيع أن نفهم رعب القائد التتري السفاح زعيم الجيش التتري المهول من هذه الكتيبة الصغيرة جداً بالقياس إلى جيش التتار إلا في ضوء حديث رسول الله r الذي رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وقال فيه: "نُصِرت بالرعب مسيرة شهر"[1].

وفي رواية أحمد عن أبي إمامة الباهلي أن رسول الله r: "وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي"[2]..

يقول الإمام السندي رحمه الله في شرح الحديث: "هذا رعب يُقذف في قلوب الأعداء بلا أسباب ظاهرية"، ومع ذلك فقد أخذ قطز رحمه الله بالأسباب الظاهرية قدر استطاعته، فحُسن الإعداد، وجمال الصورة، ودقة التنظيم، وبراعة الترتيب.. كل هذه أمور جعلت رعب التتار أمراً متحققاً، بالإضافة إلى أن الرعب جندي من جنود الله U..

ويقول الإمام السندي رحمه الله: إن هذه خاصية لرسول الله r، "وقد بقيت آثار هذه الخاصية في خلفاء أمته ما داموا على حاله"..

نعود إلى كتبغا سفاح التتار وهو يراقب نزول الكتائب الإسلامية من فوق التلال..

فبعد نزول الكتيبة الأولى: كتيبة سنقر الرومي نزلت كتيبة أخرى تلبس الملابس الصفراء عليها من البهاء والجمال ما لا يوصف..

تزلزل كتبغا وقال لصارم: هذا رنك من؟

قال صارم: هذا رنك بلبان الرشيدي أحد أمراء المماليك..

ثم تتابعت الكتائب الإسلامية بألوانها الرائعة المختلفة، وكلما نزلت كتيبة سأل كتبغا: رنك من هذا؟.. فيقول صارم: فصرت أي شيء يطلع على لساني قلته.. يعني بدأ يقول أسماء مخترعة لا أصل لها، لأنه لا يعرف هذه الكتائب، ولكنه يريد أن يرعب كتبغا بكثرة الفرق الإسلامية..

وكل هذه الفرق -يا إخواني- هي مقدمة جيش المسلمين فقط، وهي أقل بكثير من جيش التتار الرهيب؛ فقد احتفظ قطز رحمه الله بقواته الرئيسية خلف التلال، وقد قرر ألا تشترك في المعركة إلا بعد أن تُنهَك قوات التتار..

وبعد أن نزلت مقدمة المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس بدأت فرقة الموسيقى العسكرية الإسلامية المملوكية تظهر على الساحة، وانطلقت في قوة تدق طبولها وتنفخ في أبواقها وتضرب صنوجها النحاسية.. لقد كانت الجيوش المملوكية تتلقى الأوامر عن طريق هذه الدقات التي لا يعرفها الأعداء.. فكانت هناك ضربات معينة للميمنة وضربات معينة للميسرة وضربات معينة للقلب، وكانت هناك ضربات للتقدم وضربات للانسحاب، وكانت هناك ضربات خاصة لكل خطة عسكرية، وبذلك يستطيع القائد قطز رحمه الله أن يقود المعركة عن بعد، وعلى مساحة شاسعة من الأرض من خلال دقات هذه الآلات الضخمة.. هذا فوق الرهبة التي كانت تقع في قلوب الأعداء من جراء سماع هذه الأصوات المزلزلة، بينما كانت هذه الدقات تثبت المسلمين، وتشعرهم بمعية القائد لهم في كل تحرك من تحركاتهم..

ووقف الأمير ركن الدين بيبرس بقواته على المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، بينما ترك السهل بكامله خالياً من خلفه، واقتربت جداً ساعة الصفر..


[1] البخاري: الصحيح، رقم (328، 427، 2815).

[2] أحمد: المسند (22190). قال شعيب الأرناءوط: صحيح لغيره وهذا إسناد حسن.

Users Comments