طباعة

الفريق بكر صدقي قائد اول انقلاب عسكري في الشرق الاوسط
زهير المعروف
الأربعاء 06-11-2013

 يعد الانقلاب العسكري الذي قام به الفريق الركن بكر صدقي في التاسع والعشرين من تشرين الاول عام 1936 حدثا تاريخيا مهما في الشرق الاوسط فوجئ به الساسة والرؤساء والملوك في الوطن العربي والعالم وقد قوبل الانقلاب بتأييد جماهيري في عموم ارجاء العراق فقامت الجماهير الوطنية العراقية بالمظاهرات في بغداد والبصرة والناصرية وواسط وكافة مناطق كوردستان تاييدا للانقلاب وتم ارسال الوفود الى بغداد لتقديم التهاني والتبريكات للوزارة الجديدة واستبشر الكورد خيرا لتحقيق امالهم وطموحاتهم لنيل مطالبهم القومية المشروعة كون قائد الانقلاب كورديا وعلقوا آمالا كبيرة عليه .
 الا ان هناك من يعتقد بان الملك غازي كان على علم بموضوع الانقلاب وقد تواطأ مع بكر صدقي لتدبير هذا الانقلاب لان الملك كان مستاءً ومنزعجا بشكل شديد من حكومة ياسين الهاشمي التي تمادت باجراءاتها ضده وضد الاسرة المالكة بصورة عامة مثل ابعاد عدد من موظفي البلاط الملكي وطرد بعض مرافقي الملك غازي ووضع رقابة شديدة على الخزانة الملكية واصدار مرسوم الاسرة المالكة رقم 75 لسنة 1936 الذي نص على تاليف مجلس خاص يتكون من رئيس الوزراء ورئيس مجلس الاعيان والنواب ورئيس الديوان الملكي ووزيري الدفاع والداخلية والعدلية للنظر في قضايا زواج الاميرات والامراء وكذلك الامور الانضباطية والتأديبية الخاصة بالعائلة المالكة - ويذكر مرافق الملك غازي اللواء المتقاعد فؤاد عارف وهو كوردي الاصل ان الملك غازي اراد التخلص من هيمنة ياسين الهاشمي والتخلص منه فوطد علاقته بالفريق بكر صدقي وضباط اخرين الذين ساندوا بكر صدقي بالانقلاب .
فبكر صدقي المولود في قرية عسكر التابعة لمدينة كركوك درس في المدرسة الحربية في الاستانة في( اسطنبول ) وتخرج برتبة ضابط في الجيش العثماني شارك في الحرب العالمية الاولى وبعد سقوط الدولة العثمانية وتأسيس  الجيش العراقي في السادس من كانون الثاني عام 1920 انضم الى الجيش العراقي وتدرج في الرتبة حتى وصل رتبة فريق ركن في عهد الملك غازي وكانت له علاقة وطيدة مع وزير الداخلية التركماني حكمت سليمان وفي اواخر عهد ياسين الهاشمي شغل منصب قائد الفرقة الثانية فتمكن من اقناع قائد الفرقة الاولى عبد اللطيف نوري وقائد القوة الجوية محمد علي جواد الطيار الخاص للملك بالانضمام الى فكرة الانقلاب للاطاحة بحكومة الهاشمي وبتكتم شديد مما منع الاستخبارات العسكرية من كشف الحركة قبل وقوعها في اثناء المناورات العسكرية التي كانت تجري في منطقة جبل حمرين بين خانقين وبغداد ففي 29 تموز 1936 سافر رئيس اركان الجيش  الفريق طه الهاشمي شقيق رئيس الوزراء بمهمة الى خارج العراق واناب عنه الفريق عبد اللطيف نوري مما سهل للانقلابيين مهمة الانقلاب فجرى الاتفاق على نقل الفرقة الثانية من ( قرة تبة ) الى جلولاء ( قرة غان ) ليلة 25/26 تشرين الاول على ان يجري تسلل وحدات الفرقة الى بعقوبة ، وفي ليلة الخميس 26 تشرين الاول زحفت قوات الجيش الى بعقوبة وقطعت خطوط الاتصال الى بغداد واستولت على دوائر البريد والهاتف وعدد من المواقع الاستراتيجية ثم زحفت نحو بغداد في الساعة السابعة والنصف صباحا بقيادة الفريق بكر صدقي وفي الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم حلقت في سماء بغداد طائرات حربية بقيادة العقيد الطيار محمد علي جواد والقت الاف المنشورات تضمنت البيان الاول للانقلاب كما شغل حكمت سليمان سيارته وتوجه نحو قصر الزهور حاملا مذكرة موقعة من قبل الفريقين بكر صدقي وعبد اللطيف نوري والتي حددا فيها مهلة امدها ثلاث ساعات للملك غازي لاقالة وزارة ياسين الهاشمي الذي سلمها الى رستم حيدر رئيس الديوان الملكي وقد حاول وزير الدفاع جعفر العسكري ايقاف زحف قوات الانقلابيين نحو بغداد فاتصل بقائد الانقلاب بكر صدقي بانه يحمل رسالة من الملك غازي ووزير الخارجية الفريق الاول نوري سعيد باشا الا ان بكر صدقي والانقلابيين جردوا جعفر العسكري من سلاحه فتقدم العديد من الضباط وقتلوه بوابل من الرصاص فلقى مصرعه في الحال اما نوري السعيد عندما علم بالخبر لجأ الى السفارة البريطانية فتم تهريبه الى الخارج - ثم قام الملك غازي بتوجيه خطاب التكليف الى حكمت سليمان في 29 تشرين الاول بتشكيل وزارة جديدة برئاسته اما قائد الانقلاب بكر صدقي   فتولى منصب رئيس اركان الجيش بدلا من طه الهاشمي الذي احيل على التقاعد اما ياسين الهاشمي ونوري السعيد ورشيد عالي الكيلاني فقد غادروا العراق .
وتم اجراء انتخابات في العشرين من شباط عام 1937 واهتم بكر صدقي اهتماما بالغا بتشكيل جيش قوي وتنظيمه ، وكانت له علاقة وطيدة مع السفير الالماني في العراق ( فرتزجروبا ) الذي صرح ان بكر صدقي يخطط لانشاء دولة كوردستان الكبرى تضم كوردستان العراق وتركيا وايران كي تكون دولة قوية قادرة على صيانة استقلالها من الاعتداءات من قبل دول الجوار وحكومة بغداد بدفع من الانكليز اذا اراد احتلالها ، كما طلب من فرتزجروبا بأن يستخدم ضابطا المانيا من ضباط الاركان ليعهد اليه مهمة وضع خطة للدفاع عن كوردستان في حالة احتلال الانكليز بغداد ، وعلى اثر ذلك تم استخدام الكولونيل ( هاينز ) وهو ضابط كبير متقاعد منتحلا صفة جيولوجي فوضع خطة سرية للدفاع عن الحدود الشمالية الشرقية وعن بغداد ازاء هجوم الانكليز بعد ان استطلع وكشف الحدود من راوندوز الى خانقين كما سافر الى ايران للاطلاع على الحدود وتحدث مع شيوخها في موضوع الدفاع عن كوردستان وحدود المواقع  الاستراتيجية العسكرية كمواقع المدفعية والرشاشات وكيفية بناء الاستحكامات واماكنها وابدى مقترحاته بشأن الطرق الاستراتيجية والاستعدادات اللازمة لتسليح الجيش وتموينه وجمع كافة المعلومات في تقرير بالالمانية ومترجم للانكليزية فاعطى نسخة منه لبكر صدقي والاخرى لفرتزجروبا . وقد احتفظ به بكر صدقي في حقيبته الخاصة ويقول طه الهاشمي بان شاكر الوادي قد وضع يده على هذه الخطة بعد مقتل بكر صدقي وقام بتسليمها للانكليز ان بكر صدقي بالرغم من خطته لاقامة دولة كوردستان الكبرى لم يكن ابدا معاديا للقومية العربية بل كان متعاطفا جدا معهم ويأمل ان يكسبهم الى صفه يوما ما فكان يعاملهم بالحسنى على الدوام وقد حاول مرارا الاتصال بتنظيم الضباط القوميين العرب في الجيش امثال صلاح الدين الصباغ وكامل شبيب وفهمي سعيد ومحمود سلمان ، وغيرهم لكنهم لم يستجيبوا لنداءاته اذ كانوا ينقمون عليه ويتهمونه بالعنصرية وانه كان يسعى في القضايا القومية الكوردية ويحتضن العناصر الكوردية .
وفي اواخر عهده تم التوقيع على ميثاق سعد اباد في طهران في الثامن من تموز عام 1937 بين الدول الاسلامية الاربع وهي تركيا والعراق وايران وافغانستان ونصت هذه المعاهدة :
المحافظة على روابط الصداقة وحسن التفاهم والتعاون بينهم في تامين السلم والامن علما ان ثلاثا من هذه الدول يسكنها الكورد ولها حدود مشتركة واغلبهم ثائرون يناضلون من اجل استرداد حقوقهم القومية والوطنية . وهم الذين عنتهم المادة السابعة من الميثاق بالعصابات المسلحة في منطقة الحدود فكان الميثاق ضربة موجه لحركات التحرر الكوردية فتم فعلا التعاون الوثيق بين هذه الدول لمواجهة التحركات الكوردية المسلحة في منطقة الحدود فاصبحت كل دولة تحارب وتمنع تسلل الكورد الثائرين الى بلادها وتمنع عنهم المساعدات . كما ان الانكليز استاءوا كثيرا من بكر صدقي كونه يميل الى الالمان ويمقت الانكليز فتم تدبير مؤامرة على تصفيته جسديا والتخلص منه نهائيا . وذلك يوم ان قرر بكر صدقي السفر الى تركيا لحضور المناورات العسكرية التركية في الحادي عشر من اب 1937 فغادر بغداد برفقة العقيد محمد علي جواد قائد القوة الجوية ووصل الموصل ونزل في دار الضيافة فوجد المتآمرون فرصتهم للتخلص منه فعندما انتقل الى حديقة مطعم المطار فبينما كان يتجاذب الحديث مع العقيد محمد علي جواد والمقدم الطيار موسى علي تقدم نائب العريف عبد الله التلعفري ليقدم لهم المرطبات وكان يخبئ مسدسا تحت ملابسه ولما وصل قرب بكر صدقي اخرج مسدسه واطلق النار عليه فارداه قتيلا ثم قتل العقيد الطيار محمد علي جواد فتم القاء القبض عليه واشبع ضربا وبعد التحقيق معه اعترف بان الذي علمه هو الضابط محمود هندي الذي اختفى بعد الحادث وقيل ان العقيد فهمي سعيد كان لولب الحركة والعقل المدبر لعملية الاغتيال كما اشترك بعض الضباط الكورد في مقتله امثال عبد العزيز يا ملكي معاون قائد الكتيبة الثالثة فرسان في الموصل والرائد محمد خورشيد الدلوي - وسرت شائعة مفادها ان ضابط الاستخبارات البريطانية في الموصل هو الذي دبر عملية الاغتيال - وفي صباح اليوم الثاني من الاغتيال المصادف يوم الخميس الثاني عشر من ايلول عام 1937 نقل جثمانه الى بغداد وتم تشييعه تشييعا رسميا مهيبا سار في مقدمته الوزراء وكبار الضباط والاعيان والنواب والسفراء وحشد كبير من المواطنين - وهكذا انطوت صفحة انقلاب بكر صدقي والتي دامت اقل من عشرة اشهر وتوالى بعده رئاسة الوزراء جميل المدفعي وتم تشكيل الوزارة على اثر سقوط وزارة حكمت سليمان وظل قائد الانقلاب بكر صدقي الذي لم يتسلم اية سلطة رئاسية سوى موقعه العسكري لغزا محيرا غامضا لدى الساسة والمؤرخين والباحثين بسبب كتمانه الشديد على اهدافه السياسية والاستراتيجية الرامية الى تشكيل دولة كوردستان الكبرى الحلم الذي لم يتحقق .
وانقسم المحللون السياسيون بشأن شخصيته بين مادح وقادح فمنهم من قال بانه من ابعد الضباط الكورد عن الحركة الكوردية ولم يكن له اية علاقة بالمنظمات والجمعيات السياسية الكوردية السرية والشخصيات القيادية الثورية النضالية كما ان الثورة البارزانية الاولى وثورة الشيخ محمود الحفيد اندلعتا في عهده وتوقيعه على ميثاق سعد اباد الذي فوض حركة الثوار والمناضلين الكورد وانه لم يعاد القوميين العرب او تصفية عناصرهم الناشطين في الجيش .
ومنهم من يرى عكس ذلك لان جميع المصادر العربية والاجنبية تؤكد ان مقتل بكر صدقي كان بسبب نزعته الانفصالية الكوردية اذ كان من اشد المدافعين عن الكورد والقضية الكوردية العادلة فهو الذي رفض قمع ثورات الشمال بالقوة عام 1935 عندما امره رئيس الوزراء علي جودت بذلك مما اضطر الى الاستقالة واما مقتله باشتراك ضابطين كورديين فان كلا الضابطين كانا منتميين الى جمعية النجوم النارية والتي قوامها من الضباط العرب وبصدد توقيع معاهدة سعد اباد فكانت بنود هذه المعاهدة لم تقتصر على القضية الكوردية فقط وان هذا الميثاق بين تركيا وايران وافغانستان كان سيتم سواء دخل العراق لهذا الحلف ام لم يدخل وهناك الكثير من الشواهد والدلائل تؤكد ان بكر صدقي كان جادا في هدفه الاسمى بتاسيس دولة كوردستان الكبرى لانه لدى مصرعه وجدت في حقيبته الخاصة خارطة كوردستان الكبرى - فبموته ماتت جميع اسراره معه لتكتمه الشديد عليها ولم يبح باسراره لاحد ما عدا السفير الالماني ( فرتز جروبا ) . لذلك لم يستطع الباحثون والمحللون السياسيون تحليل شخصيته ومعرفة اهدافه ومخططاته واستراتيجيته بشكل علمي دقيق .
ــــــــــــــــ
1- المصادر / د . بدر خان السندي - بحث كامل عن بكر صدقي منشور في مجلة الثقافة العربية 1988 .
2- د. كمال مظهر احمد / صفحات من تاريخ العراق الحديث 1987 .
3- د. حامد محمود عيسى / 2004 / القضية الكوردية في العراق ( 1914-2004 ) .
4- محسن محمد المتولي / 2001 / كورد العراق ( 1914-1958 ) .
5- نجدة فتحي صفوت ( العراق في مذكرات الدبلوماسيين ) .
6- محمد الدرة ( الحرب العراقية البريطانية ) .
7- مذكرات طه الهاشمي .

 


رابط الخبر : viewart.php?art=38453


طباعة