غير اللغة | Change the language

التعذيب في مصر.. سياسة دولة

من أهم اصدارات المركز، يؤكد بالدلائل والشهادات على ان التعذيب في مصر في ظل قانون الطوارئ وتواطؤ النيابة العامة وعجز القوانين أصبح سياسة الدولة.

سنة الإصدار: 2007

تحميل PDF

هناك مؤشرات عديدة تثبت أن التعذيب هو السياسة الرسمية للدولة، وليس فقط مسئولية ضابط هنا أو ضابط هناك. من هذه المؤشرات استخدام نفس طرق التعذيب في كافة أماكن الاحتجاز من الضرب إلى الجلد إلى الحرق بالسجائر المشتعلة إلى التهديد بهتك العرض أو القيام به وتغمية العيون والتعرية الكاملة طوال أيام التعذيب، فضلا عن الضرب والصفع والركل في كل أنحاء الجسم والصعق الكهربائي سواء في وضع "الاستاكوزا" حيث توصل الكهرباء في أطراف أصابع القدمين والرأس، أو وضع "أبو غريب" حيث توصل الكهرباء في الأعضاء التناسلية وحلمتي الصدر، إضافة إلى التعليق من الذراعين والقدمين على ماسورة حديدية في وضع يسمى "الشواية"..

لن نتطرق في هذا الإصدار لتفاصيل أساليب التعذيب التي تمارس في مصر ولا لآثارها الجسدية والنفسية، حيث يمكن الرجوع في ذلك إلى إصدارنا السابق " التعذيب في مصر، حقائق وشهادات".

كما لن نتطرق لإشكاليات التقاضي في قضايا التعذيب إلا فيما يختص بالنيابة العامة، والتي خصصنا لها كتيبا خاصا بعنوان "النيابة العامة بين سلطتي الاتهام والتحقيق" سوف يصدر قريبا. لكننا سوف نتطرق إلى حصاد أربع سنوات من عمر هذا النظام.. 2003 - 2006.. أعلن فيها النظام المصري بدء مسيرة الإصلاح السياسي من أجل مزيد من الديموقراطية؟!

لقد استبدل القانون والدستور في مصر، كمرجعية للحكم بين الأفراد، بسياسة بربرية تقوم علي التعذيب والعنف والبلطجة.. وسخرت إمكانيات الدولة للتغطية علي جرائم القتل تحت التعذيب، مما يمثل دليلا إضافيا علي تورط السلطات العامة في تلك السياسات. فليس مصادفة أن يتم دفن هؤلاء الضحايا تحت حراسة أمنية مشددة تصل أحيانا لأكثر من ست سيارات أمن مركزي.

وفي القوانين المصرية دليل آخر علي سياسة الدولة ومنهجية التعذيب. فقانون الطوارئ مستمر منذ عام 1967، لم يرفع خلال هذه المدة إلا ما بين مايو 1980 وأكتوبر 1981، وبجانب قانون الطوارئ ترسانة أخري من القوانين المقيدة للحريات العامة والخاصة منها: قانون المدعي الاشتراكي، وقانون الاشتباه وقانون الإرهاب. وإذا أضفنا وضعية النيابة في مصر، وعلاقة النائب العام بالسلطة التنفيذية، وإشكاليات استقلال القضاء لأدركنا أي حصار يعيشه ضحية التعذيب وأي حماية يتمتع بها الجلادون.

كما يمتلك رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة في الدستور المصري تجعله علي رأس السلطة القضائية والتنفيذية. فهو رئيس المجلس الأعلى للشرطة، ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذي يفرض حالة الطوارئ بكل سلطاتها، وهو الذي يعين النائب العام - أعلي سلطة في النيابة -، وهو الذي يأمر بتشكيل المحاكم العسكرية للمدنيين. ومن سلطاته أيضا التقدم بمشاريع قوانين للسلطة التشريعية، التي يمتلك حزبه الحاكم الغالبية فيها، وسط شبهات قوية عن لا شرعية الكثير من هؤلاء النواب كما تشير الطعون العديدة المقدمة بشأن تزوير الانتخابات. كذلك، من الصعب محاكمة رئيس الجمهورية وفقا للقوانين المصرية، حيث لا يوجد نص في الدستور أو القانون لمحاكمة رئيس الجمهورية إلا في حالة الخيانة العظمى.. ومع ذلك فإن الصلاحيات التي يتمتع بها رئيس الجمهورية هي نفسها التي تجعله مسئولا عن سياسات التعذيب المنهجي، والتي من الممكن أن يحاكم علي أساسها وفقا للقانون الدولي كجرائم ضد الإنسانية.

عندما يصبح التعذيب سياسة منهجية للحكم تصبح شرعية الحكم نفسه محل تساؤل، فشرعية الحكم تقوم علي أساس احترام العقد الاجتماعي الممثل في الدستور والقانون وما يتممهما من مواثيق دولية ملزمة للدول المصدقة عليها.

في هذا الباب سوف نضع بين يدي القارئ شهادات بعض من حالات التعذيب في مقار أمن الدولة، وأقسام الشرطة، مع إشارات سريعة لعجز الضحايا عن رد اعتبارهم عن طريق التقاضي بسبب تواطؤ النيابة العامة أو عجز القوانين المحلية.