logo www.alahmad.com
22-10-1436

أبوعبيدة بن الجراح

د. ناصر بن محمد الأحمد

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح". رواه البخاري. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "عليكم بالهين اللين الذي إذا ظُلم لم يَظْلِم، وإذا أُسيء إليه غفر، وإذا قُطِعَ وَصَل، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين: عامر بن الجراح".

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "غيّرتنا الدنيا كلنا، غيرك يا أبا عبيدة". وقال: "إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حيّ استخلفته".

هو أبو عبيدة، عامر بن عبد الله بن الجرّاح القرشي الفهري المكي، أحد السابقين الأولين، اشتهر بكنيته والنسبة إلى جده، فيقال: أبو عبيدة بن الجراح. ويجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم عند فهر بن مالك. شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وسمَّاه أمين الأمة، ومناقبه شهيرة جمَّة.

كان وَضِيءَ الوجْهِ، بَهِيَّ الطَّلْعةِ، نَحِيلَ الجِسْـمِ، معروق الوجه، خفيف اللحية، طَويل اَلْقَامَةِ، أثرم الثنيتين، يخضّب بالحناء والكتم، وكان له عقيصتان. تَرْتاحُ العينُ لمرآه، وَتَأنَسُ النَّفْسُ لِلُقْيَاهُ، ويطمئِنُّ إِليه الفؤادُ. وكان إِلى ذلك رقيقَ الحاشِيَةِ، جَمَّ التَّوَاضُع، شديدَ الحياءِ، لكنَّه كان إِذا حَزَبَ الأمْرُ وَجَدَّ الجِدُّ يَغْدُو كَأنهُ الَّليْثُ عادِياً.

إذا رجعنا إلى تاريخ الجاهليين من عرب وعجم، فإننا لا نجد فيه إلا ترجمة قائد، أو ملك، أو شاعر، أو فيلسوف. فأين تراجم الذين أعانوا الملِك في بناء مُلكه؟ وأين الجنود الذين خاضوا المعارك ودافعوا عن حياض القبيلة أو السلطان؟ وأين الذين حفظوا قصائد الشاعر وتغنّوا بها؟ وأين تلامذة الفيلسوف الذين تأثروا بفكره؟ لا نجد أحداً من هؤلاء الأتباع والأصحاب. فإذا دخلنا إلى ديار الإسلام لنسأل عمن أسسوا البناء ورفعوا قواعده، فإننا نجد آلافاً من التراجم للرجال والنساء، قد ذُكر لكل واحد جهده في إقامة الدولة الإسلامية، وحُفظ لكل من أسهم حظه من الذكر. إنه لم يُحْصَ في تاريخ البشرية أصحاب نبيّ أو زعيم، كما أحصي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. هؤلاء الصحابة الذين كتب الله لهم شرف الصحبة، وخلود الذكر الحسن، بما عملوا في سبيل الدعوة وبما فقهوا، منهم من قضى نحبه في العهد النبوي، ومنهم من بقي ينتظر، وما بدلوا تبديلا. وأبو عبيدة عامر بن الجراح من هؤلاء الرجال الذين أجبروا التاريخ على تدوين وجودهم، وإذاعة مناقبهم، وكانت ولادة هذا الوجود في الإسلام وبالإسلام.

لقد عاش أبو عبيدة ما يقرب من نصف عمره في الجاهلية، فلم نجد في مدونات التاريخ ما يدل على حياته ووجوده، فلما أسلم بزغ نجمه وذاع اسمه، وعلا صيته، ووجدنا التاريخ يسعى وراءه ويتتبع خطواته. ولم تذكر المصادر التاريخية شيئاً عن نشاط أبي عبيدة في الجاهلية، فبدأ تأريخ حياته يوم إسلامه. ونقل ابن هشام وغيره أنه أسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ابن أبي الأرقم. وهذا يعني أن أبا عبيدة رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة حوالي عشرة أعوام، ثم هاجر إلى المدينة، وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنوات، لم يكن يشغله عن حضور مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خروجه في سرية يغيب فيها عن المدينة أسبوعاً أو شهراً. وهذا يدل على أنه استوعب السنة القولية والعملية، وعد ممن جمعوا القرآن وحفظوه. ويشهد لسعة علمه بالسنة والكتاب، أنه لما جاء وفد نجران من اليمن مسلمين، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والإسلام، قال لهم رسول الله: "لأبعثنّ معكم رجلا أميناً، حق أمين، حق أمين، حق أمين"! وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنّى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما أحببت الإمارة قط، حبّي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلّم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. فذهب بها أبا عبيدة!. إن هذه الواقعة لا تعني أن أبا عبيدة كان وحده دون بقية الأصحاب موضع ثقة الرسول وتقديره، إنما تعني أنه كان واحداً من الذين ظفروا بهذه الثقة الغالية، وهذا التقدير الكريم.

وقد عاش أبو عبيدة في الإسلام مدتين: مدة الصحبة في الحياة النبوية، ومدة ما بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، أيام الخلافة الراشدة.

عاش أبو عُبيدةَ تَجْرِبَةَ المسلمين القاسِيَةَ في مكَّةَ مُنْذُ بِدايتها إلى نِهايتها، وعانى مع المسلمين السَّابقين من عُنْفِها وَضَراوَتِها وَآلامِها وأحْزانِها ما لم يُعَانِهِ أتباع دين على ظَهْرِ الأرض، فَثَبَتَ للابْتِلاءِ، وصَدَق اللّه ورسولَه في كل مَوْقِف.

هاجر أبو عبيدة إلى أرض الحبشة فيمن هاجروا إليها من المسلمين، إلا إنه لم يُطِل المُكْث بها، فقد عاد إلى مكة مرة أخرى، ثم هاجر إلى المدينة بعد ذلك، ونزل على كلثوم بن الهدْم الأوسي، وبعد وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دار الهجرة، آخى بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين أبي عبيدة وبين أبي طلحة.

وقد أمضى أبو عبيدة حياته مجاهداً في سبيل الله، ومات في أرض الفتوح، فقد حضر أبو عبيدة عزوة بدر الكبرى، وأبلى مع غيره من المهاجرين والأنصار بلاءً حسناً، وأكثر ما ظهرت قوة العقيدة في لقاء المهاجرين بأهل مكة المشركين، فعامة المهاجرين من قريش، وجلُّ جيش مكة من قريش، وبين هؤلاء وهؤلاء قرابة ونسب ورحم، وربما كان الأب في جيش والابن في جيش آخر، وكان الأخ كافراً وشقيقه مسلماً، والخال مع المشركين وابن الأخت مع المسلمين. والتقى الفريقان في المعركة وقُتل من قُتل من المشركين القرشيين بأيدي المسلمين القرشيين.

وحضر غزوة أحد، وكان من الذين ثبتوا في ميدان المعركة عندما كانت النكسة، وكان من المدافعين عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونزع يوم أحد الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنة رسول الله بثنيّته، فانقلعت ثنيّتاه. عن عائشة قالت: سمعت أبا بكر يقول: لما كان يوم أحد، ورمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه حتى دخلت في وجنتيه حلقتان من المغفر، فأقبلت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيراناً، فإذا أبو عبيدة بن الجراح قد بدرني فقال: أقسِمُ عليك أنْ تَتْرُكَ ذلك لي، فَتَركَه، فَخَشيَ أبو عُبيدَة إنِ اقْتَلَعَهُما بيدِه أنْ يُؤلِمَ رسولَ اللّهِ، فَعَضَّ على أولاهما بِثَنِيَّته عَضاً قَوِياً مُحْكَماً فاسْتَخْرَجَها ووَقَعَتْ ثَنِيّتهُ، ثُمَّ عَضَّ على الأخرى بِثَنِيَّتهِ الثانية فاقتلعها فسقطت ثنيَّته الثانية. قال أبو بكر: "فكان أبو عُبَيْدَةَ من أَّحْسَن النَّاسِ هَتَماً.

وفي غزوة ذات السلاسل، يقول عمرو بن العاص: بعث إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذ عليك ثيابك وسلاحك ثم ائتني، قال: فأتيته وهو يتوضأ، فصعّد فيّ النظر، ثم طأطأ، فقال: إني أريد أن أبعثك على جيشفيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك في المال رغبة صالحة، قال: قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح". بعدها بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمدد بقيادة أبي عبيدة بن الجراح لجيش عمرو في ذات السلاسل، أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس ويتقدم عمرو، فقال له عمرو: إنما قدمتَ عليّ مددًا لي، وليس لك أن تؤمني، وأنا الأمير، وإنما أرسلك النبي صلى الله عليه وسلم إليّ مددًا، فقال المهاجرون كلا، بل أنت أمير أصحابك وهو أمير أصحابه، فقال عمرو: لا، بل أنتم مدد لنا، فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف، وكان حسن الخلق، لين الطبع، قال: لِتطمئنّ يا عمرو، وتَعلمنّ أن آخر ما عهد إلي رسول الله أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا، وأنك والله إن عصيتني لأطيعنّك، فأطاع أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس.

لقد أدرك أبو عبيدة t أن أي اختلاف بين المسلمين في سرية ذات السلاسل يؤدي إلى الفشل، ومن ثم تَغلّب العدو عليهم، ولهذا سارع إلى قطع النـزاع، وانضم جنديًا تحت إمرة عمرو بن العاص امتثالا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تختلفا".

وبعث صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة راكب قِبَل الساحل ليرصدوا عيرًا لقريش، وعندما كانوا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجُمع، فكان قدر مزود تمر، يقوتهم منه كل يوم قليلاً قليلاً، حتى كان أخيرًا نصيب الواحد منهم تمرة واحدة، وقد أدرك الجنود صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون تذمر أو ضجر، بل إنهم ساهموا في خطة قائدهم التقشفية فصاروا يحاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن. يقول جابر t أحد أفراد هذه السرية: "كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل". وقد سأل وهب بن كيسان جابرًا t: ما تغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. وقد اضطر ذلك الجيش إلى أكل ورق الشجر، قال جابر t: وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله، فسمى ذلك الجيش جيش الخبط. وقد أثّر هذا الموقف في قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما أحد جنود هذه السرية الشجاعة وهو رجل من أهل بيت اشتهر بالكرم، فنحر للجيش ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه. فبينما هم كذلك من الجوع والجهد الشديدين إذ زفر البحر زفرة أخرج الله فيها حوتًا ضخمًا، فألقاه على الشاطئ، ويصف لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مقدار ضخامة هذا الحوت العجيب فيقول: وانطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرًا، ونحن ثلاثمائة حتى سمَّنا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ونقتطع منه قطعة اللحم قدر الثور، فلقد أخذ منّا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثم رحّل أعظمَ بعير معنا فمرّ من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما حبسكم؟" قلنا: كنا نتبع عيرات قريش، وذكرنا له من أمر الدابة، فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا" قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.

قصة عجيبة، وكرامة من الله تعالى لجنوده في سبيل الله، نلحظ في هذه القصة: أن المسلمين في هذه السرية بلغ بهم الجوع غايته، فكانت التمرة الواحدة طعام الرجل طوال يوم كامل في سفر ومشقة، ويمرون وهم على تلك الحال من فقد التمر وأكل الخبط على الجهني الذي اشترى منه قيس أو على قومه، فما يخطر بفكرهم أن يغِيروا عليهم لينتزعوا منهم طعامهم، كما كانت الحال في الجاهلية، لأنهم اليوم ينطلقون بدين الله الذي جاء ليحفظ على الناس أموالهم في جملة ما حفظ وهم اليوم يفرقون بين الحلال والحرام الذي تعلموه من منهج رب العالمين. وتدل القصة على جواز أكل ميتة البحر، وفي السنن عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا وموقوفًا: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال".

وقد صوّر أحد الشعراء سرية الخبط بقيادة أبي عبيدة بن الجراح وهم في تلك الحالة فقال:

هم سادة الحرب من شيب وشبانِ ساروا سراعاً فما في القوم من واني

حيدي جُهينة أو بيدي مُذممةً حُمّى القضاء وخفّت أُست خفانِ

سرية الله تَرمي عن يدي بطل عالي اللواء رفيع القدر والشانِ

أبا عبيدة أورِدها مظفرةً موارد النصر تشفي كل حرّان

مالِ الحفيظةِ إن جاشت مراجلها إلا القواضبُ تُسقَى بالدم القاني

خانت قريشٌ وأمسى عهدها كذباً فبادر العير واضرب كل خوّان

لا تبتأس بجراب التمر تحمله أولوا الحمية من صحب وإخوان

أعجوبةٌ مالها في الدهر من مثلٍ لكنّ ربك ذو فضل وإحسان

إن ينفد الزاد أغناكم وزودكم ما ليس ينفد من تقوى وإيمان

حياكم الله من صِيدٍ غطارفةٍ يَلقون في البؤس عيش الناعم الهاني

كلوا من الخبط نعم الخبط من أكل لكل ذي سغبٍ في الله طيّان

هي النفوس بناها الله من شمم نعم البناء وجلّت قدرة الباني

إذا تدفق دين المرء في دمه سرت معانيه في روحٍ وجثمان

ويوم سقيفة بني ساعدة كان لأبي عبيدة دور بارز: عن عائشة قالت: إن رسول الله مات وأبو بكر بالسُّنْح، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله، وليبعثنّه الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله فقبله، فقال: بأبي أنت وأمي، طبتَ حياً وميتاً، والذي نفسي بيده: لا يذيقك الله الموتتين أبداً، ثم خرج فقال: أيها الحالف - يريد عمر بن الخطاب - على رِسْلِك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر. فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون)، وقال تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل). قال: فنشج الناس يبكون. وبينما كان الصحابة مشغولين بالوفاة والتجهيز، جاء إليهم من يخبرهم أن الأنصار اجتمعت إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، يبحثون في أمر الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح. فتكلم أبو بكر وقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال حُباب بن المنذر، لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء. إن قريش أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبُنا إلى رسول الله، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس البيعة الخاصة في السقيفة، ثم بايعه العامة في المسجد. وفي قصة يوم السقيفة شاهدان لهما مدلولان على شخصية أبي عبيدة بن الجراح:

الأولى: ذهاب أبي عبيدة بصحبة أبي بكر وعمر إلى سقيفة بني ساعدة عندما علم بخبر اجتماع الأنصار لتأمير أحدهم.

الثانية: قول أبي بكر بايعوا عمر أو أبا عبيدة. وهذا يدل على أنه كان أهلاً للخلافة، في منـزلة أبي بكر وعمر. مع العلم أن أبا عبيدة لم يكن من علماء قريش، ولكنه حصل على الكفاءة بخدمته الجليلة في الإسلام، وبتفرده وتفوقه في مناقب القيادة، حتى وصفه رسول الله بأنه أمين هذه الأمة. وقد أخرج مسلم عن أبي مليكة قال: سألتُ عائشة: من كان رسول الله مستخلفاً؟ قالت: أبو بكر. قيل: ثم من، قالت: عمر. قيل: ثم من؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح. وروي أن عمر بن الخطاب قال: لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً، لاستخلفته وما استشرت، لأن رسول الله قال: لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.

امتزجت ترجمة أبي عبيدة بتاريخ الشام، فإذا قيل فتح الشام، تبادر إلى الذهن أبو عبيدة، وإذا ذكر أبو عبيدة قفز إلى الذاكرة تاريخ بلاد الشام، ويذكر من مناقبه بعد وصفه بأنه أمين هذه الأمة، أنه فاتح الديار الشامية، وفاتح القدس الشريف.

بعد أن اتخذ أبو بكر القرار بفتح الشام وإرسال الجيوش لمحاربة الروم، أرسل إلى أربعة من الصحابة هم: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان. فجاءوا إليه، فقال لهم: إني باعثكم إلى الشام، ومؤمركم على هذه الجنود، وأنا موجّه مع كل رجل منكم من الرجال ما قدرت عليه، فإذا قدمتم البلد ولقيتم الجنود واجتمعتم على قتالهم، فأميركم أبو عبيدة بن الجراح، وإن لم يلقكم أبو عبيدة، وجمعتكم حرب فأميركم يزيد بن أبي سفيان.

تجهز الأمراء لهذه المهمة، وراح المسلمون يسعون إلى المعسكر فينضمون إليه، العشرة والعشرين والثلاثين، إلى المئة في كل يوم، حتى اجتمع منهم جمع، وكان معسكر الجيش الذي يجتمع فيه الجند قبل الانطلاق إلى الوجهة المقصودة في أرض تسمى "الجُرف" في الطرف الشمالي من المدينة النبوية. وخرج أبو بكر يوماً مع الصحابة حتى جاء معسكر الجيش، فلم يطمئن إلى عددهم، فاتجه رأي أبي بكر أن يرسل إلى أهل اليمن يستنفرهم للانضمام إلى جيوش فتح الشام.

خرج يزيد في جيش يتراوح ما بين ثلاثة آلاف إلى ستة آلاف، وقد سار متجهاً إلى الشام عن طريق تبوك. وخرج شرحبيل بن حسنة في جمع من المجاهدين وسلك الطريق نفسها التي سلكها يزيد. وهذا الذي جعل أبو بكر يقول لشرحبيل: إذا سار يزيد بن أبي سفيان فأقم ثلاثاً، ثم تيسر للمسير. والحكمة في هذا التأخير لأن تقارب الجيوش الحربية يزحم الطريق ويستهلك ما في آبارها من المياه، والفاصل الزمني يسمح للآبار بالإدرار. ومن أسباب التأخير، هو توافد المستنفرين إلى الجهاد، فكان إذا اجتمعت الآلاف، أرسلهم أبو بكر، لأن المدينة لم تكن تحتمل استضافة جيوش كبيرة بمواردها.

ودّع شرحبيل أبا بكر وسار في جيشه إلى الشام، وبقي معظم الجند مع أبي عبيدة بن الجراح بالمعسكر، يؤمهم أبو عبيدة في الصلاة، وينتظرون أمر أبي بكر بالمسير، وكان أبو بكر ينتظر قدوم من استنفر من المسلمين حتى يشحن بهم أرض الشام، وكانت وفود المسلمين تتوافد تباعاً إلى المدينة، أكثرهم من اليمن. وبعد اكتمال العدد والعدة اللازمتين للقاء، ودع أبو بكر أبا عبيدة في السابع من شعبان سنة 12 هـ.

سار أبو عبيدة من المدينة، وبلغت أخبار هذه التحركات إلى هرقل ملك الروم وهو بفلسطين، وقال له أصحابه: قد أتتك العرب وجمعت لك جموعاً عظيمة، وهم يزعمون أن نبيهم الذي بُعث إليهم قد أخبرهم أنهم يظهرون على أهل هذه البلاد، وقد جاءوك وهم لا يشكّون أن هذا سيكون، وجاءوك مع ذلك بنسائهم وأولادهم تصديقاً لمقالة نبيهم، يقولون: لو دخلناها فتحناها ونزلنا بنسائنا وأولادنا. فذلك أشد لشوكتهم إذا قاتل القوم عن تصديق ويقين، وأشد على من يكابدهم أن يزيلهم عن رأيهم أو يصدهم عن أمرهم.

ثم خرج هرقل من فلسطين، واتجه إلى أنطاكية بأقصى بلاد الشام، واتخذها مقراً، وبعث إلى الروم يطلب حشودهم، فجاءته منهم أعداد غفيرة وبلغت أخبار حشود الروم أبا عبيدة، فكتب إلى أبي بكر في منتصف رمضان سنة 12 هـ: فإنه بلغني أن هرقل ملك الروم نزل قرية من قرى الشام تُدعى أنطاكية، وأنه بعث إلى أهل مملكته، فحشرهم إليه، وأنهم نفروا إليه على الصعب والذلول، وقد أحببت أن أعلمك ذلك فترى فيه رأيك. فأجابه أبو بكر: أمّا بعد: فقد بلغني كتابك، فأما منـزل هرقل بأنطاكية فهزيمة له ولأصحابه، وأما حشره لكم أهل مملكته، فإن ذلك ما قد كنّا وكنتم تعلمون أنه سيكون منهم، وما كان قوم ليدعوا ملكهم ويخرجوا بغير قتال. فالقهم بجندك ولا تستوحش فإن الله معك، وأنا مع ذلك ممدك بالرجال حتى تكتفي.

وتتابعت بعد ذلك الإمدادات، كلما اجتمع في المدينة عدد من الجند بعثهم أبو بكر لينضموا إلى واحد من الجيوش التي استقرت في الشام. وكان آخرهم جيش عمرو بن العاص. فصار للمسلمين أربعة جيوش في الشام: جيشُ أبي عبيدة، وجيش يزيد بن أبي سفيان، وجيش شرحبيل بن حسنة، وجيش عمرو بن العاص، وكانت قيادتهم العامة لأبي عبيدة بن الجراح. نزل يزيد بن أبي سفيان البلقاء، ونزل شرحبيل بن حسنة نواحي بُصرى، ونزل أبو عبيدة الجابية. والتقى الفريقان في مكان يسمى الغَمْر، وكتب الله النصر لجيش أبي عبيدة، ولما انهزم الروم تبعهم المسلمون إلى مكان يسمى الدُّبيَّة على بعد عشرة أميال للجنوب الشرقي من مدينة رفح، ومنها هرب الروم إلى داثن، فلحق بهم المسلمون وانتصروا عليهم، وهرب جلُّهم، وبها تحرر جنوب فلسطين.

لقد تم فتح الشام كله على يد أبي عبيدة، وكتب أبو عبيدة عهود الصلح مع القرى والمدن على غير مثال سابق ولا سنة سابقة، فليس في القرآن مما يتصل بأهل الكتاب، إلا أخذ الجزية منهم إذا بقوا على دينهم. فلما فتح المسلمون الشام، اجتهدوا في شروط الصلح، ووضعوا نظاماً عُدّ سنة لما بعده من الفتوح، وعمل به المسلمون في العصور التالية.

روى الحاكم وابن سعد أن عمر بن الخطاب قال لجلسائه يوماً: تمنوا، فتمنوا، فقال عمر: لكني أتمنى بيتاً ممتلئاً رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح.

وعن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: بلغ عمرَ أن أبا عبيدة حُصِرَ بالشام ونال منه العدو فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه ما نزل بعبد مؤمنٍ شدة، إلا جعل الله بعدها فرجاً، وإنه لا يغلبُ عسرٌ يُسرين، (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا)، قال: فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فإن الله يقول: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور). قال: فخرج عمرُ بكتابه فقرأه على المنبر، فقال: يا أهل المدينة، إنما يُعرّض بكم أبو عبيدة أو بي، ارغبوا في الجهاد.

وعندما كان خالد بن الوليد يقود جيوش الإسلام في إحدى المعارك الفاصلة الكبرى واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد، لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاوياً عليه صدرُ زاهد، فطن، أمين. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم، عندها تقدّم إليه أبو عبيدة في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين! ويسأله خالد: يرحمك الله يا أبا عبيدة، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟ فيجيبه أمين الأمة: إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله إخوة!. ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت إمرته أكثر جيوش الإسلام طولاً وعرضاً، عتاداً وعدداً. فما كنت تحسبه حين تراه إلا واحداً من المقاتلين، وفرداً عادياً من المسلمين. وحين ترامى إلى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا، جمعهم وقام فيهم خطيباً، فانظروا ماذا قال للذين رآهم يُفتنون بقوته وعظمته وأمانته. "يا أيها الناس: إني مسلم من قريش، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود، يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه".

ويزور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشام، ويسأل مستقبليه: أين أخي؟ فيقولون من؟ فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح. ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر، ثم يصحبه إلى داره، فلا يجد فيها من الأثاث شيئا، لا يجد إلا سيفه وترسه ورحله. ويسأله عمر وهو يبتسم: "ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس". فيجيبه أبو عبيدة: "يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل".

ولما فشا الطاعون في بلاد الشام وبلغ ذلك عمر، كتب إلى أبي عبيده ليستخرجه منه: سلام عليك، أما بعد: إِنِّي بَدَتْ لي إليك حاجَةٌ لا غِنى لي عَنْكَ فيها، فإن أتاكَ كتابي ليلاً فَإِنِّي أعْزِم عليك ألا تُصبِحَ حتى تركبَ إليَّ، وإن أتاك نهاراً فإنِّي أعْزِمُ عليك ألا تُمسي حَتَّى تَرْكَبَ إِليَّ. فلما أخَذَ أبو عُبيدَة كتابَ الفاروق قال: قد عَلِمْتُ حَاجَةَ أميرِ المؤمنين إِليَّ، فهو يريدُ أن يَسْتَبْقِىَ مَنْ ليْس بِباقٍ، ثم كَتَبَ إليه يقول: يا أمير المؤمنين! إني قد عرفتُ حاجتك إليّ وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيّ وفيهم أمره وقضاءه، فإذا أتاك كتاني هذا فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين، وائذن لي بالبقاء ودعني في جندي. فلما قرأ عمر الكتاب بكى حتى فاضت عيناه، فقال له مَنْ عِنْدَهُ لِشِدَّةِ ما رأوْه من بكائِه: أماتَ أبو عُبيدَةَ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال: لا، ولكِنَّ الموتَ منه قريب. ولم يَكْذِبْ ظَنُّ الفاروق، إذْ ما لبثَ أبو عُبيدَة أن أصيبَ بالطَّاعون.

عن عروة قال: إن وجع عمواس كان معافى منه أبو عبيدة وأهله، فقال: اللهم نصيبك في آل أبي عبيدة! فخرجت منه بثرة، فجعل ينظر إليها، فقيل: إنها ليست بشيء، فقال: إني لأرجوا أن يبارك الله فيها. وقد قام قبل أن يصاب في الناس خطيباً فقال: أيها الناس! إن هذا الوجع رحمة ربكم، ودعوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيده يسأل الله أن يقسم له منه حظاً.

ولما طُعن دعا المسلمين فدخلوا عليه، فقال لهم: إني موصيكم بوصية، فإن قبلتموها لم تزالوا بخير ما بقيتم، وبعدمها تهلكون: "أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا، وتصدقوا، وحجوا واعتمروا، وتواصلوا وتحابوا، واصدقوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن أمرأً لو عُمَّر ألف حول ما كان له بد أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون. إن الله قد كتب الموت على بني آدم، فهم ميتون، فأكيسهم أطوعهم لربه، وأعملهم لمعاده". ثم قال لمعاذ بن جبل: يا معاذ! صل بالناس. فصلى معاذ بهم، ومات أبو عبيدة، فقام معاذ في الناس: "يا أيها الناس! توبوا إلى الله توبة نصوحا، فإن عبداً إن يلق الله تائباً من ذنبه كان حقاً على الله أن يغفر له ذنوبه، وإنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل، والله ما أزعم أني رأيت منكم عبداً من عباد الله أقل غمراً، ولا أبرأ صدراً، ولا أبعد من الغائلة، ولا أنصح للعامة، ولا أشد عليهم تحننا وشفقة منه! فترحموا عليه، ثم احضروا الصلاة عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والله لا يلي عليكم مثله أبدا". فاجتمع الناس، وأُخرج أبو عبيدة، فتقدم معاذ فصلى عليه، حتى إذا أُتي به إلى قبره، دخل قبره معاذ وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس، فلما سَفَوْا عليه التراب، قال معاذ: "رحمك الله أبا عبيده! فوالله لأثنينّ عليك بما علمت! والله لا أقولها باطلا، وأخاف أن يلحقني من الله مقت! كنتَ والله ما علمت من الذاكرين الله كثيراً، ومن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، ومن الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفو ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً.

وكتب معاذ إلى عمر رضي الله عنهما بوفاة أبي عبيدة، فجاء في الرسالة: "أما بعد، فاحتسب أمرأً كان لله أميناً، وكان الله في نفسه عظيماً، وكان علينا وعليك يا أمير المؤمنين عزيزاً، أبا عبيدة بن الجراح، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإنا لله و إنا إليه راجعون، وعند الله نحتسب، وبالله نثق له. كتبت إليك وقد فشا الموت وهذا الوباء في الناس، ولن يخطأ أحداً أجله، ومن لم يمت فسيموت، جعل الله ما عنده خيراً له من الدنيا، وإن أبقانا أو أهلكنا، فجزاك الله عن جماعة المسلمين وعن خاصتنا وعامتنا رحمته ومغفرته ورضوانه وجنته والسلام عليك ورحمة الله وبركاته". فلما وصل الكتاب إلى عمر، فقرأه بكى بكاءً شديداً، ونعى أبا عبيده إلى جلسائه، فبكى القوم وحزنوا حزناً شديداً مع التسليم بالقضاء والقدر. توفى أبو عبيدة سنة ثمان عشرة، وله ثمان وخمسون سنة. ومات أمين الأمة فوق الأرض التي طهرها من وثنية الفرس، واضطهاد الرومان.

والحمد لله أولاً وآخراً ...