موقع يوســف زيدان للتراث والمخطوطات

 
 

- كِتَابٌ فى الفِقْهِ

فِهرسُ مَخْطُوطَاتِ البُحَـيْرَةِ

(دمنهور ، رشيد)

 يقع إقليم البُحَيْرَةِ فى شمال مصر، فيتاخم الإسكندرية من جهتىْ الشرق والجنوب ، ويحدُّه البحر المتوسط من الجهة الشمالية .. وفى أرض هذا الإقليم ، يجرى فرعُ النيل المسمَّى فرع رشيد وكان اسمه قديماً الفرع الكانوبى حتى يصب فى البحر .

 وتعرف هذه المنطقة اليوم ، بمحافظة البحيرة . وفى سبب التسمية أقوالٌ ، فالقلقشندى فى صُبْحِ الأعشى يقرر أنها سُميت بالبحيرة لأنها تنتهى عند خليج أبى قير - من خلجان ساحل البحر المتوسط- ولذا تُنسب إليه  القلقشندى : صبح الأعشى فى صناعة الإنشا، المجلد الثالث ، ص 239. .. ولو صحَّ ذلك ، لكانت محافظة البحر لا البحيرة ! ويشير محمود زيتون إلى أن البُحَيْرَةَ فى اللغة ، تصغير بَحْرَة وهى البقعة الفسيحة من الأرض المنخفضة  محمد زيتون : إقليم البحيرة (دار المعارف بمصر) ص 29. .. ومع أن هذه الأرض منخفضةٌ بالفعل، إلا أن التسمية لاتصح من هذا الوجه، لأن المنطقة شاسعة المساحة، ولامعنى لتصغير الكلمة لكى تنطبق عليها !

  والراجح عندنا ، أن هذا الإقليم - أو المحافظة- سُمَّى بالبحيرة منذ القدم، نظراً لكثرة بحيراته واتصالها فى زمن الفيضان، ففى هذه المنطقة خمسُ بحيرات واسعة . وكانت أرضها قديماً - وأرض دلتا النيل عموماً - منطقة أحراش ومستنقعات ، أخذت تجفُّ شيئاً فشيئاً ، حتى ظهرت الأرض، وتحدَّدَ مجرى فرع النيل ، وبقيت بحيرات إدكو ، والمعدية ، ومريوط ، وأبى قير .. ومن هنا، سميت المنطقة بأسرها البُحَيْرَةُ لكثرة بحيراتها .

 وتاريخ البحيرة موغل فى القدم ، يعود إلى سنة 4400 قبل الميلاد، وهى السنة التى غزا فيها الملك نارمر قُراها ومُدنها لتحقيق مشروعه الطموح بتوحيد مصر ، جنوبها وشمالها . ومنذ ذلك التاريخ ، توالت أخبار البحيرة فى كتابات المؤرِّخين والرحَّالة اليونانيين والرومان ، أمثال هيرودوت وديودور الصقلى واسترابون .. وغيرهم .

 وكانت البحيرة فى العصر الإسلامى ، طريق العرب لفتح الإسكندرية .. وفى إحدى مدنها -كانت تُسمَّى : الكريون -كان قتالُ المسلمين الفاتحين لجيش الروم . وعن تلك الأحداث يقول البلاذرى :

  لما افتتح عمرو بن العاص مصر، أقام بها ، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب يستأمره فى الزحف إلى الإسكندرية ، فكتب إليه يأمره بذلك، فسار إليها فى سنة إحدى وعشرين (هجرية) واستخلف على مصر خارجة بن حذاقة .. وكان من دون الإسكندرية ، من الروم والقبط قد تجمَّعوا له، وقالوا : نغزوه بالفسطاط قبل أن يبلغنا ويروم الإسكندرية ! فلقيهم بالكريون ، فهزمهم، وقتل منهم مقتلةً عظيمة .. ثم سار عمرو ، حتى انتهى إلى الإسكندرية  البلاذرى : فتوح البلدان ، نشرة رضوان محمد رضوان (دار الكتب العلمية ، بيروت - بدون تاريخ ) ص 221 ، 222. .

 واعتُبرت البحيرة : من نواحى الإسكندرية ! بل عُرفت فى الكتابات العربية باسم بُحَيْرَةِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ وبهذا الاسم أوردها صاحب معجم البلدان فقال ما نصَّه : بحيرة الإسكندرية ؛ هذه ليست بحيرة ماء ، إنما هى كورة معروفة من نواحى الإسكندرية بمصر ، تشتمل على قُرى كثيرة ودخل واسع  ياقوت الحموى : معجم البلدان (دار صادر ، بيروت - مصورة عن طبعة ليبزج التى نشرها وستنفيلد ) 1/ 351. .

 وهكذا استمر تاريخ البحيرة ، بغير انقطاع ، طيلة سبعة آلاف سنة، وكان عصرها الإسلامى مزدهراً .. عامراً .. متواصلاً ! وكان من الطبيعى، مع هذا العراقة والتاريخ الممتد ، أن تحفل المنطقة بالآثار الباقية عن القرون الخالية، وأن تحتشد بها آلاف المخطوطات - التى هى دفتر الحضارة - غير أن الواقع يخالف هذا. فليس بالبحيرة ، بعد كل هذا التاريخ ، غير ثلاث مجموعات خطية .. اثنتان منهما قاومتا البلى والاندثار ، ولا زالتا باقيتان - وهما اللتان فهرسناهما هنا - والثالثة الأخرى .. اختفت ! وللأمر تفصيلٌ ، يأتى .

 أولاً : مخطوطات دمنهور

 دمنهور واحدة من أعرق المدن المصرية ، كانت تُعرف أيام مصر القديمة بمدينة هور أو حور وهو المعبود المصرى القديم الذى كان معبود المنطقة  يعرف هذا المعبود المصرى القديم ، اليوم ، باسمه اليونانى : حورس . وهو ابن إيزت (إيزيس) وأوزير (أوزوريس) الذى انتقم من عمه ، قاتل أبيه : سِتْ ! . وقد أُشير إليها فى النقوش المصرية القديمة بأسماء : مدينة النور، مدينة النصر، مدينة البحيرة .. وقد تتبَّع جوتييه أصل التسمية فى النصوص الهيروغيليفية ، فوجدها فى الأصل dmi - n - hor أو مدينة هور. أما اليونانيون فسمُّوها هرموبوليس بارفا أو مدينة هرمس الصغرى مدينة هرمس (الكبرى) توجد بصعيد مصر . ، ثم أطلقوا عليها اسم تِلْ بَلاَمون لكن القبط أعادوا إليها اسمها المصرى القديم ، ونطقوها تمنهور ومنها سميت، منذ دخول العرب ، إلى يومنا هذا : دمنهور محمد زيتون : إقليم البحيرة ، ص 101. .. ولقاطنيها المحدثين تعليلٌ طريف لاسمها، يقولون : شهدت المدينة معارك كثيرة، جرى فيها الدمُ .. نهوراً ؛ فسميت: دم نهور !

وكانت المدينة عامرة ، طيلة الزمن العربى الإسلامى ، باعتبارها حاضرة البحيرة وقصبتها .. وقد زارها جمعٌ كبير من العلماء فى مختلف العصور، أمثال: ابن جُبير ، السِّلَفى ، ياقوت الحموى، المقريزى ، ابن بطوطة ، ابن دقمان، مرتضى الزَّبيدى .. وغيرهم . كما خرج منها ، وانتسب إليها ، جمعٌ من الأعلام  بخصوص ترجماتهم المفصَّلة ، يمكن الرجوع إلى : عمر كحالة : معجم المؤلفين 2/88، 3 / 571، 4/ 104 ،محمد زيتون : إقليم البحيرة ص 463 وما بعدها. .. أمثال : عماد الدين عبد الرحمن الدمنهورى (المتوفى 694 هجرية) تاج الدين يحيى بن عبد الوهاب الدمنهورى (المتوفى 721 هجرية) عبد الرحمن الحلبى الدمنهورى (المتوفى 838 هجرية) محمد بن على الفُخَّارى الدمنهورى (المتوفى 860 هجرية) محمد الشافعى الدمنهورى (المتوفى 1288 هجرية) .. وغيرهم .

 ومن الأعلام الذين خرجوا منها ، وكان لهم أثرهم الكبير فى مطلع التاريخ الحديث : شيخ الأزهر ، أحمد بن عبد المنعم بن يوسف بن صيام الدمنهورى - المتوفى 1192 هجرية  راجع الفصل الذى كتبناه عنه، وعن جهوده العلمية فى كتابنا : التراث المجهول ، إطلالة على عالم المخطوطات (دار الأمين ، القاهرة - الطبعة الثانية 1997) ص 223 وما بعدها - ولايفوتنا هنا ، أن الأستاذ الإمام محمد عبده .. وأحمد أمين .. ومحمود سامى البارودى .. وغيرهم من مشاهير العصر الحديث ، كانوا من تلك النواحى .

ودمنهور ، اليوم هى عاصمة محافظة البحيرة .. وأكبر مدنها، وبها مكتبة المجلس البلدى التى أُطلق عليها مؤخراً اسم توفيق الحكيم إحياءً لذكراه، باعتباره أحد أعلام الأدب المعاصرين ، الذين خرجوا من محافظة البحيرة .

والمكتبة تقع فى قلب المدينة ، ومبناها عتيقٌ أنيق ، يعود تاريخ بنائه إلى أوائل هذا القرن . وبها عددٌ لابأس به من الكتب ، ومجموعة خطية .. غير مفهرسة، ليس لها من وسائل الضبط الببلوجرافى إلا دفتر عهدة ، أو بالأحرى: كراسة صغيرة ! تشتمل على حصر لحوالى 255 مخطوطة.

غير أننا بعد فهرسة المجموعة ، وجدناها تشتمل على 266 مخطوطة، وهى متنوعة الفنون والمعارف، متفاوتة القيمة والقِدَم .

 ثانياً : مخطوطات رشيد

كثيراً ما يخالف الواقعُ  الفعلى ، الأحكامَ النظرية والقواعد المثالية . ومن الأمثلة الفاضحة لذلك ، ما جرى مع مدينة رشيد ! فمن جملة الأحكام النظرية والقواعد المثالية ، أنه : مَنْ جَدَّ وَجَدَ، ومَنْ زَرَعَ حَصَد ومع ذلك ، جَدَّت رشيدُ ولم تجد شيئاً، وزرعت فى أرض التاريخ الحديث بطولةً ومجداً .. ثم حصدت الإهمال والتهميش المتعمَّد .

وقفت مدينة رشيد ببسالة أمام حملة فريزر على مصر ، وفى يوم 31 مارس 1807 دخل الجيش الانجليزى مدينة رشيد ، وغاص فى شوارعها الملتوية ودروبها الضيقة. وفى لحظة مباغتة، خرج عليهم أهلُ رشيد وحاميتها، من نوافذ المنازل وأسطح البنايات ، فبدَّدوا شمل الانجليز و أوسعوهم ضرباً وتقتيلاً .. وانتصرت رشيد .. وانسحب الغازى الغشوم . لكن : عاد الانجليز فنصبوا المدافع على تل أبى مندور  أبو مندور : أحد الأولياء .. بنى زاوية بتلك المنطقة النائية المعروفة اليوم باسمه (إلى جهة الجنوب من رشيد) ولايزال مسجده هناك قائماً يزار . المجاور للمدينة ، وتوالى قصفهم الوابلى على المدينة .. ورحل الإنجليز .. وبعدها ، حَوَّل محمد على طريق التجارة من رشيد إلى الإسكندرية، فسقطت المدينة فى بئرٍ من النسيان ، ظل يعمق مع توالى الحكام والحكومات .. حتى يومنا هذا .

 ومدينة رشيد تقع عند التقاء فرع النيل (المسمى باسمها) بالبحر المتوسط، وهى مدينة صغيرة هادئة بالنسبة لكبريات المدن المصرية .. ولاتزال أرجاؤها تزدان بعمائر وبنايات ومساجد عتيقة ، منها مسجد سيدى علىّ المحلى الواقع فى وسط رشيد ، وحوله يمتد سوق المدينة الرئيسى .

ويرجع تاريخ المسجد إلى سنة 901 هجرية (1495 ميلادية) وهى سنة وفاة الشيخ الصوفى علىّ المحلِّى الذى وفد على رشيد من المحلَّة  هناك رواية أخرى فى تعليل لقب المحلى يرويها محمود زيتون عن أهل رشيد .. يقول: يروون عن الأقدمين ، أن الشيخ كان يبيع الفسيخ، فكانوا يستنكرون عليه البقاء فى مكانه هذا، مع جلالة قدره ! فكان يقول لهم : هذا محلى .. فسُمى المحلى بسبب ذلك (إقليم البحيرة، ص 487) والحكاية ، كما ترى ، ظاهرة الاختلاق ! فأقام حتى وفاته، وأُقيم فوق قبره مسجداً ، ظل يتَّسع حتى اتخذ شكله الفسيح الحالى، ابتداءً من سنة 1134 هجرية (1721 ميلادية) حيث يرتفع سقفه على 99 عموداً رخامياً ، جُلبت -على الأرجح- من الآثار الباقية عن العصرين الرومانى والمسيحى .. وهى آثارٌ تنتشر حول المدينة .

 وإذا كانت رشيد قد احتلت موقعاً ثقافياً خاصاً ، بعد اكتشاف حَجَرها الشهير (حجر رشيد) الذى أُمكن معه حل رموز اللغة الهيروغيليفية القديمة .. فإن مسجد المحلى يحتل هو الآخر موقعاً ثقافياً خاصاً، حيث ظل يقوم بدوره الكبير ، المماثل لدور الأزهر فى القاهرة، طيلة القرون الماضية .. وأهل رشيد شديدو الإعتزاز بهذا المسجد ، الذى استقرت به مجموعة المخطوطات العربية الإسلامية الموجودة بالمدينة ، أو بالأحرى : التى بقيت فى المدينة، بعد قرونٍ قاومت فيها المخطوطات عوامل الفقد والبلى والآفات !

 والمجموعة الخطية ، والكتب المطبوعة ؛ مهداة لمسجد المحلى من أسرة الجارم وهى واحدة من أعرق الأسر المصرية ، اشتغل أفرادها بالعلوم والآداب، ونبغ منهم - واشتهر - كثيرون . منهم : الفقيه إبراهيم الجارم (المتوفى 1265 هجرية) الفقيه أحمد الجارم .. الشاعر عبد الفتاح الجارم .. القاضى محمد صالح الجارم .. القاضى محمد نعمان الجارم .. الشاعر على الجارم .. الزجَّال فتحى الجارم .. وغيرهم .

 ومع أن مجموعة مخطوطات رشيد، المحفوظة بكاملها حالياً بمسجد المحلى، لاتمثل إحدى المجموعات الخطية الكبرى فى مصر ؛ إلا أنها مجموعة لابأس بها من حيث العدد .. فالمسجل منها فى دفتر العهدة هو 96 (كتاب مخطوط) منها ثلاثين مجهولة العنوان والمؤلف . وقد أظهرت فهرستنا ، أن العدد الفعلى للمخطوطات الموجودة ، هو 104 مخطوطة.

وتستمد هذه المجموعة قيمتها، من ندرة بعض محتوياتها ، ومن أهمية مؤلِّفيها، مثل تلك النسخ التى ألَّفها ، أو كتبها ، علماء رشيد الذين عاصروا حملة فريزر ، وكان لهم الفضل الأكبر فى حشد الأهالى لمقاومة الاحتلال، ومن ثم الانتصار على الإنجليز ، وقتل قائد حملتهم (ويكوب) .. ومن هؤلاء العلماء/ الزعماء : الشيخ حسن كريت  هو نقيب الأشراف برشيد ، أصله من جزيرة كريت .. ذكره الجبرتى عند تأريخه لحملة فريزر الفاشلة على رشيد سنة 1807 ميلادية (وهى السنة التى توفى فيها الشيخ) .

 ثالثاً : مخطوطات روضة خيرى

 كتب خير الدين الزركلى فى موسوعته الأعلام عن صاحب الروضة، فقال ما نصه :  أحمد بن خيرى باشا بن يوسف الحسينى، أديبٌ مصرى . ولد ونشأ بالقاهرة، وتعلَّم بها إلى نهاية المرحلة الثانوية . وتوفى والده ، فانتقل إلى روضة خيرى باشا ، فى البحيرة ، لإدارة أملاكه ، وعكف على المطالعة، وحِفْظ القرآن الكريم، وألـمَّ بشئ من الإنجليزية والفرنسية والتركية والإيطالية والسودانية البربرية . وأنشأ فى قريته (روضة خيرى) مكتبةً قُدِّرت بسبعةٍ وعشرين ألف مجلد، بها مجموعة حسنة من المخطوطات ، ووقفها للمطالعين، فاتفق مع وزارة الثقافة بمصر ، على أن تقيم داراً فى مكانها ، وتوفى  سنة 1387 هجرية ( = 1967 ميلادية) ودُفن بروضة خيرى . وكان أريحيا ، معواناً على الخير، له تآليف أكثرها رسائل، وأكبرها (وفيات المشهورين ، مخطوط) فى أربعة دفاتر، سجَّل بها الوفيات من سنة 1366 هجرية (=1947 ميلادية) إلى قرب وفاته. والمطبوع من كتبه : قصيدة الأزهر ، إزالة الشبهات  شرح بيتين لابن عربى فى وحدة الوجود . ، القصائد السبع النبوية، المدائح الحسينية ، فوائد قرآنية .. أما المخطوط من تآليفه ، فمنه : ديوان أحمد خيرى، إكمال معانى الطرب بتذييل جمهرة أشعار العرب، القول المبين فى ذكر من دخل السجن من سُراة المصريين ، الدرارى الدرية فى بعض خطط الإسكندرية، الإفادة الجلية بالمتشابه من أسماء القرى المصرية ، مذكرات خاصة  الزركلى : الأعلام (دار العلم للملايين - بيروت ، الطبعة الثامنة 1989) المجلد الأول ص 122، 123. .

 وضمن أعلام البحيرة ، يذكر محمد زيتون صاحبَ الروضة ، فيقول : خيرى باشا ، ولد سنة 1269 هجرية فى الحفير بالسودان، حيث هاجر أبوه السيد يوسف .. وتوفى يوم 25 صفر سنة 1343 بمصر ودُفن بالقرافة. كان مديراً للبحيرة ، ونال الباشوية بفرمان عثمانى سنة 1314 هجرية ، وبعدها بعامين فُصل من الحكومة ! ثم كان أول مدير للأوقاف المصرية، سنة 1317 هجرية ، ثم ناظراً للخاصة - الملكية - بعد وفاة دى مرتينو باشا، وحجَّ مع الخديوى عباس الثانى سنة 1327 هجرية، وعندما بُنى مسجد الرفاعى بالقاهرة، أصرَّ على زخرفته بالرخام المصرى ، بينما أصرَّ المهندس هرتس مدير الآثار المصرية على زخرفته بالرخام الإيطالى ! وقد حدَّثنى ولده السيد أحمد خيرى، أن الصيرفى بك ، كان السبب فى شراء والده للأرض التى أُقيمت عليها الآن (روضة خيرى باشا) الحالية ، والتى كانت منذ 65 عاماً تسمى (كوم المجاير) ثم عرفت باسمه إلى الآن تخليداً لمآثره، وتضم (مكتبة خيرى) التى تعتزُّ بها روضة خيرى ، والتى وضع نواتها بألف كتاب ، ظل نجله السيد أحمد، ينميها حتى أصبحت تضم أكثر من عشرين ألف مجلد، من أنفس الكتب فى شتى ضروب المعرفة .. وقد أُتيحت لى فرصة زيارتها، ولقيت السيد أحمد خيرى ، فإذا به الرجلُ العالمُ الفاضلُ، أُمدَّ له فى عمره ونُفع به . وقد عرفت بلدية دمنهور لأحمد خيرى باشا فضله على البحيرة، فأطلقت اسمه على أهم شوارع دمنهور، وهو المعروف الآن بشارع خـيرى محمد زيتون : إقليم البحيرة ، ص 461 ، 462 .

 ولم يبق اليوم، سوى اسم الرجل على الشارع .. أما مخطوطات روضة خيرى باشا ، بل مكتبته كلها ؛ فقد اختفت !

*               *               *

 وهكذا انتهى الأمر إلى (بقاء) مجموعتين خطيتين بالبحيرة ، مجموع محتوياتهما 340 مخطوطة ، محفوظة ببلدية دمنهور، وبمسجد المحلى برشيد .. وهذه (البقية) من المخطوطات ، هى التى يضمها هذا الفهرس .

 أَهَمُّ النُّسَخِ الخطِّيَّةِ

 سوف يلاحظ الناظرُ فى هذا الفهرس، أن مخطوطات البحيرة المحفوظة برشيد ودمنهور ، مخطوطات شديدة التنوع  فهى تكاد تجمع بين سائر الفنون والمعارف الإسلامية ، من تفسيرٍ وفقه وحديث وتصوف وأدب ولغة .. إلخ، وبها -بالطبع- مصاحف ! وربما كان الجانب الوحيد المفتقد ، هو المخطوطات العلمية ، إذ يندر أن نجد فى المكتبتين مخطوطات الطب والرياضيات .. ومع هذا، فهناك قدرٌ لابأس به من مخطوطات المنطق .

 وبالمكتبتين طائفةٌ من النوادر الخطية التى تُعلى من قيمة المجموعتين، وهذه النوادر والمخطوطات المهمة يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات ، الأولى هى المخطوطات النادرة ، بحكم قلة وجود نسخ منها . والثانية ، مخطوطات مهمة لأنها كُتبت فى حياة مؤلِّفيها، ولذا فهى الأكثر أهمية من بين نسخ هذا الكتاب أو ذاك . والطائفة الثالثة ، هى تلك المخطوطات الأقدم عهداً بين المقتنيات ، وهى وإن كانت لاتعود إلى القرون الأولى ! إلا أنها عتيقة مَرَّت على بعضها ستة قرون .

 ومن الطائفة الأولى ، أعنى تلك المخطوطات التى يندر وجودها ، ما ألَّفه ونسخه الشيخ حسن كريت وأفراد أسرة الجارم .. ومنها أيضاً :

  1. إِيضَاحُ المشْكَلِ فى أَحْكَامُ الخنّثَى المشِكْلِ ، للإسنوى

  2. تَجْرِيدُ دِيوَانِ الحَيَوانِ، للأرميونى

  3. الدُّرُّ اليَتِيمُ ، للبركوى

  4. الدُّرَرُ فى أُصُولِ الدِّينِ، للماتريدى

  5. الزَّوَاجِرُ عَنْ اقْتِـرَافِ الكَبَائِرِ ، لابن حجر الهيثمى

  6. شَرْحُ لاَمِيَةِ البُوصِيرى ، للجارم

  7. شَرْحُ رِسَالَةِ الآدَابِ ، لطاشكبرى زادة   الرسالة والشرح ، للمولى أبى الخير المعروف بطاشكبرى زادة . وفى بيان علم آداب البحث يورد حاجى خليفة تعريف طاشكبرى زادة لهذا العلم الذى : يُبحث فيه عن كيفية إيراد الكلام بين المتناظرين ، وموضوعه الأدلة .. والغرض منه ، تحصيل ملكة المناظرة، لئلا يقع الخبط فى البحث (انظر : كشف الظنون ، ص 38)

  8. كُنُوزُ الحَقَائِق وما الزَّادُ إلا فى انْقِطَاعِ الخلاَئِق ، لمحمد سعيد

  9. الفَتاوَى ، لابن المؤيد

  10. مُخْتَصرُ بَيَانِ الإِعْتِقَادِ ، للعامرى.

 ومن المخطوطات الأقدم عهداً :

  1. تَقْريرُ القَوَاعِد ، لابن رجب ؛ كُتبت سنة 843 هجرية .

  2. التَّعرِيفَاتُ ، للجرجانى ؛ كُتبت سنة 950 هجرية.

  3. مَوَاهِبُ الجليِلِ ، للعلمى ؛ كُتب سنة 976 هجرية.

  4. الشَّافِيةُ ، لابن الحاجب . نسختان ؛ كُتبت الأولى سنة 993 هجرية، والأخرى سنة 994 هجرية .

  5.  كَشْفُ الوَافِيَة فِى شَرْحِ الكَافِيَةِ ، للحلبى ؛ كُتبت سنة 910 هجرية.

  6. فَتْحُ المنَّان فِى تَفْسيرِ القُرآنِ ، للشيرازى ؛ كُتبت سنة 960 هجرية.

 ومن المخطوطات التى كُتبت فى حياة مؤلفيها :

  1.  جَامِعُ الفَتَاوى ، لابن العروس (المتوفى 949 هجرية)

  2. شَرْحُ الفِقْه الأَكْبَرِ ، للمغنيساوى (المتوفى سنة 1090 هجرية)

  3. إِغَاثَةُ الملْهُوفِ ، للاذقى (المتوفى بعد سنة 1323 هجرية)

  4. حَاشِيةٌ على شَرْحِ شُذُور الذَّهَبِ ، للجارم (المتوفى 1265 هجرية)

  5. حَاشِيةٌ على شَرْحِ القَيْرَوَانى على السُّنُوسِيَّةِ ، للملوى (المتوفى 1181 هجرية)

  6. الدُّرَّةُ الفَاخِرَةِ السَّنِيَّةِ فى الصَّلاَةِ على خَيْرِ البَرِيةِ ، للجهادى (من أهل القرن الثالث عشر الهجرى)

  7. رِسَالةٌ فى التَّشْرِيحِ ، للحكيم (من أهل القرن الثالث عشر الهجرى)

  8. الصَّلاةُ البَدْرِيَّةُ والتَوَسُّلاتُ الأَنْوَرِيةُ ، للمناسترى (المتوفى 1273 هجرية)

  9. فَتْحُ المبدى ، للشرقاوى (المتوفى 1227 هجرية)

  10. مَظْهَرُ التَّقْدِيسِ بزَوَالِ دَوْلَةِ الفِرِنْسِيسِ ، للجبرتى (المتوفى 1237 هجرية)

 وأخيراً .. فهناك طائفة من المتون الكبرى وأمهات الكتب بالمجموعتين، وهى تشهد باتصال الثقافة العربية الإسلامية فى محيط المنطقة ، ووصولها إلى تلك الأرجاء والنواحى المنزوية . وهى متونٌ من فنون متنوعة ، منها المصباح فى النحو للمطرزى (عدة نسخ) والتعريفات للجرجانى (عدة نسخ) وملتقى الأبحر للحلبى (عدة نسخ ) وغير ذلك الكثير .

  نِظَامُ الفَهْرَسَـةِ

 قلتُ فيما سبق يوسف زيدان : فهرس مخطوطات بلدية الإسكندرية (الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية 1996) المقدمة ، ص 21 وما بعدها . ، ولازلتُ أقول : إن الفهرسة واحدة من أكثر الأعمال مشقة ، وأقلها مجداً ؛ فالجهد  المبذول فى فهرسة المخطوطات، لايعرفه إلا من عانى هذا الأمر وعاينه.. ومع ذلك، فالمفهرس دائماً فى مأزق! فقد يغوص فى ركام المئات من النسخ الخطية، ينفض عنها الغبار ، ويتلمس الإشارات الدالة على عنوان المخطوطة ومؤلفها (وتكون المخطوطات بلا أغلفة فى كثير من الأحيان) وكأنه مطالب بالإحاطة بكافة فروع التراث ، حتى يتعرَّف إلى كافة المخطوطات؛ ولايأمن بعد ذلك من انتقاد، إذ كُلُّ من يطالع الفهرس، يبحث عن مجالٍ هو متخصِّصٌ فيه، فإن وجد هفوةً هنا أو هناك ، راح يهز رأسه أسفاً.. وكأن على المفهرس ، أن يكون متخصِّصاً فى كل المجالات !

 لهذا، انصرف العاملون فى حقل التراث عن الفهرسة، رغم يقينهم أنها عملية لاغنى عنها؛ بل : لايمكن العمل فى التراث إلا ابتداءً بها .. فهى بمثابة تهيئة المنزل للإقامة، وتجهيز مادة البحث، واستخراج المطمور إلى النور.

على أية حال ، فإن نظام الفهرسة الذى اتبعناه هنا، وبذلنا فيه من الجهد، مالايعلمه إلا الله؛ هو نظام فهرسة وصفية تفصيلية، طَوَّرَناه من خلال الكتابات النظرية فى مجال الفهرسة، ومن خبرتنا العملية فى هذا المجال ، ومن مراعاة الضوابط والمعايير التى انتهت اليها المراكز المتخصصة (مثل معهد المخطوطات العربية بالقاهرة) وأضفنا إليه هنا، بعض ملامح الفهرسة التحليلية، كلما اقتضى الأمر .. لينتهى ذلك كله، إلى العمل وفقاً لما يلى :

أولاً : تحديد عنوان كل مخطوطة، بدقة، وتوثيق هذا العنوان ، وضبطه، والإشارة إلى ما يتداخل فيه من كلمات (وضعناها فى الفهرس بين الأقواس) والتعليق الهامشى عليه كلما اقتضت الضرورة، أو وجبت الإشارة إلى مخطوطات أخرى ذات صلة بعنوان المخطوطة المفهرسة.

ثانياً : تحديد مؤلَّف المخطوطة ، وتوثيقه، وإيراده على نسق واحد، كالتالى: اللقب ، الكنية، الإسم، النسبة، تاريخ الوفاة .. ثم المراجع والمصادر الخاصة به وبمخطوطته (خاصة : كشف الظنون/ إيضاح المكنون/ هدية العارفين/ معجم المؤلفين/ تاريخ الأدب العربى لكارل بروكلمان)

ثالثاً : ذِكْر بداية المخطوطة (مع الاهتمام بذكر الحمدلة بالذات، لأنها بمثابة البصمة التى لاتتكرر) وذِكْر الفقرات الأخيرة من المخطوطة. مع الإشارة إذا ماكانت المخطوطة المفهرسة ناقصة من أولها أو آخرها، أو إذا كانت نسخة أخرى من مخطوطة فُهرست من قبل.

رابعاً : الوصف المادى للمخطوط، ويشتمل على الحالة العامة للمخطوطة، ونوع الخط الذى كُتبت به، واسم الناسخ، وسنة النسخ. بالإضافة إلى الملامح المادية الأخرى، كنوع الورق، والتملكات، والسماعات والإجازات المدوَّنة على المخطوطة .. ثم عدد الأوراق، والمقاس الفعلى للورقة، وعدد السطور فى كل صفحة.

خامساً: ذِكْر رقم حفظ المخطوطة، بحسب أسلوب الحفظ المتبع فى المكتبة الأصلية : بلدية دمنهور - مسجد المحلى برشيد.

سادساً: تصنيف كل مخطوطة تصنيفاً علمياً دقيقاً، بقطع النظر عما تم تصنيفه بالمكتبة الأصلية ، نظراً لأن القائمين على هذه المكتبات ، أعنى مَنْ قاموا بالتصنيف ، هم فى الغالب : غير مؤهلين لهذا الأمر.

*            *             *

 وبعد .. فهذا هو أول فهرس لمخطوطات البحيرة، أو بالأحرى: أول فهرسة علمية وتعريف بهذه المخطوطات، التى قاومت عوامل البلى والفقد .. وعساها تكون إشارةُ ابتداءٍ نحو العناية بهاتين المجموعتين الخطيتين اللتين انزوتا، وعانتا طويلاً من الإهمال .. ولايسعنى فى النهاية إلا تسجيل امتنانى لمؤسسة الفرقان لمبادرتها إلى نشر هذا الفهرس ، وتسجيل تقديرى لحماس مديرها الدكتور كمال عرفات نبهان وتشجيعه لى على إصدار هذا العمل، الذى استلزم منى جهداً .. لايعلمه إلا الله .

والله الموفق .

حقوق النشر محفوظة ( 1999-2014 ميلادية) د. يوسف زيدان
تطوير الموقع System Online