أوربا في حضرة السلطان

    أثناء انعقاد ندوة دولية خارج المغرب، أثار انتباهي حديث للباحثة الإيرانية أنوشا كارفار المقيمة في باريز عن الرحلة الأولى التي قام بها ناصر الدين شاه (1848–1896)، بصفته ملكا لإيران إلى أوربا سنة 1873 وذلك بمبادرة من وزير حربيته ميرزا حسين مشير الدولة. ثم تلتها رحلة ثانية للشاه نفسه إلى أوربا سنة 1878، مما جعل حاكم إيران يتعرف شخصيا وبشكل مباشر وموسع على نماذج أوربية متنوعة من الأنظمة العسكرية الأوربية للاستفادة منها في إصلاح الجيش الإيراني. وفي حينه وجدت نفسي وأنا أجري مقارنة سريعة مع الحالة الخاصة بالمغرب، وتساءلت لماذا كان سلاطين المغرب يحجمون أثناء ممارسة مهام السلطنة عن السفر بصفة مطلقة خارج أرض المغرب سواء في اتجاه الشرق أو الغرب، أي سواء إلى ما يوصف بأرض الإسلام أو ما ينعت بأرض الكفر أو أرض الحرب أي إلى أوربا. وبعد قراءات سريعة، تبين لي بأن السلاطين العثمانيين كانوا يحجمون في بداية الأمر عن السفر خارج أراضي الإمبراطورية أثناء ممارسة مهامهم السياسية، لكنهم غيروا موقفهم في وقت لاحق.

    أولا: محاولات أولية للتفسير، وصعوبة التوصل بين المغرب والخارج:

    ما هي الأسباب التي كانت تحول دون إقدام السلاطين المغاربة على السفر خارج المغرب؟ لا شك أن الأسباب كثيرة ومعقدة. وقد يكون منها ما هو ديني وما هو سياسي. ولربما كان السبب الديني مرتبطا بالموروث الإسلامي الذي ينص على أن الخليفة أو حاكم الدولة في الإسلام لا يحق له السفر خارج أرض الإسلام في اتجاه دار الحرب إلا إذا قصدها غازيا وفاتحا من أجل نصرة الإسلام. وقد يصدق هذا حقا على الحملات المغربية العديدة في بلاد الأندلس على عهد المرابطين والموحدين. ويبدو دون الدخول في التفاصيل، أن التحولات العميقة التي شهدتها أوربا ابتداء من القرن السادس عشر والسابع عشر، والتراجع النسبي الذي شهده العالم الإسلامي على الرغم من الحضور القوي للعثمانيين على الساحة العسكرية، قد ساهم في إحداث نوع من التباعد المشوب بالحذر بين المغرب المسلم وجيرانه الأوروبيين المسيحيين.
    وعلى الرغم أيضا من الانفتاح النسبي الذي دشنه السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله في القرن الثامن عشر في علاقاته مع الدول الأوربية بتوقيعه على اتفاقيات ثنائية مع أهمها، فإن تلك الاتفاقيات كانت مؤقتة في معظمها ولا يستغرق مفعولها أكثر من سنة واحدة. وكان المجال يظل مفتوحا بين الطرفين لتجديد تلك الاتفاقيات أو لعدم تجديدها. وفي ذلك دليل على أن الثقة لم تكن كاملة لدى الجانبين، إذ كان من العادي جدا أن يغير السلطان موقفه من هذه الدولة الأوربية لصالح أخرى، فيسمح بالمتاجرة معها وباقتناء ما يحتاجه من تجارها، في حين قد يمتنع عن التعامل مع غيرها.
    وصادفت الحروب النابليونية (1792–1814)، وصول السلطان مولاي سليمان إلى الحكم. ولا شك في أن نفور هذا السلطان من الدخول طرفا في ذلك الصراع الأوربي المعقد، وتأثره بالحركة الوهابية قد كان له انعكاسه الواضح على علاقات المغرب مع العالم الخارجي شرقا وغربا. ألم يتم على عهد مولاي سليمان منع السفر إطلاقا على جميع المغاربة خارج التراب المغربي لمدة سنتين على الأقل بما في ذلك الذهاب إلى الديار المقدسة؟ ألم يصبح سفر التجار المغاربة اليهود والمسلمين إلى أوربا خاضعا لمراقبة سلطانية مباشرة ولا يمكن القيام به إلا بترخيص مباشر من السلطان شخصيا؟
    وحتى أعود إلى القضية المركزية في هذه المداخلة، أشير باقتضاب إلى أن الجهاز المخزني ظل يسعى في تقليص اتصالاته مع الأوربيين إلى أقصى الحدود الممكنة بدعوى الحد من التسرب الأوربي إلى البلاد. إذ أصبحت مدينة طنجة، قبل نهاية القرن الثامن عشر، مقرا لجميع قناصل الدول الأجنبية الممثلة في المغرب على حساب تطوان التي فقدت مكانتها السابقة كمركز دبلوماسي. وكان الحضور القنصلي بطنجة ما يزال متواضعا، كما أنه لم يكن ممثلا في بقية المراسي إلا في حالات استثنائية. وبينما كان القناصل يقيمون في طنجة، كان السلطان يقيم إما في فاس أو في مكناس أو في الرباط أو في مراكش. وكان يسمح للقناصل بزيارة السلطان في المدينة التي يقيم فيها، إما لتقديم أوراق اعتمادهم، أو لإجراء مباحثات معه ومع وزرائه في قضايا معينة لا بد أن تكتسي أهمية خاصة. إلا أنهم كانوا في حاجة إلى الحصول على إذن مسبق منه، وإلى اتباع مسطرة سنعود إليها في ما سيأتي.
    وحتى الرسائل التي كانوا يضطرون إلى إرسالها في اتجاه بلاط السلطان كان من الضروري أن تحترم مسطرة معينة. إذ عليهم أولا توجيهها إلى عامل السلطان على طنجة، فيقرأ محتوياتها، ويقرر على أثر تلك القراءة إرسالها أو عدم إرسالها إلى البلاط، وهناك مقاييس محددة كان يعتمدها في ذلك عامل السلطان. وحتى الجواب السلطاني عن الرسالة القنصلية لابد أن يمر على يد العامل المذكور. وباختصار، كانت الغاية من هذه التدابير هي الحيلولة دون تسهيل وقوع اتصالات مباشرة بين قمة الهرم المخزني أي السلطان وممثلي الدول الأجنبية المعتمدين لديه. ويدخل هذا السلوك في إطار أجواء انعدام الثقة عند المخزن بالأوربيين أو تخوفه منهم كجزء مما عرف في بعض الكتابات بسياسة الاحتراز على عهد مولاي سليمان (1792–1822) في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر.
    وتوجد رسالة صادرة عن السلطان نفسه بتاريخ (16 ربيع الأول 1207/ 1 نونبر 1792) تحدد علاقته الرسمية بأعضاء الهيئة القنصلية جاء فيها:
    "كافة القنصوات القاطنين بطنجة وبغيرها من جميع إيالتنا السعيدة، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد. فاعلموا أن كاتبنا الفقيه السيد محمد بن عثمان تعرفون منزلته عندنا وعند سيدنا الوالد (...) صدقا وأمانة وعرضا ومروءة. ولهذه الحالة المعروف بها عندنا بعثناه لتطوان ووليناه أمرها وأمر من بها مفوضا في ذلك. وقد حملنا على بعثة وتوليته غرضان: أحدهما أن تطوان أعظم ثغور المسلمين ومقصد لكل واحد من المسلمين ومن أجناسكم. وهذا الفقيه له سبيل باعث على تمشية جميع الأمور على ما يناسب كل واحد (...) والغرض الآخر هو جعله واسطة بيننا وبينكم بحيث كل من يعرض له منكم أمر خاص إما من جهتكم أو جهة دولتكم فليعرضه عليه ويتفاوض معه، لأنه أعلم بأحوالكم، وهو يبعث لنا أعراضكم، وعلى يده يأتيكم الجواب من عندنا ليكون كلامكم الذي تذكرون له يصلنا على التمام وكلامنا يصلكم كذلك (...)".
    وبهذا النص التنظيمي جعل مولاي سليمان عامل تطوان وطنجة واسطة لا يمكن الاستغناء عنه بينه وبين قناصل الدول الأجنبية، فوضع بذلك اللبنة الأولى لمؤسسة مخزنية جديدة أصبحت عملية بمدينة طنجة في عهد خلفه مولاي عبد الرحمن وسميت: (دار النيابة السعيدة). وقد تعاقب على رأسها منذ سنة 1848 كل من بوسلهام بن علي أزطوط باشا طنجة والعرائش، وعوضه في المهمة نفسها محمد الخطيب سنة 1851 إلى حدود سنة 1862، ثم محمد براش إلى حدود سنة 1886، ثم محمد الطريس إلى سنة 1908، ثم محمد الباص إلى عهد الحماية.
    ويبدو أن الأمور لم تتحسن مع مرور الزمن، وخاصة مع تعبير الدول الأوربية عن شهيتها الاستعمارية بكل صراحة تجاه بلدان شمال إفريقيا وازدادت قوة تجاه أراضي الإمبراطورية العثمانية منذ مطلع القرن التاسع عشر. وما يهمنا في سياق هذه الندوة هو أن الأوربيين هم الذين أصبحوا يبادرون في إطار حركة التوسع الإمبريالي وتقدم رسائل المواصلات البحرية إلى تشجيع السفر ودعوة الأفراد إلى التحرك على نطاق أوسع خارج الرقعة الأوربية نحو أراضي الشمال الإفريقي ولو في إطار التجارة والقيام بحملات استكشافية ولو في إطار التجارة والقيام بحملات استكشافية علمية. في حين أصبح المغرب بتأثير من الفقهاء أو العلماء يدعو إلى عكس ذلك، وصار ينعت كل من سافر إلى أوربا بأنه كافر وخارج عن الملة. وفي جزر القمر المسلمة، يختزل أهل البلد نظرتهم هذه المسألة في قولهم المختصر والعميق: المسافر كافر.
    وفي هذا السياق ندرك أسباب اختيار السلاطين العلويين جل تجارهم الموفدين في مهام مالية دقيقة إلى أوربا من اليهود ونادرا من المسلمين. وإذا كان من الضروري إرسال بعثة سفارية مغربية إلى بلد من بلدان أوربا، فإنه لا بد من تبرير ذلك شرعيا، أي أن سفر البعثة لا بد أن يكون من أجل مصلحة اقتضتها ضرورة الحفاظ على مكانة دار الإسلام وهيبتها
    وعلى الرغم من الحاجز الكبير الذي شكلته دار النيابة كأداة لعرقلة الاتصال بين السلطان وممثلي الهيئة الدبلوماسية في طنجة، وعلى الرغم من أن السلطان كان يحجم عن قصد ولأسباب كثيرة عن السفر إلى بلدان أوربا، فإننا لم نتردد في القول ولو بصورة مجازية بأن أوربا هي التي كانت تسافر إلى حضرة السلطان وبلاطه حتى قبل أيام حكم مولاي عبد الرحمن، وتقتحم دوائره المغلقة والمتحصنة بأشكال شتى يمكن إيجازها كالتالي حسب درجة الأهمية:
    - البعثات السفارية الأجنبية من طنجة إلى البلاط.
    - البعثات السفارية المغربية إلى أوربا.
    - البعثات العسكرية الأجنبية في خدمة السلطان.
    - المتعاقدون الأجانب: العسكريون، الأطباء، والمغامرون.
    - التجار الأجانب والمحميون اليهود والمسلمون.
    وسنركز في هذه المداخلة على الشكل الأول نظرا لعلاقته المباشرة بموضوع الندوة، وهو رحلات البعثات السفارية الأجنبية من طنجة إلى البلاط أو إلى حضرة السلطان. ويعود هذا الصنف من الاتصال بين سلاطين المغرب والدول الأجنبية إلى فترات زمنية باكرة جدا وسابقة عن مرحلة القرن التاسع عشر. وفي هذا السياق نذكر بعثة سرية من عاهل إنجلترا الملك جون إلى الناصر الموحدي في العقد الأول من القرن الثالث عشر. ثم بعثة الكولونيل ﭙيير دوبيتون سنة 1533 على عهد أحمد بن أحمد الوطاسي الذي عاصر فرانسوا الأول وجاء محملا بكثير من الهدايا فاستقبله أولا في العرائش ثم في فاس التي كان بها وقتئذ وباء الطاعون. وبهذه البداية دشن فرانسوا الأول تقليدا على نحو مغاير وفي ظل توازنات جديدة ومغايرة إلى حين فرض الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912.
    وكانت السفارات الأجنبية السابقة للقرن التاسع عشر تشد الرحال لتحل ببلاطات السلاطين المغاربة في عهود مختلفة لأهداف متعددة، فيأتي المبعوث الأجنبي قاصدا المغرب كرسول يحمل كتابا وهدايا من عاهل فرنسا أو إسبانيا أو غيرها من الدول الأوربية، فيعالج قضية أو قضايا جاء من أجلها حيث يقيم السلطان ولو في إحدى حركاته، ثم يقفل عائدا إلى بلاده من حيث أتى. وكذلك كان يفعل السلطان، فيبعث من جانبه سفيرا إلى أحد بلاطات أوربا مهمة مؤقتة ثم يعود إلى بلاده بعد قضاء الغرض.
    لكن هذا الأسلوب من التعامل الدبلوماسي طرأ عليه بعض التغيير منذ إنشاء دار النيابة بطنجة في مطلع القرن التاسع عشر، فأصبحت مقرا لأعضاء الهيئة القنصلية ثم الدبلوماسية، وبصفة تدريجية ظهر نظام ما لبث أن أصبح قاعدة أو تقليدا يعم كل ممثلي الدول الأجنبية في المغرب. وكانت البداية، بأن بدأ السماح لأسباب بروتوكولية لكل قنصل حديث التعيين بأن يسافر من طنجة ليقوم بزيارة رسمية إلى بلاط السلطان كي يقدم إليه أوراق اعتماده كممثل لبلاده في المغرب. وغالبا ما كان يقتصر الأمر على زيارة وحيدة لكل قنصل جديد إلى حضرة السلطان عند كل تعيين جديد. لكن، بحكم الأهمية المتنامية التي أصبح يكتسيها المغرب منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر في المخططات التوسعية الأوربية سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، سرعان ما حدث تحول أساسي في هذا التقليد، وخاصة أمام العرقلة المتواصلة التي شكلتها بيروقراطية دار النيابة الصارمة في إبلاغ المراسلات من القنصليات أو المفوضيات الأجنبية إلى السلطان. وفي هذا السياق، بدأ بعض ممثلي الدول الأجنبية يطالبون بالتردد على بلاطات السلطان في زيارات متكررة. ونظرا لغياب وسائل المواصلات الحديثة في مغرب ما قبل الحماية، ولقلة القناطر الضرورية لعبور الوديان، وعدم وجود شبكة طرقية منظمة، فإن تنظيم رحلات وتنقلات أعضاء البعثات الدبلوماسية الأجنبية من طنجة إلى بلاطات السلطان كانت أمرا على مستوى كبير من الأهمية لكلا الطرفين.
    ومن الناحية المصدرية والببليوغرافية، نشير إلى أن المعلومات الخاصة بهذه الرحلات متوفرة بما فيه الكفاية، وإن كانت متفرقة ومشتتة بين بطون كثير من المراجع والمجموعات الوثائقية الأجنبية والمغربية. وقد نميز فيها بين عدة أصناف، ونزكر فيها هنا على الكتابات الفرنسية والبريطانية دون غيرها. الصنف الأول عبارة عن كتابات قام بها أفراد رافقوا البعثات الأجنبية إلى بلاط السلطان، بصفتهم مؤرخين أو مراسلين لبعض الصحف الأوربية الذائعة الصيت، ثم نشروها بعد سنتين أو ثلاث سنوات في مؤلفات خاصة. وقد نبغ في هذا الصنف البريطانيون، واللائحة طويلة بالنسبة لتلك الرحلات التي كانت تطبع وتروج بسرعة في الأوساط المهتمة بالمغرب داخل بريطانيا وخاصة بعد سبعينيات القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من وجود كتابات فرنسية مماثلة، فإنها لا ترقى إلى قرينتها البريطانية. غير أن أهم الدراسات الفرنسية التي تناولت رحلات البعثات السفارية الفرنسية إلى بلاط فاس قد أنجزت ونشرت خلال فترة الحماية بل وفي خمسينيات القرن العشرين:
    (François Charles Roux: Missions diplomatiques françaises à Fes).
    كما نشرت عدة مجلات متخصصة في بعض أعدادها، تقارير عن رحلات سفارية دبلوماسية بين طنجة وفاس أو مراكش. ونكتفي بالإشارة هنا إلى مقال طويل جدا لمؤرخ فرنسي هو غابرييل شارم Gabriel Charmes رافق السفير الفرنسي شارل فيرو Ch Féraud عند زيارته للمولى الحسن في فاس سنة 1885 ونشرته مجلة Revua des Deux Mondes سنة 1886 في ثلاثة من أعدادها المتلاحقة.
    الصنف الثاني، وهو المذكرات التي حررها بعض السفراء الأجانب المعتمدين سابقا في المغرب. وفي هذا السياق تحتل مذكرات جون دراموند أهمية خاصة، وإن كانت من تحرير ابنته، وتقدم لنا معلومات مسهبة عن الرحلات السفارية العديدة التي قام بها ممثل العاهلة البريطانية فكتوريا إلى ثلاثة سلاطين علويين: وهم مولاي عبد الرحمن (1822–1859)، ومحمد بن عبد الرحمن (1859–1873)، ومولاي الحسن (1873–1894)، في كل من فاس ومكناس ومراكش خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وفي السياق نفسه، نجد الأوراق الشخصية للسفراء الأجانب الذين غالبا ما كانوا يودعونها بعد وفاتهم في دور الأرشيف ببلادهم فتصبح رهن إشارة الباحثين. وقد توجد فيها أمور مفيدة وسرية لم يتم إدراجها ضمن المراسلات الرسمية التي حررت على أثر تلك الرحلات الدبلوماسية.
    الصنف الثالث وهو الوثائق والتقارير الرسمية التي حررت مباشرة في خضم الرحلة بين طنجة ومقر إقامة السلطان وخلال أيام إقامة أعضاء البعثة السفارية ومرافقيهم في حضرة السلطان. هذا الصنف من الوثائق ليس سهل المنال، ويتطلب الاطلاع عليها السفر إلى الديار الأوربية. وتجدر الإشارة إلى أن الوثائق المخزنية المحفوظة بدور الأرشيف المغربية غنية جدا بكثير من المعطيات المتعلقة برحلات أعضاء الهيئة الدبلوماسية إلى حضرة السلطان، وما يحيط بها من تطورات وأحداث مثيرة. لكنها قليلة ولا تبلغ لا من حيث الحجم ولا من حيث الدقة والتفاصيل مثيلتها البريطانية والفرنسية.

    ثانيا: أرقام وإحصاءات:

    1. رحلات البعثات الفرنسية، وقد بلغت حوالي الخمسين بعثة.

    أ – قبل القرن التاسع عشر:
    - بعثة الكولونيل دوبيتون سنة 1533 كمن فرانسوا الأول إلى أحمد بن أحمد الوطاسي في فاس.
    - بعثة أوفدها ملك نافار (Navarre) سنة 1559 أيام مولاي عبد الله السعدي في فاس.
    - سفارة القبطان فايز دازيفيدو (Vaez d’Azevedo). وخلالها وقعت اتفاقية 1559 فاس.
    - بعثة دومونتفورت (De Montfort) خلال سنة 1560 في فاس.
    - ومن 1560 إلى 1808، لم تستقبل فاس أي بعثة أجنبية، أي لمدة تجاوزت قرنين من الزمن، بحكم أن استقبال السفراء أصبح إما في مراكش أو في مكناس أو في أماكن أقل أهمية مثل إيمنتانوت التي استقبل فيها مولاي إسماعيل البارون دو سانت أمان (de Saint - Amans) سنة 1682، حين كان السلطان منهمكا في إحدى حركاته التأديبية بالأطلس الكبير.
    - في 1693 استقبل سانت أولون في مكناس، وفي 1767 استقبل الكونت دو برونيون (de Breugnon) في مراكش.
    - إقامة لوي دوشينيي في فاس (يوليوز 1775) لكن ليس في زيارة رسمية.

    ب – البعثات الفرنسية في القرن التاسع عشر:
    ومنها أربع بعثات أولى في ق XIX.
    - بعثة دورنانو وبوريل (Ornano et de Burel) في 1808، على عهد مولاي سليمان، وكانت لها أهداف سياسية وعسكرية.
    - بعثة سوردو (Sourdeau) في سنة 1825.
    وتجدر الإشارة أن فاس لم تستقبل في أحضانها أي بعثة فرنسية إلا بعد مرور حوالي ست وأربعين سنة.
    - بعثة الكونت دي مورناي (de Mornay) إلى مكناس في مارس 1832 لبحث آثار الاحتلال الفرنسي للجزائر.
    - بعثة تيسو (Tissot) سنة 1871.
    - بعثة دو فيرنويي (De Vernouillet)، سنة 1877: وهي مهمة جدا.
    أربع بعثات إضافية في القرن التاسع عشر:
    - بعثة شارل فيرو (Ch. Feraud) سنة 1885.
    - بعثة باتنوتر (Patenotre) سنة 1889.
    - بعثة دوبيني (Aubigny) سنة 1892.
    - بعثة دومونبيل (de Monbel) سنة 1895.
    ج. البعثات الفرنسية في القرن العشرين:
    - بعثة ديسكوس (Descos) سنة 1903.
    - يعثة الكونت دوسانت أولير (C. de Sainnt - Aulaire) في 1904.
    - بعثة سان روني تاينديي (Saint – Rene Taillandier) في 1905.
    - بعثة أوجين رونيو (Eugene Regnault) سنة 1907 في الرباط.
    - بعثة أوجين رونيو سنة 1909 في فاس.
    - بعثة أوجين رونيو سنة 1912 وتوقيع عقد الحماية يوم 30 مارس.
    حيث عددها الستون رحلة:
    - بعثة الملك جون السرية إلى الناصر الموحدي في مطلع القرن الثالث عشر.
    - بعثة هوجان من إليزابيث الأولى إلى عبد المالك السعدي بمراكش سنة 1577.
    - بعثة إدوارد برين إلى المنصور بمراكش في مارس 1590، وكان موضوعها تحقيق التحالف بين البلدين ضد إسبانيا.
    - بعثة سير أنطوني تشرلي لدى أبو فارس بمراكش سنة 1605.
    - بعثات هاريسون ورحلاته السبع: 1610 و 1611 إلى زيدان باسم جيمس الأول في مراكش؛ في 1614، وفي 1615، فبقي هاريسون لمدة سنتين ينتظر الاستقبال من زيدان دون جدوى فعاد إلى انجلترا خاوي الوفاض سنة 1618. وعاد هاريسون مرة خامسة سنة 1625 بعد أن بعثة تشارلز الأول عند زيدان في تطوان. وكانت له مباحثات مع المورسكيين في سلا سنة 1626. ثم رحلة سادسة لهاريسون سنة 1627 في محاولات لتحرير الأسرى. ثم رحلة سابعة لهاريسون سنة 1631 أيام تشارلز الأول التقى فيها بمراكش مع المولى الوليد.
    - بعثة التاجر روبرن بليك سنة 1636، فكسب على أثرها ثقة محمد الشيخ الصغير.
    - بعثة برادشو 1636 حول الأسرى، وصل مراكش موفدا من تشارلز الأول.
    - بعثة هيووارد أيام تشارلز الثاني إلى المولى رشيد العلوي في يوليوز 1669 وقد انتهت الرحلة إلى فاس وتمت في أجواء مشحونة بالتوتر والشكـ، وتعقدت خلالها قضايا تبادل الأسرى.
    - بعثة لسلي من طنجة إلى مكناس في مارس 1681 لعقد اتفاقية سلم.
    - بعثة الملازم نيكولسن إلى مكناس في يناير 1683 من تشارلز الثاني إلى مولاي إسماعيل حول قضايا الأسرى.
    - بعثة جزريل جونس إلى مكناس في يونيو 1705.
    - بعثة جورج بادون إلى مكناس في يناير 1714 حول الأسرى.
    - بعثة تشارلز ستيوارت في يوليوز 1720 وتوقيع معاهدة 23 يناير 1721 بفاس مع إنجلترا.
    - بعثة راسل إلى فاس سنة 1729 أيام المولى عبد الله العلوي.
    - بعثة القبطان مارك مايلبانك إلى تطوان 1759 للتفاوض مع السلطان سيدي محمد بن عبد الله حول الأسرى.
    - بعثة القبطان كليفلاند بمناسبة تولية جورج الثالث وتعيين جوزيف بوبهام في منصب قنصل عام لإنلترا بالمغرب في 1761.
    - بعثة روجر كورتيس في يناير 1783 من جورج الثالث إلى سيدي محمد بن عبد الله.
    - تعيين جورج باين قنصلا عاما في المغرب وزيارته للسلطان في مراكش في يونيو 1785.
    - تعيين جيمس ماترا واستقبال السلطان له في ماي 1787.
    - استقبال مولاي سليمان للقنصل العام رين في فاس في شتنبر 1806 لإجراء مباحثات تهم تموين الحامية العسكرية في جبل طارق.
    - جيمس دولاس يخلف رين ويستقر في طنجة في أكتوبر 1821 ويلتقى بالسلطان عند زيارته للمدينة.
    - بعثة دولاس إلى مولاي عبد الرحمن في فاس يوم 10 يناير 1824.
    - تعيين جورج الرابع لوليام أوريول دراموند هاي وزيارته للسلطان مولاي عبد الرحمن لتقديم أوراق اعتماده في مراكش في 10 دجنبر 1829، والتشاور حول آثار احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830.
    - بعثة أوريول دراموند هاي إلى السلطان في مكناس في 21 يونيو 1842 في موضوع الأمير عبد القادر الجزائري.
    - بعثة جون دراموند هاي الأولى إلى مولاي عبد الرحمن في مراكش خلال مارس 1846.
    - بعثة جون دراموند هاي الثانية إلى مولاي عبد الرحمن في مراكش خلال مارس 1855، وكانت الغاية منها إقناع مولاي عبد الرحمن بإبرام اتفاقية تجارية ليبرالية لوضع العلاقات المغربية الأوربية على أسس قانونية جديدة، أساسها تحرير المبادلات وفتح أسواق المغرب أمام المنتوجات الأجنبية.
    - بعثة جون دراموند هاي الثالثة إلى محمد بن عبد الرحمن في مكناس خلال يوليوز 1861. وكان موضوعها هو التوصل إلى عقد السلم بين المغرب وإسبانيا بعد حرب تطوان.
    - بعثة جون دراموند هاي الرابعة إلى محمد بن عبد الرحمن في مراكش سنة 1863.
    - بعثة جون دراموند هاي الخامسة إلى محمد بن عبد الرحمن في الرباط في أكتوبر من سنة 1864، وقد تناول خلالها الطرفان مباحثات في مواضيع تتصل بالإصلاحات.
    - بعثة جون دراموند هاي السادسة إلى محمد بن عبد الرحمن في فاس سنة 1868، وكان موضوعها أيضا هو الإصلاحات.
    - بعثة سابعة لدراموند هاي إلى بلاط محمد بن عبد الرحمن في مراكش خلال مارس أبريل من سنة 1872 عبر الجديدة، بعد ترقيته إلى وزير مفوض. وقد أظهر خلالها دراموند هاي عن جرأة كبيرة وأدلى بحديث صريح للسلطان عن طبيعة النظام المخزني الذي وصفه بالمتعفن مما أثار غضب السلطان وحنقه على أعضاء جهازه.
    - بعثة ثامنة لدراموند هاي إلى فاس في مارس 1875 عند مولاي الحسن: وقد أفردت خلالها جلستان خاصتان حول الإصلاحات.
    - بعثة تاسعة لدراموند هاي إلى فاس في أبريل 1880، وكان موضوعها هو التحضير لمؤتمر مدريد وتقديم اقتراح للسلطان للموافقة على عقد اتفاقية جديدة بديلة لاتفاقية 1856، وذلك لإتاحة انفتاح مغربي أوسع على الأسواق العالمية.
    - بعثة دراموند هاي الأخيرة إلى مراكش في مارس أبريل 1882.
    - بعثة أولى لكربي رين في مراكش في أبريل 1887.
    - رحلة السلطان في زيارة لطنجة خلال شهر شتنبر 1889 واجتماعه فيها بأعضاء الهيئة الدبلوماسية.
    - رحلة ثانية لكربي رين في مراكش ووفاته فيها سنة 1891.
    - زيارة تشارلز إيوان سميث لفاس في أبريل – يوليوز 1892، وقد أسفرت عن تأزيم العلاقات المغربية البريطانية نتيجة لتعنث المبعوث البريطاني، وإصراره على فرض معاهدة تجارية جديدة أجمع المغاربة على أنها لن تكون مفيدة للبلاد بقدر ما هي مفيدة للأجانب.
    - بعثة ساتو الوحيدة إلى فاس، أكتوبر 1894 – إلى أبريل 1895.
    - بعثة نيكولسن إلى مراكش في أبريل 1896.
    - بعثة نيكولسون إلى الرباط سنة 1901، وانصب موضوع المباحثات أثناءها على مواضيع تهم إقرار ضريبة الترتيب وتطبيق مشاريع الإصلاحات العزيزية.
    لقد اقتصرنا في هذا الجرد السريع على النموذجين الفرنسي والبريطاني للرحلات السفارية الأجنبية في اتجاه بلاطات السلاطين المغاربة. وبطبيعة الحال، فإن جميع الدول التي كانت ممثلة في طنجة كانت تحرص على توجيه من ينوب عنها في رحلات رسمية لزيارة السلطان والتباحث معه في قضايا قد تكون ثنائية روتينية أو ذات صبغة عامة تهم العلاقات المغربية الأوربية بوجه عام. وقد يكون من المفيد أيضا الاهتمام بالرحلات الإسبانية والألمانية والإيطالية وغيرها لتوسيع دائرة البحث، وإتاحة إمكانات أوسع للمقارنة والتحليل.
    وبصفة عامة، فإن نموذجي الرحلات السفارية البريطانية والفرنسية قد يمكناننا من طرح بعض القضايا وبعض التساؤلات المتعلقة بأشكال الحضور الأوربي داخل البلاط وآلياته وبعض نتائجه عبر النقط التالية: تنظيم الرحلة والاستعداد لها من الجانبين المخزني والأجنبي. ماجريات الرحلة عبر المسالك المخصصة لها، والصعوبات التي يواجهها الرحالة الأوربيون، قبل التمكن من الوصول إلى فاس أو مراكش أو مكناس والدخول إليها. وأخيرا مثول أعضاء البعثة بين يدي السلطان، والاتصال المباشر بين السفير والسلطان وأعضاء جهازه المخزني من وزراء ومستشارين.

     ثالثا: أشكال الحضور الأوربي في البلاط: 1. تنظيم الرحلة والإعداد لها من الجانبين المخزني والأجنبي:

    قبل الشروع في تنظيم رحلة أعضاء البعثة الأجنبية في اتجاه مكان إقامة السلطان وأعضاء جهازه المخزني المركزي لابد من وقوع اتفاق مبدئي مسبق بين الجانبين. ولا يحصل هذا الاتفاق المبدئي إلا بعد أن يتم تبادل عدة مراسلات في الموضوع للتشاور حول أسباب زيارة البعثة والأهداف المتوخاة من الزيارة. وقبل القرن التاسع عشر، غالبا ما كانت البعثات الأجنبية الموجهة إلى البلاط تسعى بالدرجة الأولى إلى معالجة قضايا الأسرى المحتجزين لدى الطرفين الأوربي والمغربي. كما كانت رغبة الدول الأوربية في عقد اتفاقيات سلم وصداقة أو اتفاقيات تجارية ولو مؤقتة مع المغرب من أهم أسباب زيارة البعثات الأجنبية لبلاط السلطان. كما كانت الرغبة في تجديد تلك المعاهدات وتأكيدها من الأسباب التي تستدعي التوجه في رحلة من طنجة مقر الهيئة الدبلوماسية إلى البلاط.
    ومع حلول منتصف القرن التاسع عشر، يبدو أن وتيرة الرحلات السفارية الأجنبية في اتجاه البلاط قد ارتفعت تدريجيا، إلى أن أصبحت شيئا مألوفا على الأقل مرة في السنة لممثل كل دولة أجنبية يقيم في طنجة لرعاية مصالح بلاده فيها. وهكذا أصبح طبيعيا جدا أن يتوجه كل ممثل أجنبي حديث التعيين إلى حضرة السلطان لتقديم أوراق اعتماده سفيرا لبلاده في المغرب، بدعوى السعي في تمتين أواصر الاتصال والصداقة بين الجانبين.
    ولم يكن من السهل التوصل إلى اتفاق سريع بين الجانبين حول تحديد توقيت الزيارة وموعدها. حيث كان من اللازم أن تتم خلال فصل الربيع سواء في بداياته الأولى أو في نهاياته، أو على أبعد تقدير في الأسابيع الأولى من فصل الصيف قبل احتدام درجات الحرارة. وتكمن علة ذلك، في صعوبة التنقل على متن الدواب عبر المسالك الوعرة خلال الفصل الممطر. كما أن ندرة القناطر في مغرب ما قبل الحماية كانت تجعل عبور الوديان المغربية أمرا عسيرا، إن لم يكن مستحيلا خلال فصل الشتاء. ومن جهة أخرى، كان الجانب المخزني، يتحاشى أن تكون زيارة أعضاء البعثات الأجنبية للبلاط خلال شهر رمضان أو قبيل حلول الأعياد الدينية كعيد الفطر وعيد الأضحى، أو عيد المولد النبوي. لكن، مع تعاقب السنين، تصبح مواسيم الأعياد الدينية مواكبة لفصل الربيع المناسب جدا لقيام البعثات الأجنبية برحلاتها في ظروف أحسن إلى البلاط، فيصعب وقتئذ التفاهم على التوقيت المناسب
    وبعد أن يتم الاتفاق على موعد الزيارة يشرع الجانبان في التحضير للرحلة بكل ما يحتاجه الأمر من الجدية وحسن التدبير. وهكذا، توافق وزارة خارجية السفير الراغب في التوجه إلى البلاط على تخصيص ميزانية كافية لتغطية التكاليف المطلوبة لكافة أعضاء البعثة. وقد يتراوح أعضاء البعثة الأجنبية بين خمسة وعشرة أفراد أو أكثر، يختارهم رئيس البعثة بكامل العناية اختيارا يتناسب مع هيبة الدولة التي يمثلها ومع الحرص على إبراز مكانتها بين بقية الدول الأجنبية الممثلة في طنجة. وبطبيعة الحال، يكون السفير أو القنصل العام أو الوزير المفوض على رأس البعثة. ويرافقه أحيانا بعض أفراد أسرته، ومساعدوه الأقربون في المفوضية، من كتاب وتراجمة وأعوان. هذا فضلا عن مرافقة أحد الأطباء لأعضاء الرحلة لتوفير العناية الطبية عند الضرورة. وكانت تحرص جل البعثات الأجنبية على أن يرافقها خبراء عسكريون من مختلف التخصصات، ومن مراتب عليا في الجيش، لمعاينة الأحوال العسكرية والأمنية والاستراتيجية للبلاد المغربية بقصد تحرير تقارير دقيقة في الموضوع تنقل رأسا بعد الرحلة إلى أقسام الاستخبارات والدواوين المهتمة بها في العاصمة.
    ومن الأمور التي كان يوليها رئيس البعثة اهتماما خاصا عند التحضير لرحلته المرتقبة إلى البلاط، إعداد الهدايا والتحف النادرة قصد تقديمها أثناء المثول بين أيادي السلطان ووزرائه. وتحتل هذه الهدايا أهمية خاصة لموضوع هذه المداخلة، لأنها تقدم صورة معينة عن الدولة والبلاد التي أتت منها تلد الهدايا، ولابد أن يكون لها وقعها الخاص في نفسية السلطان ومستشاريه، وخاصة بعد منتصف القرن التاسع عشر، حين أصبحت جل الهدايا في شكل آليات حديثة الصنع ومن بين آخر المخترعات في مجالات شتى.

    2. ماجريات الرحلة: المسالك والصعوبات، فالوصول إلى البلاط:

    بعد تحديد موعد زيارة البعثة الأجنبية إلى بلاط السلطان، يخبر رئيس البعثة النائب السلطاني في طنجة بعدد الأفراد المرافقين له، فيحدد له مكان الزيارة، ويحضر له دواب الحمل والنقل والحراس الضروريين لمرافقة البعثة إلى البلاط. وحين يكون مقام السلطان بفاس أو بمكناس، فإن الرحلة غالبا ما تتم في كل أطوارها عبر البر انطلاقا من طنجة. وأما إذا كان مقيما في الرباط أو في مراكش، فإن أطوار الرحلة غالبا ما كانت تتم بحرا وبرا في الوقت نفسه. أي أن أعضاء البعثة قد يركبون البحر في طنجة وينزلون برا في الرباط. أو يركبون البحر في طنجة وينزلون برا في الجديدة للتوجه منها برا نحو مراكش. وتتراوح مدة الرحلة من طنجة إلى البلاط بين عشرة أيام وأسبوعين على أبعد تقدير.
    وقد جرت العادة أن يخرج رؤساء المفوضيات الأجنبية المعتمدين في طنجة لتوديع أعضاء البعثة السفارية المتوجهة إلى حضرة السلطان. ثم يخرج الموكب في عدد كبير من دواب الحمل والنقل، تحت حراسة عناصر من الجيش المخزني، يقودهم شخص عارف له إلمام كبير بالطرق والمسالك المؤدية إلى حيث يقيم السلطان. وقد ينطلق الموكب عند بزوغ الفجر، ويقطع مسافة إجمالية تتراوح بين الأربعين والخمسين كيلومترا في كل يوم حسب أحوال الطقس وحسب الحالة العامة للطرق والمسالك.
    وكلما مر الموكب السفاري أثناء رحلته بإحدى المجموعات القبلية الكبرى في الغرب أو الشاوية مثلا، أو بإحدى الحواضر، خرج القائد أو العامل أو الباشا بصفته ممثلا محليا للمخزن لاستقبال السفير وأعضاء بعثته للسلام عليهم وتشريفهم بألعاب البارود وإكرامهم بما لذ وطاب من الطعام والشراب. وعلى الرغم من الحراسة الشديدة على أعضاء البعثة، فإن حالات السطو والهجوم على مواكب البعثات الأجنبية القاصدة بلاط السلطان لم تكن أمرا نادر الوقوع. إلا أن الحراس غالبا ما كانوا يواجهون تلك المحاولات بكثير من الحزم والتوفيق، فتفتح الطرق أمام الموكب لمواصلة الطريق بسلام وأمان.
    ولا تخفى الأهمية التي يكتسيها مرور مواكب البعثات الأجنبية القاصدة بلاط السلطان بالنسبة لأقسام الاستخبارات العسكرية والمدنية على السواء. حيث يحرص المرافقون العسكريون للبعثة والتقنيون منهم على وضع خرائط وخطاطات تهم مسالك العبور، ونقط المياه من آبار ووديان، وتجمعات السكان القبلية والحضرية، وما إلى ذلك من الأخبار والمعلومات التي ينتهي الأمر بتسجيلها في تقارير يتم إيداعها بدواوين وزارات الخارجية والحربية والفلاحة وغيرها.

    3. مثول أعضاء البعثة بين يدي السلطان.

    وتنتهي رحلة البعثة السفارية بوصول أعضائها إلى مشارف المدينة التي يقيم فيها السلطان. وعادة ما يقضي المبعوث الأجنبي ومرافقوه يوما كاملا في المخيم للاستراحة قليلا من متاعب الرحلة قبل الدخول إلى المدينة دخولا رسميا. ويبدو أن مراسيم دخول أعضاء البعثات الأجنبية إلى المدينة التي يقيم فيها السلطان قد طرأ عليها بعض التحول منذ منتصف القرن التاسع عشر. إذ كان دخولها يمر قبل هذا التاريخ في صمت نسبي، ويكاد السكان لا يعلمون حتى بخبر وصول أعضائها. أما بعد خمسينيات القرن التاسع عشر، فقد أصبح أمرا عاديا أن يأمر السلطان بخروج السكان للترحيب بالسفير ومرافقيه عند دخوله المدينة.
    وبطبيعة الحال، فإن السفير والمرافقين له، يحلون ضيوفا حقيقيين على السلطان وبلاطه كل أيام وجود البعثة في المدينة. وكان السلطان يضع رهن إشارة البعثة إقامة رفيعة تليق بمستوى الدولة التي يمثلها السفير الوافد على البلاط. وغالبا ما كانت جل البعثات الأجنبية تقيم في فاس ومراكش بدار بنيس أو في قصر ابن إدريس أو ما شابه ذلك من دور كبار الأعيان والشخصيات المخزنية البارزة. كما يتكفل القصر السلطاني بإطعام السفير وأعضاء بعثته بأفخر الأطعمة والأشربة طوال مدة الإقامة، وقد ساهم السكان من أعيان المدن المستقبلة ووجائها في ذلك، في حالات معينة سواء في فاس أو في مراكش.
    وجرت العادة بأن يستقبل السلطان رئيس البعثة ومرافقيه في حفل رسمي في اليوم الثالث من وصوله إلى البلاط. وكان السلطان يخرج من قصره ممتطيا صهوة جواده، إلى أن يصل إلى الفناء المخصص للاستقبال، فيبقى راكبا، بينما يظل رئيس البعثة الأجنبية ومرافقوه واقفين أمامه بكل الاحترام والإجلال. ولم تكن هذه المراسيم لتروق بعض ممثلي الدول الأجنبية الوافدين إلى حضرة السلطان، وخاصة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حين بدأت تظهر ملامح الضعف واضحة على بنيات المخزن العتيقة. إذ لاحظ بعضهم بأن مراسيم استقبال السلطان لأي كان من ممثلي الدول المعتمدين في بلاده لا تختلف في شيء عن مراسيم استقباله لأحد عماله المعينين على رأس عمالة من عمالاته أو لأحد قواد القبائل حين يزورونه في مناسبات مختلفة لتقديم الولاء أو الهدايا. ثم ذهب إلى أبعد من ذلك، فقال بأنه ليس هناك إقرار ظاهري حتى من جانب السلطان نفسه ولا من جميع وزرائه أو من بقية خدامه، بأن السفير الأجنبي الماثل أمامهم واقفا أثناء مراسيم الاستقبال هو الممثل المعتمد لإحدى أعظم دول العالم.
    وعلى الرغم من أن مثل هذه الانتقادات ربما وصلت بعض أصدائها إلى مسامع السلطان، فإن هذا التقليد قد استمر إلى حدود سنة 1902 حين قرر السلطان مولاي عبد العزيز أن يكتفي باستقبال الوزير المفوض البريطاني نيكولسن، الذي حل ضيفا عليه في زيارة رسمية بالرباط، في قاعة داخلية وسط القصر، فبقي السلطان جالسا طوال مدة الاستقبال. بينما جرت بقية المراسيم على النمط السائد في بلاطات أوربا. وفي هذا مؤشر دال على بداية حدوث تغيير لا يستهان بأهميته في التصور الجديد الذي أصبح يميز علاقة المخزن بممثلي الدول العظمى ولو على مستويات البروتوكول.
    وكانت عملية تقديم الهدايا من رؤساء البعثات إلى السلطان محطة هامة في الزيارة. وتعكس نوعية الهدايا وطبيعتها درجة الأهمية التي تحتلها الدولة المهدية في أعين السلطان ووزرائه. ويبدو أن الأسلحة النارية الحديثة الصنع قد مثلت أهم أنواع الهدايا المقدمة إلى السلطان. وتأتي بعدها المخترعات التقنية الحديثة، مثل الساعات الجيبية والحائطية الرفيعة الجودة، وآليات التلغراف، ونماذج من آلات التبريد، والكهرباء وآلات التصوير، وغيرها. وقد توصل السلطان أحيانا بخرائط للدول الأوربية وبلوحات زيتية كبيرة الحجم تمثل صورا لبعض الملوك والرؤساء الأوربيين. ناهيك عن مختلف أنواع الأثواب والأقمشة الرفيعة، والمجوهرات والحلي النفيسة، من الذهب والماس وغيرها.
    وكان مجرد الحضور الشخصي لرؤساء البعثات الأجنبية ومرافقيهم الوافدين من تخصصات عسكرية ومدنية كافيا لإثارة فضول السلطان ووزرائه وآل بيته على مستويات عدة. ومن أبرزها المظهر الخارجي لعناصر البعثة، سواء من الناحية العرقية، كالبياض الشديد للبشرة، ولون الشعر الأشقر والعيون المتباينة الألوان بين زرقاء وخضراء، وخاصة حين أصبحت النساء الأوربيات من زيجات السفراء وبناتهم يرافقن البعثة السفارية إلى حضرة السلطان. وكانت الملابس التي يرتديها أعضاء البعثة موضع اهتمام كبير من لدن كافة المغاربة حكاما ومحكومين. فالملابس الأوربية الرجالية منها والنسائية، المدنية منها والعسكرية، بحكم اختلافها الكلي عن ملابس المغاربة كانت تثير فضول الحاضرين منهم أثناء مراسيم الاستقبال الرسمية وعند الحضور في الولائم العديدة سواء في ضيافة السلطان أو في ضيافة وزرائه وكبار موظفيه. وكثيرة هي المناسبات التي حاول فيها رؤساء البعثات الأجنبية مفاتحة السلطان ومستشاريه وعماله وقواده حول أهمية اتخاذ المغاربة الزي الأوربي الملتصق بالجسد، وخاصة لدى عناصر الجيش على الأقل. بدعوى أن الملابس المغربية الفضفاضة، على الرغم مما تسم به من روعة وجمال، لا تتيح كثيرا من الحركة لمن يرتدونها وخاصة عند ركوب صهوات الخيول أو غيرها من الدواب، أو عند القيام ببعض الأعمال التي تستلزم كثيرا من الخفة في الحركة والأداء.
    أما بقية أشكال المظهر الخارجي للأوربيين، من قبعات وطرابيش فوق الرؤوس، وأحذية جلدية طويلة وقصيرة في الأرجل، وقفازات جلدية أو صوفية في الأيادي؛ ناهيك عن طريقة تصفيف الشعر، واتخاذ اللحى والشوارب الطويلة والملتوية، فكلها كانت من الأمور التي تعكس الاختلاف الحضاري الموجود بين الشرق والغرب عامة، وبين المغرب الأقصى وجيرانه الأوربيين، فيثير الاستغراب والإعجاب لدى الجانبين.
    وهكذا، فإذا كان السلطان يتحاشى، لأسباب كثيرة ما زالت في حاجة إلى البحث والتدقيق، الذهاب في رحلات خارج أرضه نحو أوربا، فإن حلول البعثات الأجنبية بين أحضانه، كانت تجعل أوربا ومظاهرها الحضارية والتقنية والعلمية، تقتحم أبواب القصر السلطاني وتمثل حاضرة بين يديه. إما مثيرة إعجابه، أو مقلقة باله وراحته، نظرا لما كانت تعكسه من مظاهر التفوق والعظمة في خلد السلطان وحاشيته.
    هذا على مستوى المظهر الخارجي لأعضاء البعثة. لكن، يبدو واضحا، أن رؤساء البعثات الأجنبية لم يكونوا ليتكبدوا متاعب الرحلة هم ومن يرافقهم من أوربا أو على الأقل من طنجة إلى بلاط السلطان في فاس أو مكناس أو مراكش من أجل الاكتفاء بتقديم عرض للأزياء أو استعراض نماذج وعينات من ثمرات المصانع الأوربية. لقد كان الأمر يتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق، وخاصة بعد منتصف القرن التاسع عشر، حين شرع بعضهم من البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين والبلجيكيين والأمريكيين، أثناء تلك الزيارات القصيرة الأمد، في توجيه دعوات حقيقية بل ومشاريع عملية إلى المخزن المركزي في مستوياته العليا، لإحداث تغييرات وتحولات جذرية في كثير من مجالات الحياة المغربية، الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية، بل وحتى الدينية في بعض الأحيان. وذلك ما اصطلح عليه بمحاولات الإصلاح المغربية بتأثير من الأجانب الذين حاولوا تغيير أوضاع المغرب بما يناسب تطلعاتهم وطموحاتهم الاقتصادية والسياسية.
    وإذا حاولنا البسط في هذا الموضوع، فإن الأمر يطول كثيرا لكثرة النماذج الموجودة في هذا السياق، وما يهمنا في هذه المداخلة هو إثارة الانتباه إلى هذا النوع القوي من الحضور الأوربي داخل البلاط وبين أحضان السلطان، في علاقاته المتداخلة مع الرحلات الأوربية إلى المغرب، بغض النظر عن قبوله أو محاولة رفضه من طرف السلطان وحاشيته، لأن هذا موضوع آخر ولا سبيل للخوض فيه هنا.

    الببليوغرافية:

    ابن زيدان، عبد الرحمن، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، الطبعة الثانية، خمسة أجزاء، الدار البيضاء، 1990.
    العلائق السياسية للدولة العلوية، تقديم وتحقيق عبد اللطيف الشاذلي، المطبعة الملكية، الرباط، 1999.
    ابن الصغير، خالد، المغرب في الأرشيف البريطاني، مراسلات جون دراموند هاي مع المخزن، 1846 – 1886، منشورات ولادة، الدار البيضاء، 1992.
    المغرب وبريطانيا العظمى خلال القرن التاسع عشر، منشورات كلية الآداب بالرباط، 1997، الطبعة الثانية.
    بريطانيا وإشكالية الإصلاح في المغرب، 1886 – 1904، منشورات وزراة التعليم العالي والبحث العلمي، دار أبي رقراق، الرباط، 2003.
    سيمو بهيجة، العلاقات المغربية الإيطالية، 1869 – 1912، منشورات اللجنة المغربية للتاريخ العسكري، سلسلة رسائل وأطروحات رقم 2، الدار البيضاء، 2003.
    Baudry, (I), Rune ambassade au Maroc en 1769, Revue des Questions Historiques, 1906, juillet.
    Bonsal, Stephen, Morocco as it is, with an account of Sir Charles Euan – Smith Urecent mission to Fez, London, 1894.
    Braithwaite, John, The History of the Revolutions in the Empire of Morocco, London, 1729.
    Brooks, L.A.E., A memoir of Sir John Drummond Hay Somatime Minister at the Court of Morocco, London, 1896.
    Caillé, Jacques, Les accords internationaux du Sultan Sidi Mohammed Ben Abdellah (1757–1790), 1960.
    QQQQ, La mission du Capitaine Burel au Maroc en 1808, 1953, Paris.
    Charles – Roux, François, Missions diplomatiques françaises à Fès, 1955, Paris.
    Dawson, A.J., Things seen in Morocco, London, 1904.
    Edmund, Planchet, Rles Anglais au Marocs, Revue de monde musulman, Juin, 1893.
    Guillen, Pierre, L’Allemagne et le Maroc de 1870 à 1905, Paris, 1967.
    Hall, Luella, The U.S.A. and Morocco, 1776–1969, New Jersey, 1971.
    La Martinière, Henri de, Souvenirs du Maroc, voyages et missions, 1882–1918, 1919, Paris.
    Laroui Abdellah, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, Paris, 1977.
    Morsy, Magali, La relation de Thomas Pellow, Une lecture du Maroc au XVIII siècle, 1983, Paris.
    Penz, Charles, La mission du Capitaine Burel envoyé de Napoléon I au Sultan Moulay Slimane, 1808–1810.
    Saint–René Taillandier, Georges, Aux Origines du Maroc Français, Récit d’une mission 1901–1906, Paris, 1903.
    Trotter, Philip D., Our Mission to the Court of Morocco, Edimburg, 1881.
     

    د. خالد بن الصغير