توفي اليوم المفكّر الفرنسي بلغاري الأصل تزفيتان تودوروف (77 سنة)، الفائز بجائزة الأكاديمية الفرنسية وجائزة أمير أستورياس للعلوم الاجتماعية، وأحد أشهر المثقفين في العالم، بإحدى مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس.
تودوروف الذي ولد في العاصمة البلغارية صوفيا سنة 1939، توجّه إلى فرنسا للدراسة وهو في سن الرابعة العشرين. التي تحوّلت إلى موطن ثان حيث حصل على جنسيتها، وخصوصاً اعتمد لغتها في كتابة كل أعماله. لذلك يتم تقديم تودروف عادة، رغم أصوله ونشأته الأولى في بلغاريا، بوصفه أهم المفكرين والنقاد الفرنسيين المعاصرين، ولا يرتبط الأمر هنا بجنسيته الفرنسية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى كونه من بين رموز الفكر والنقد الذين مارسوا تأثيرًا حادًا على الثقافة الفرنسية المعاصرة، وذلك ما يؤكده ارتباط اسمه بمؤسسات أكاديمية فرنسية أصيلة وفاعلة في المشهد الثقافي الفرنسي.
أما اهتماماته النقدية في مجال الأدب، فيعتبر من رموز المنهج البنيوي في فرنسا، إلى جانب كل من رولان بارت وجيرار جنيت، وقد بلور نزوعه البنيوي هذا، من خلال مشاركته لجيرار جنيت في الإشراف على مجلة poétique التي تعد صوت البنيويين، كما زكّى ذلك بتوجهه إلى مجال الترجمة الذي وظفه ضمن اهتمامه النقدي نفسه.
عرفت مسيرته تطوّرات متنوّعة، حيث انطلق من دراسة الأدب، مراوحاً في تناوله بين المقاربات اللسانية والسيميولوجية. كانت أبرز أعمال هذه المرحلة "نظرية الأدب" (1965) و"الأدب والدلالة" (1967) و"مدخل إلى الأدب العجائبي" (1970).
تُمثّل السبعينيات، فترة الاعتراف الأكاديمي بمساهمة تودوروف، و بُعده التنظيري. كانت أبرز أعمال هذه المرحلة كتاب "الشعرية" الذي ظل إلى أيامنا مرجعاً في الدراسات الأسلوبية للكتابة الإبداعية. مروراً بـ «ديكاميرون» وقواعده النحوية وبميخائيل باختين والمبدأ الحواري... لينهل لاحقا من منهجيات الأنثروبولوجيا والتاريخ ويهتم أكثر فأكثر بقضايا الحياة العامة. الى أن يصل إلى كتابه النبيل والمرعب "غزو أميركا: مسألة الآخر"1984
تبرز لدى تودوروف نزعة إنسانوية تترفّع عن الخطاب الهوياتي، كما تبرز قدرته على توليد الأفكار التنويرية، سنجد أثرها في أعمال مثل "مديح اليومي" (عمل حول رسامي القرن السابع عشر في هولندا) و«نحن والآخرون» 1989، الذي تلاه بعد عامين: «غويا على ضوء عصر الأنوار».و"التراجيديا الفرنسية" (يعود إلى تفاصيل حركة تحرير فرنسا من الغزو النازي) ، و(قبالة الحد الفاصل) الذي يتطرق لمجالات التركيز، و(انتهاكات الذاكرة) في 1995 و"الأمل والذاكرة (2000)"، و"الحديقة المنقوصة : تركة الانسانيه (2002)".وصولاً إلى آخر إصداراته "الجامحون" وفيه يرسم ثمانية بورتريهات لشخصيات متمردة . فيما نجح تودوروف بكتابه "الأدب في خطر" في تحويل النقاش حول مسائل أكاديمية، غالباً ما تكون عويصة وجافة، إلى نص شيق وممتع، وذلك من خلال مزجه الذكي بين الذاتي والموضوعي، بين تاريخ النقد والتعاطي مع الأدب، وبين سيرته المهنية والشخصية.
وضمن هذه الأعمال التي تجمع التاريخ والسياسة والفلسفة، يظل كتيّبه "ما الأنوار؟" أحد أبرز المراجعات للتاريخ الحديث من خلال الحفر في الجذور الفكرية للحداثة معتبراً أنه من دون فهم القرن الثامن عشر سيظل الحاضر غامضاً. يقول الناقد الكبير تزفتيان تودوروف، تحت عنوان «لماذا نحن دوماً في حاجة إلى فكر الأنوار»: «تبقى مبادئ الأنوار الكبرى راهنية أكثر من أي وقت مضى. فبمقدورنا على سبيل المثال أن نعود إليها للدفاع عن نظرية التطور، أو إدانة التعذيب الذي يمارس باسم دواعي المصلحة العليا للدولة، وبإمكاننا التسلح به لنشجب وندين الحروب الحالية التي تزعم نشر الحرية والديموقراطية، ولنحترم تعدد الثقافات والسياسات، واعتبار النجاح الاقتصادي وسيلة لا غاية».
يمكن اعتبار الناقد الأدبي والسيميائي وفيلسوف اللغة تودوروف واحد من كبار واحد من كبار المنظّرين والمفكرين في عصرنا، فاسمه يتردد بصورة مستمرة في الدراسات التي تتناول أموراً متعلقة بالنوع الروائي، أو اللسانيات، أو الطبيعة الحوارية للممارسات الإنسانية، أو فكر التنوير، أو الحداثة .
-