للإعلان على مواقع الشبكة
 
 

 
  وثائق الصراع العربي الصهيوني> من أكتوبر 1970- نوفمبر 1970  
 

الوثائق من 1798 - 1921 الوثائق من 1921- 1931 الوثائق من 1931- 1968 الوثائق من 1969- 1970 الوثائق من 1970- 1971 الوثائق من 1971- 2002

بروتوكول لتنفيذ اتفاقية عمان
عمان، 22/ 10/ 1970
(الطليعة، العدد 9، القاهرة، أيلول - سبتمبر – 1971)
تنفيذًا للبنود الثاني والثالث والرابع والسادس من اتفاقية عمان وإعمالاً لنصوص لائحة تنظيم أعمال اللجنة العسكرية العليا وما يتفرع عنها من لجان فقد اجتمع في الساعة التاسعة من صباح يوم الأربعاء الموافق 21/ 10/ 1970 الآتي أسماؤهم:
العميد أحمد عبد الحميد حلمي رئيس اللجنة العسكرية العليا.
اللواء الركن محمد خليل عبد الدايم رئيس هيئة الأركان.
اللواء الركن زيد بن شاكر مساعد رئيس هيئة الأركان.
اللواء الركن زهير عمر مطير مدير الأمن العام.
الزعيم الركن مفضي عبد المصلح مدير العمليات الحربية.
المقدم أحمد عبيدات مساعد مدير المخابرات العامة عن الحكومة الأردنية.
العميد الركن عبد الرزاق اليحيى القائد العام لجيش التحرير.
العقيد الركن سمير الخطيب.
العقيد أحمد عفانة.
العقيد جواد عبد الرحيم.
المقدم نهاد نسيبة.
السيد أبو صبري.
السيد أبو أياد عن اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
واتفقوا على ما يلي:
أولاً: ( أ ) أن يكون المقر الرئيسي للجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية بجميع فروعها حسب الجدول الملحق بهذا البروتوكول.
(ب) أن يكون عدد العمارات المخصصة لجميع مكاتب ودوائر منظمة التحرير الفلسطينية عشر عمارات بحد أعلى.
(جـ) يخصص عمارتان لجيش التحرير بجميع فروعه ومكاتبه.
(د) تخصص عمارة واحدة كمستشفى لجيش التحرير.
(هـ) يختار مكان جديد لمبنى الكفاح المسلح وكذلك مكان جديد لجيش التحرير على ألا يعود لأي من هاتين الهيئتين أو أية هيئة أو مكاتب أو قوات من قبل الفدائيين إلى إعادة احتلال المبنيين القديمين.
ثانيًا: مكاتب اللجنة المركزية:
يفتح في كافة مدن المملكة الأردنية الهاشمية مكاتب تابعة للجنة المركزية، وكذلك في المخيمات كالآتي:
( أ ) تخصص عمارة في مدينة أربد وبناية مناسبة لتكون مكتبًا في مدينة الزرقاء.
(ب) تحدد أماكن المكاتب في المدن بمعرفة اللجنة العربية العليا.
(جـ) تحدد أماكن المكاتب في المخيمات بمعرفة اللجنة العربية العليا.
ثالثًا: الحراسات:
تكون الحراسات على جميع القيادات والمكاتب والدوائر التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية كالآتي:
( أ ) فصيلة من جيش التحرير قوامها ثلاثون فردًا.
(ب) عشر حظائر من جيش التحرير تتكون كل حظيرة من ثمانية أفراد.
ويكون بذلك مجمل أفراد الحراسات اللازمة مائة وعشرة أفراد.
التسليح:
(جـ) يكون التسليح لهذه الحراسات تسليحًا شخصيًا وهو إما المسدس أو البندقية الكلاشنكوف.
رابعًا: حراسات القيادات:
تخصص الحراسات للقادة العسكريين لمنظمة التحرير الفلسطينية كالآتي:
( أ ) القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية:
وحرسه الخاص حسب تقدير القائد العام من حيث عدد الأفراد والتسليح.
(ب) القائد العام لجيش التحرير الفلسطيني:
يحرسه حرسه الخاص حسب تقديره من حيث عدد الأفراد والتسليح.
(جـ) قادة القوات:
يخصص لكل قائد فردان للحراسة.
خامسًا: القيادات:
القيادة العامة ومقرها الرئيسي في مدينة عمان حسب ما ورد في التشكيل السابق الموضح في الجدول " أ " الملحق بهذا البروتوكول.
القيادات الفرعية:
يشكل في كل قطاع من القطاعات العسكرية مركز للقيادة ومركز تموين ومستودعات للإعاشة يختار مكانان في أطراف المدن ليكونا مقرًا للورش ومشاغل الصيانة ولا يجوز إطلاقًا أن يتواجد مسلحون في هذين المكانين.
القواعد:
تحدد مراكز القواعد كما حددت باتفاقية عمان.
مراكز القواعد التدريبية تحدد بعد استطلاع الأرض بما يناسب وينسجم مع تواجد القواعد الفدائية على ألا يتجاوز المناطق المنصوص عليها في اتفاقية عمان.
سادسًا: الكفاح المسلح:
( أ ) توزيع الأفراد:
يتم توزيع الأفراد في الكفاح المسلح كالآتي:
1 - في عمان:
( أ ) في نقط التفتيش على مداخل المدينة:
المدينة الرياضية خمسة أفراد.
مثلث صويلح خمسة أفراد.
ماركا خمسة أفراد.
أم الحيوان خمسة أفراد.
ب - في داخل مدينة عمان:
يحدد عدد أربعين فردًا للعمل كدوريات داخل المدينة للمحافظة على الانضباط العسكري.
2 - في جرش:
( أ ) في داخل مدينة جرش عشرة أفراد.
(ب) في مخيم سوف خمسة أفراد.
(جـ) في مخيم فزة خمسة أفراد.
(د) في مخيم البقعة خمسة أفراد.
وبذلك يكون جملة الأفراد في منطقة جرش خمسة وعشرين فردًا.
3 - في السلط:
يتواجد ستة أفراد.
4 - في ؟؟
يتواجد ستة أفراد.
5 - في الزرقاء:
( أ ) يتواجد في مدينة الرصيفة خمسة أفراد.
(ب) يتواجد في مخيم شنلر خمسة أفراد.
(جـ) يتواجد في مدينة الزرقاء عشرة أفراد.
وبذلك يكون جملة الأفراد في منطقة الزرقاء عشرين فردًا.
6 - يتواجد في مدينة أربد خمسة عشر فردًا.
7 - في مثلث الرمثا:
يتواجد في مثلث الرمثا خمسة أفراد.
8 - الرمثا:
يتواجد في مدينة الرمثا سبعة أفراد.
(ب) نظام العمل:
1 - لا يجوز لسيارات الكفاح المسلح أن يركب عليها أية رشاشات.
2 - أفراد الكفاح المسلح في مدن جرش والزرقاء وأربد والسلط والرصيفة والمخيمات يكونون عبارة عن دوريات راجلة وليست نقطًا ثابتة.
سابعًا: التنقل والتحركات:
( أ ) يسمح لأعضاء اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية ولجميع ضباطها بحمل سلاحهم الفردي (المسدس) على أن يكون مع كل منهم ترخيص من قيادة الثورة بحمل هذه الأسلحة.
(ب) ترقيم السيارات:
( أ ) تحدد أرقام السيارات العسكرية التابعة لجيش التحرير من قِبَل قيادة جيش التحرير وتُعْطَى أرقامًا خاصة وتحمل جميع الوثائق الخاصة بملكية هذه السيارات لهذه القوات وتتقيد بأنظمة السير المعمول بها في المملكة.
(ب) يحدد لون خاص لهذه السيارات.
(جـ) تحدد أرقام سيارات قوات الثورة الفلسطينية وتُعْطَى أرقامًا محدودة وتحمل جميع الوثائق التي تثبت ملكية هذه السيارات للثورة، وتتقيد بأنظمة السير المعمول بها.


مذكرة اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى السيد الباهي الأدغم، رئيس اللجنة العربية العليا للمتابعة، حول الحكم العسكري والأوضاع الاستثنائية في الأردن
عمان،26/ 10/ 1970
(" المقاومة الفلسطينية والنظام الأردني "، مركز الأبحاث، بيروت، أيلول - سبتمبر - 1971)
الموضوع: الحكم العسكري والأوضاع الاستثنائية والمخالفات.
أقدم هذه المذكرة نيابةً عن اللجنة المركزية من أجل اتخاذ الإجراءات السريعة اللازمة بشأن المواضيع الواردة فيها:
1 - الحكم العسكري:
صحيح أن حقوق ممارسة الحكم العسكري قد أعيدت إلى ما كانت عليه قبل الخامس عشر من شهر أيلول (سبتمبر) 1970، فأصبح رئيس الوزراء هو الحاكم العسكري العام والحكام الإداريون في مناطقهم هم الحكام العسكريون المحليون بدلاً من القائد العام للقوات المسلحة الأردنية والقادة العسكريين. غير أن مضمون الحكم العسكري ما زال قائمًا من حيث التطبيق والتنفيذ. ولا جدال بأن تعليمات الأحكام العرفية نافذة المفعول في البلاد منذ الخامس من حزيران (يونيو) لغاية 15/ 9/ 1970 لم تكن موجهة للداخل وإنما كانت موجهة لمقتضيات الحرب ضد العدو الصهيوني، وبقيت الإدارة المدنية إجمالاً هي المسؤولة عن الوضع داخل البلاد، وهذا ما هدفت إليه اتفاقية القاهرة المؤرخة في 27/ 9/ 1970 بأن تتحمل سلطات الأمن الداخلي تحت الإدارة المدنية مسؤولية الأمن وبإنهاء المظاهر الاستثنائية والحكم العسكري.
ومن مظاهر الحكم العسكري: منع التجول واستمرار الحظر على تحرك عدد كبير من سيارات الأجرة، عدم السماح لتجمع أكثر من خمسة أشخاص، منع السفر للخارج بدون تصاريح من الحاكم العسكري، التفتيش والاعتقال، انتشار الجنود في الشوارع في دوريات مسلحة ثابتة ومتحركة، نقاط التفتيش الكثيفة العدد والتسليح في معابر ومداخل المدن وفي مفارق الطرق العامة وغير ذلك.
2 - الوضع في مدينة الزرقاء:
ما زالت مدينة الزرقاء تعيش في ظروف استثنائية قاسية جدًا ويلخص الوضع في الزرقاء على الوجه التالي:
لا يزال الجيش يحتل مدينة الزرقاء والدوريات المسلحة بالرشاشات تجوب جميع الشوارع وينتشر الجنود فيها ويرابطون على أسطحة المنازل وما زالت تُجْرَى مداهمة وتفتيش المنازل والاعتقالات على نطاق واسع، هذا فضلاً عن أن بعض الجنود في بعض الحالات يضربون المواطنين في منازلهم أو في الشوارع العامة، يضاف إلى هذا أن كثيرًا من الجنود المنتشرين في المدينة يطلقون النار في معظم أوقات الليل بكثرة وبدون داعٍ مما يثير الفزع والقلق.
لقد تم بحث الحالة في الزرقاء عدة مرات في اللجنة العليا للمتابعة وفي المكتب العسكري، وقام رئيس اللجنة العليا بزيارته لهذا الغرض وكذلك زارها رئيس المكتب العسكري عدة مرات.
ولكن برغم الجهود التي بذلها رئيس اللجنة العليا ورئيس المكتب العسكري، فإن أوضاع الزرقاء بقيت على ما هي عليه دون أن يطرأ عليها أي تغير أو تبديل، وما زال منع التجول فيها من السادسة صباحًا لغاية السادسة مساءً.
3 - الوضع في الرمثا وعلى امتداد طريق الرمثا - عمان:
تقوم وحدات من الجيش بين فترة وأخرى بقطع الطريق الرئيسي في الرمثا وينتشر جنود من الجيش حول مواقع كثيرة على امتداد الطريق الرئيسي من الرمثا - جرش - صويلح - عمان على شكل مجموعات، وفي كثير من الأحيان يتم توقيف السيارات وتفتيشها بما في ذلك سيارات الفدائيين وفي بعض الحالات يتم حجز هذه السيارات واعتقال من فيها.
4 - عرقلة حرية المرور إلى قواعد الفدائيين:
ما زالت بعض وحدات الجيش تغلق الطرق المؤدية إلى قواعد الفدائيين في بعض المناطق الشمالية مما يحول لغاية الآن من عودة الفدائيين إلى التمركز في قواعدهم السابقة، والوضع في الجنوب من هذه الناحية أكثر صعوبة مما هو عليه في الشمال حيث تزيد المصاعب والعراقيل. وهنا لا بد من التأكيد على أن بعض الأوساط المغرضة تحاول القيام بحالات تحريضية لدى المواطنين ضد عودة الفدائيين إلى قواعدهم خاصة في الجنوب وهذا أمر يتعلق بما تقوم به هذه الأوساط من تعبئة نفسية معادية للثورية الفلسطينية.
5 - تسريح الموظفين لعلاقتهم بالعمل الفدائي:
جرت بعض أعمال تسريح الموظفين لسبب علاقتهم بالعمل الفدائي.
6 - المعتقلون:
ما زالت حركة تصفية المعتقلات وإطلاق سراح من تبقى من المعتقلين تسير سيرًا بطيئًا، هذا بالإضافة إلى أنه ما زالت تُجْرَى هنا وهناك اعتقالات جديدة.
7 - تصاريح العمل للمقيمين من قطاع غزة:
تم توقيف مفعول تصاريح العمل المعطاة لعدد من المواطنين المقيمين في البلاد من قطاع غزة.
ختامًا تبدي اللجنة المركزية أنها نفذت كافة ما يترتب عليها من التزامات بمقتضى اتفاقي القاهرة وعمان... وبأنه كلما تم الإسراع من ناحية الدولة في إعادة الحياة العادية إلى البلاد وتعزيز الإدارة المدنية بما في ذلك صلاحية الادعاء العام المدني والضابطة العدلية المدنية كلما زادت عوامل الاطمئنان في نفوس جميع المواطنين من المدنيين والعسكريين والفدائيين وأخذ كل مواطن ينصرف كليًا إلى ممارسة شؤونه الطبيعية في جو ملائم من الهدوء والاستقرار. ومن ناحية اللجنة المركزية فإنها على استعداد كامل للمساهمة في كل ما يترتب عليها في هذا الخصوص لإعادة دوران عجلة التجارة والعمل والإنتاج، ولدفع هذه العجلة للدوران بمزيد من السرعة بما يعود على الوطن والمواطنين جميعًا بالراحة والخير على طريق بناء الأردن القوي المتماسك شعبيًا وعسكريًا واقتصاديًا وفي كل الميادين الأخرى.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.


بيان اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية حول قراراتها بشأن تنظيم علاقات العمل الفدائي بالسلطات اللبنانية والأهالي
بيروت، 30/ 10/ 1970
(المحرر، بيروت، 31/ 10/ 1970)
عقدت اللجنة السياسية العليا للفلسطينيين في لبنان اجتماعًا طارئًا مساء اليوم برئاسة الأخ أبو عمار، رئيس اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية والقائد العام لقوات الثورة، استعرضت فيه مجمل الأوضاع الفلسطينية في لبنان. وقد اتخذ في هذا الاجتماع عدد من القرارات التنظيمية الهامة تناولت معظم مرافق العمل الفدائي في الساحة اللبنانية هدفه توحيدها نهائيًا وتنظيم علاقاته بشكل واضح وحاسم مع الجماهير والسلطات اللبنانية ويكفل استمرار الثورة وتطورها والحفاظ على الروابط الصحيحة والحميمة التي تربطها بلبنان الشقيق الذي نحرص كل الحرص على سيادته واستقلاله. ومن هذه القرارات التي يجوز نشرها ما يلي:
أولاً: إلغاء كافة المكاتب الفرعية للمنظمات الفدائية في المعسكرات الفلسطينية والقرى اللبنانية والاكتفاء بمكتب واحد لكل تنظيم في العاصمة فقط. أما في المعسكرات فسيكون هنالك مكتب واحد يحمل اسم اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ثانيًا: إقرار مبدأ الجباية الموحدة وإلغاء جميع الإيصالات السابقة والعمل على إصدار إيصالات موحدة تحمل اسم اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ثالثًا: تشكيل عدد من اللجان الفرعية لملاحقة تنفيذ جميع هذه القرارات والعمل على الاتصال بجميع الفئات والقوى اللبنانية لتدعيم الصلات الأخوية بين الثورة وجماهير الشعب اللبناني الشقيق.


تقرير الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين حول حوادث الأردن والأوضاع الراهنة لحركة المقاومة
(الحريــة، الأعداد 541 و542، و543، بيروت، 16 و23 و30/ 11/ 1970)
مقدمة
لم تكن الحملة العسكرية والسياسية الشاملة التي نظمتها الرجعية الأردنية – الفلسطينية والإمبريالية الأميركية، هي الحملة الأولى والأخيرة وإن اختلفت في شمولها ونتائجها عن الحملات الأربع السابقة، كما أنها لم تكن موجهة للجناح اليساري في الثورة، كما تدعي الرجعية، أو بفعل " سياسة وتصرفات " الجناح اليساري كما تزعم بعض الدوائر اليمينية في حركة المقاومة.
إن حملة أيلول (سبتمبر) هي حلقة في سلسلة حملات على المقاومة والشعب توالت طيلة السنوات الثلاث الأخيرة. وكل هذه الحملات هي نتيجة موضوعة لا يمكن القفز عنها، فهي وليدة التناقض الدائم بين النظام الطبقي شبه الإقطاعي - البورجوازي الكومبرادوري والمرتبط بالاستثمار والإمبريالية من جهة، وبين حركة التحرر الوطني الفلسطينية - الأردنية من جهة أخرى. وكل المحاولات التي جرت لطمس هذا التناقض انتهت إلى الفشل تحت إصرار الرجعية على تغليب التناقض الثانوي " الطبقي" على التناقض الرئيسي " الوطني والقومي مع العدو الصهيوني الإمبريالي" قبل حزيران (يونيو) 67 وبعده. ولا نأتي بجديد إذا كررنا التذكير بدور الرجعية في عمان والتي شكلت صمام أمن تاريخي للحركة الصهيونية والاستعمار قبل عام 1948 ولدولة إسرائيل وللثورة المضادة في المنطقة العربية بعد عام 1948، كما إننا لا نأتي بجديد عندما نذكر دور الرجعية في المحاولات الدؤوبة لقمع وتصفية العمل الفدائي قبل 1967(ممثلاً بتجربة فتح) وقبل أن يكون له وجود تنظيمي أو عسكري مباشر على المساحة الأردنية - الفلسطينية. وبعد حرب حزيران(يونيو) 1967 وقبل أن يولد يسار المقاومة وحتى قبل أن يوجد السلاح بيد الجماهير في المدن قامت الرجعية بحملتها الأولى (التطويق وإبادة العمل الفـدائي فـي الأغـوار بتـاريخ 2/ 2 / 1968) ثـم الحملة الثانية فـي 4/ 11/ 1968 بعمان والمدن الأخرى وقبل أن يولد يسار المقاومة. وهكذا تتابعت الحملات على الثورة والجماهير. وهذا كله يعود لعاملين، الأول الطبيعة الطبقية الرجعية للنظام في عمان والمعادية للحركة الوطنية والثورة المسلحة، والثاني ارتباط النظام في عمان بالإمبريالية واستجابته لمخططاتها في ضرب الحركات والثورات الوطنية.
إن الجهلة بالتاريخ الحديث للرجعية الأردنية - الفلسطينية والعربية، وبتاريخ الإمبريالية في المنطقة والعالم، واليمينيين المشبوهين وطنيًا داخل صفوف المقاومة هم الذين يستجيبون لأضاليل الرجعية بأن الحملة استهدفت يسار المقاومة أو أن يسار المقاومة قد دفع الرجعية للأخذ بها، ومثل هذا النفر حان الوقت لتلفظه حركة المقاومة من بين صفوفها.
التطورات السياسية والعسكرية قبل حملة أيلول (سبتمبر)
أولاً: سياسيًا:
مع مطلع عام 1970 بات واضحًا أن الدوائر الإمبريالية والمرجعية العربية تعتبر عام 70 - 71 عام تصفية للقضية الفلسطينية ولحركة المقاومة (الضغوطات السياسية الأميركية على القاهرة مباشرة، زيارة سيسكو، العسكرية الإسرائيلية ونقل الحرب إلى أعماق الأرض العربية – خاصة الجمهورية العربية المتحدة، انفجار مؤتمر القمة في الدار البيضاء، اشتداد حملات قمع وتصفية المقاومة فـي بيروت وعمان، حملة تشـرين الثاني - نوفمبـر - 69 في لبنان، حملة 10/ 2 و7/ 6/ 70 في عمان). (راجع جريدتي الشرارة وفتح).
كما أن السياسة السوفييتية - العربية الرسمية أيضًا تدفع بتحويل عام 70 - 71 إلى عام حل لأزمة الشرق الأوسط، من مواقع واعتبارات مختلفة وحسب المضمون السوفييتي - المصري لقرار مجلس الأمن.
كل هذا أنتج مشروع روجرز الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأميركية (أواخر أيار- مايو - 70) وأعلنت القاهرة وعمان عن قبوله (أواخر تموز- يوليو - 70) وبهذا دخل قرار مجلس الأمن إلى حيز الإجراءات التنفيذية. وكان من أولى ثمراته تحويل المعركة من صراع مع العدو الرئيسي (الصهيوني الإمبريالي) إلى الصراع داخل الجبهة العربية لتدخل الرجعية معركتها الحادة مع حركة المقاومة، وتدخل فصائل حركة التحرير العربية حالة من الصراع بينها. وكما أوضحت بيانات الجبهة بالذات " أن مشروع روجرز هو خطوة كبيرة على طريق فتنة الحرب بالشرق الأوسط ". (بيانات تموز - يوليو - آب - أغسطس - 1970 ".
ثانيًا: عسكريًا:
فقد أخذت الرجعية في عمان بإعداد كامل قواها لحملة " التطويق والإبادة الحاسمة "، بعد أن استوعبت جيدًا دروس حملة حزيران (يونيو) 70. فأخذت في تنفيذ " الانقلاب الملكي الأبيض " داخل صفوف الجيش والأمن العام والمخابرات لإحكام قبضتها الحديدية على مؤسسات الدولة القمعية وتحويلها بالتعبئة السياسية والنفسية لشن حرب " التطويق والإبادة " على المقاومة والجماهير، كما جاءت بحكومة جديدة بها بعض الوجوه البورجوازية الوطنية لتكون بمثابة "حصان طروادة " لتضليل المقاومة والشعب (تصريحات ناطق بلسان الجبهة إلى جريدة صوت الجماهير - الطلائع - جريدتي الشرارة، وفتح). وبدأ القصر في إعادة توزيع قواته حول عمان لإحاطتها بطوق دائري كامل، وبذات الوقت تؤكد حكومته حرصها على فك الحصار حول عمان (حكومة تجمع بين اليمين المعتدل والبورجوازيين الوطنيين) (راجع جريدتي فتح والشرارة). ولإتمام ترتيبات الحملة ذهب الملك إلى القاهرة 20 - 23 آب (أغسطس) 70 ليطالب على رأس جدول أعمال المباحثات بتصفية العمل الفدائي (الشرارة - أيلول - سبتمبر - 70). كان هذا يجري تحت غطاء حكومة الرفاعي اليمينية المعتدلة واللجنة العربية الخماسية التي أوفدتها الجامعة العربية لتنظيم العلاقة بين المقاومة والنظام الرجعي. ولم ينسَ القصر اختبار صلابة الطوق العسكري حول عمان وانضباط الجيش في تنفيذ الأوامر المعادية للشعب بدقة، كما جرى في اختبار الاستجابة لقصف عمان في 31/ 8 و1/ 9/ 70.
وطيلة الوقت من 7/ 6 حتى 16/ 9 لم ينقطع الجسر الجوي لنقل الذخائر والعتاد الكافي لتغطية الحملة البربرية من العواصم الاستعمارية (واشنطن، لندن، وعن طريق ألمانيا الغربية).
إن كل هذه الوقائع كانت مكشوفة لحركة المقاومة ولم تأتِ الحملة مفاجئة لأي فصيل أو للجنة المركزية للمقاومة.
وعربيًا: عمل القصر على الإفادة القصوى من موافقة القاهرة على مشروع روجرز، ومن المواقف المتعارضة التي نشأت بين القاهرة وحركة المقاومة لإكمال انقلابه الملكي الأبيض في صفوف الجيش والأمن العام وإحكام قبضته على أجهزة الدولة، واستثمار الحالة الجماهيرية الناصرية بشكل عام وحالة البورجوازية الوطنية المتعاطفة مع القاهرة تاريخيًا (وزارة الرفاعي، البلبلة في الشوارع)، كما عمل القصر على الإفادة من الأوضاع العربية الحاكمة الرجعية ومن الصراع السياسي الذي نشب في صفوف حركة التحرر الوطني إزاء موقف القاهرة وبين المقاومة والأنظمة العربية الوطنية التي تؤيد قرار مجلس الأمن. وكما يبدو أنه كان مطمئنًا لموقف بغداد رغم عمليات التهويش وعرض العضلات التي مارستها بغداد في صالح المقاومة (الإنذار الشهير بشكل خاص) والتطورات والوقائع اليومية (خاصة بعد فشل حملة حزيران - يونيو - 70 وبشكل أكثر دقة بعد 31/ 8/ 70 حيث قصفت القوات الملكية مدينة عمان بالمدفعية الثقيلة ومدفعية الدبابات)، كلها كانت تؤكد أن الحملة الخامسة على الأبواب.
لقد بادرت الجبهة إلى طرح المسألة على الجماهير والمقاومة (وثيقة الجبهة إلى المجلس الوطني الفلسطيني السابع بالقاهرة من 27 إلى 31/ 5/ 70) أكدت أن عام 70 - 71 هو عام التصفية للقضية الفلسطينية وحركة المقاومة، وبأن المسألة الأكثر خطورة الآن هي محاولة تصفية حركة المقاومة في الأردن ولبنان. وفعلاً ما كاد اجتماع المجلس ينتهي حتى بدأت الحملة العسكرية الرابعة في عمان والزرقاء 7 حزيران (يونيو) ولم يصل بعد معظم القيادات الفلسطينية إلى عمان.
كما عملت الجبهة على حسم مجموعة قضايا أولية تتعلق بحياة الثورة وسلامة خطها الوطني في الساحة الأردنية - الفلسطينية من خلال المجلس الرابع بعد أن حجب بعض عناصر فتح ويمين المجلس إقرارها في المجلس السادس أيلول (سبتمبر) 1969 وأبرزها:
تأكيد وحدة الساحة الفلسطينية الأردنية، ردًا على اتجاه فتح بفلسطنة القضية الفلسطينية دون الالتفات إلى ما يجري في الأردن. أي تأكيد قانون الترابط اليومي بين متابعة الكفاح المسلح ضد العدو القومي وبين حماية الثورة في عمان، وضرورة تأمين قاعدة وطنية صلبة بالأردن تشل هجمات الثورة المضادة ومخططات الإمبريالية لتصفية القضية الفلسطينية والمقاومة.
تأكيد وحدة الشعب في الساحة الفلسطينية الأردنية ممثلة بوحدة كافة المؤسسات المهنية والنقابية والوطنية، بعد أن مضت فتح في انتهاج سياسة إقليمية خاطئة مهنيًا ونقابيًا، وما يترتب على هذا النهج من نتائج سلبية لا تتناول فقط تمزيق وحدة الشعب بل أيضًا سلامة الثورة، وعزل أبناء شرق الأردن عمليًا وموضوعيًا عن تلمس المصلحة الوطنية والطبقية بالثورة الوطنية الفلسطينية.
تأكيد تعميق التحالفات الوطنية بضم جميع فصائل المقاومة إلى إطارات التحالف المشترك (إطارات منظمة التحرير وتشكيل اللجنة المركزية بقرار من المجلس الوطني).
ومع أن هذه الخطوات أقرها المجلس الوطني إلا أنها جاءت فعلاً متأخرة كثيرًا لتحصد الثورة والحركة الجماهيرية بالتالي نتائج هذه السياسة الخاطئة في أيلول (سبتمبر) 1970 وبشكل صارخ.
وبعد حملة حزيران (يونيو) 70 الفاشلة جاءت موافقة القاهرة وعمان (من موقعين مختلفين) على مشروع روجرز الاستعماري لتدفع بالصراع بين المقاومة والرجعية الحاكمة في عمان إلى ذروته. وبات مطروحًا على جدول أعمال حركة المقاومة ضرورة إحباط المشروع بعد أن دخل قرار مجلس الأمن حيز الإجراءات التنفيذية. وإحباطه يفترض بالضرورة تحقيق حكم وطني في عمان معادٍ للإمبريالية والصهيونية وللمشاريع التصفوية. وهذه هي الحلقة المركزية في إحباط مشروع روجرز.
بادرت الجبهة إلي طرح المسألة جماهيريًا وعلى اللجنة المركزية وفصائل المقاومة (بيانات الجبهة، الشرارة)، كما دعت اللجنة المركزية المجلس الوطني الفلسطيني لدورة استثنائية - 27 آب (أغسطس) 1970، وساهمت الجبهة بصياغة مشروع قرارات اللجنة المركزية إلى المجلس من خلال اللجنة المركزية. كل هذا لتطوير الموقف الوطني لدى جميع فصائل المقاومة نحو الحلقة المركزية في إحباط مشروع روجرز والحلول التصفوية (الحكم الوطني). وفعلاً فقد أقر المجلس هذه القرارات مع تعديلات عبرت عنها جريدة الشرارة بأن المجلس وافق على مقدمات الموضوعات الوطنية المطروحة على المجلس ورفض النتائج (أي النضال من أجل حكم وطني)، فقد أقر المجلس:
- اعتبار الساحة الأردنية الفلسطينية وحدة نضالية وبأنها الميدان الرئيسي لشعب فلسطين والثورة.
- منع التفاوض مع العدو، ورفض أية سلطة تتفاوض معه في عمان.
- العمل على تحويل الساحة الأردنية الفلسطينية إلى معقل للثورة الفلسطينية تنتظم فيها القوى الشعبية المسلحة مع الجنود، وتتبنى الاستمرار في الكفاح المسلح ورفض التفاوض مع العدو.
أما النتائج التي هرب منها المجلس فهي: تحديد " طبيعة السلطة التي تمثل القوى الشعبية المسلحة مع الجنود لتبني سياسة الاستمرار في الكفاح "..إلخ. " كيفية الوصول إلى هذه السلطة ".
ورغم ذلك فقد كانت القرارات واضحة المعاني.
وحتى يصبح بالإمكان تعبئة الجماهير والمقاومة والجنود حول موضوعات إحباط المشاريع التصفوية وحماية المقاومة بادرت الجبهة إلى بلورة الحلقة المركزية في هذه الموضوعات تحت شعار " كل السلطة للمقاومة والجنود والشعب المسلح " بديلاً عن سلطة الرجعية والاستعمار (الشرارة، النشاطات الجماهيرية، دعوة الجنود والضباط إلى تشكيل لجان الجنود الثورية..إلخ.) بينما لاحظت جريدة " فتح " بأن " إحباط المشروع سيقود إلى الصدام وسيكون حتمًا الصدام الأخير مع السلطة العميلة ".
ولم تحسم المقاومة هذه المسألة إلا بعد أحداث 31/ 8 و1/ 9/ 1970، حيث قامت القوات الملكية بناءً على تعليمات قصر الحمر ومن وراء ظهر هيئة أركان الجيش (اللواء مشهور حديثة) وحكومة الرفاعي بقصف عمان بالمدفعية لاختبار دقة تنفيذ التعليمات، واستطلاع ردود المقاومة (بالتعبير العسكري، عملية استطلاع بالقوة).
هنا باتت المسائل واضحة، الصدام حتمي هيأ له " الانقلاب الملكي الأبيض " كل طاقاته. وهنا فقط أدركت جميع فصائل المقاومة وخاصة " فتح " أن المعركة واقعة ولم يعد من مجال للقفز عنها، تحت ضغط المشاريع الاستعمارية واستجابة القصر لها. فخرجت اللجنة المركزية بالبيان الشهير " النضال من أجل تحقيق السلطة الوطنية وإسقاط السلطة العميلة دون أن تتناول الملك ". فماذا بعد أن أصبح شعار السلطة الوطنية شعارًا رسميًا تتبناه جميع فصائل المقاومة ؟ وماذا عن خطة العمل لمجابهة التطورات المتسارعة بين الثورة والثورة المضادة ؟
بقيت حركة المقاومة تراوح في مواقع دفاعية، وغلب عليها وضع الخطط السياسية والعسكرية الدفاعية دون أن تفكر للحظة واحدة في أخذ زمام المبادرة من يد الثورة المضادة وتنظيم خططها وتكتيكاتها السياسية والعسكرية على هذا الأساس، ولذا اكتفت بالخطوات الدفاعية التالية:
1 - سياسيًا: طرح شعار النضال من أجل تحقيق سلطة وطنية لها مهمات محددة وطنيًا (رفض المشاريع التصفوية، تطهير أجهزة الدولة، التحالف الوثيق مع المقاومة، متابعة الكفاح المسلح) وإسقاط السلطة العميلة (الإطارات السياسية والعسكرية الرجعية دون الوصول إلى الملك).
2 - عسكريًا: وضع خطة دفاعية عن المقاومة في حال نشوب الصراع، ووضع طاقات المقاومة تحت تصرف " لجنة عسكرية مشتركة ".
3 - الاتصال بالقاهرة ودمشق وبغداد بوفود من اللجنة المركزية للمقاومة (قبل 31/ 8 وبعده وعلى ضوء حملة حزيران - يونيو - مباشرة) لتحديد مواقفها من التطورات القادمة، دون أن تطرح اللجنة المركزية " خطة محددة لما تريد وكيف " وهكذا بقيت المسألة بلا تحديد.
إن تـركيب المقاومة الـذاتي وشبكة عـلاقاتها العـربية هي التي أدت إلى هـذه النتائج على مستـوى اللجنة المـركزية وعلى مستـوى التحالفات الأسـاسية داخل المقاومـة، رغم دعوة الجبهـة اللجنـة المركزية وفصـائل المقـاومة بالمباحثات الثنائيـة والثلاثية..إلخ إلى وعى الأهمية التاريخية لأخذ زمام المبادرة وتنظيم العملية الثورية محذرة من خطورة ترك المبادرة بيد قصر الحمر، كما عملت الجبهة على طرح المسألة على الجماهير بعد حملة حزيران (يونيو) مباشرة، لإنضاج الأزمة الثورية في البلاد وفي صفوف قواعد حركة المقاومة تحت راية " كل السلطة للمقاومة والجنود والشعب المسلح ".
حملة أيلول (سبتمبر) أغراضها ونتائجها في ظل هذه الظروف الذاتية (وضع الثورة المضادة، والثورة) والموضوعية (العربية والدولية) بدأت الحملة بعد ساعة فقط من توقيع الاتفاقية المشتركة بين حركة المقاومة والحكومة الأردنية وبإشراف اللجنة العربية الخماسية التي أوفدها مجلس الجامعة العربية. فقد كانت المقاومة فعلاً تعمل جاهدة على إبعاد شبح الصراع والحرب الأهلية عن البلاد ما أمكن ذلك. ولكن العرش والاستعمار أكملا خطواتهما لفتح باب الحرب الأهلية، للوصول إلى جملة أغراض يمكن تلخيصها بكلمات سريعة.
1 - إبادة حركة المقاومة ماديًا وجسديًا، وتجريدها من الجماهير والغابات البشرية الكثيفة التي مثلت وتمثل تاريخيًا " المظلة الواقية " للثورة، وقواعد الالتجاء والإمداد لها.
2 - إرعاب الجماهير الأردنية الفلسطينية تمهيدًا لإعادة الدكتاتورية الطبقية السوداء والمرتبطة بالإمبريالية ومخططاتها في منطقة الشرق الأوسط على البلاد والشعب، وتصفية القوى الوطنية وضرب حركة النهوض الوطني والثوري الجماهيري في البلاد.
3 - محاولة تمزيق وحدة الشعب التاريخية بين أردني وفلسطيني تحت ادعاءات إقليمية مزيفة رغم أن المدفعية والدبابات العمياء لا تميز بين أبناء الشعب وأبناء المقاومة، كما أن عمليات القمع الوحشية تناولت ولا زالت كل ما هو وطني في البلاد.
4 - تهيئة المناخ لفرض الحلول الاستسلامية على الشعب وتصفية القضية الفلسطينية، بل وأكثر من ذلك وأمام بربرية العرش وقواته، دفع شعب فلسطين بالقوة للقبول بأي حل يريحه من الحكم الملكي الرجعي الوحشي.
هذه هي الأغراض المشتركة بين العرش والرجعية والإمبريالية، ولكن للعرش أيضًا أهدافه الخاصة فقد كان مطروحًا على بساط البحث في الدوائر، الإمبريالية " مصير العرش والملكية في الأردن كجزء من التسوية الشاملة للقضية الفلسطينية ". ويكاد يكون هناك اتفاق في الأوساط الدولية عامة والإمبريالية خاصة على تشكيل دويلة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كجزء من التصفية الشاملة، ودفع شعب فلسطين للمشاركة في التسوية والإقرار بالأمر الواقع (دولة إسرائيل والتنازل عن جزء من الأرض الفلسطينية لصالح إسرائيل). ولكن من الواضح لبعض الدوائر الإمبريالية (الأميركية تحديدًا) أن مثل هذه الدويلة لا تحل مشكلة شعب فلسطين، فهي عاجزة اقتصاديًا وجغرافيًا عن استيعاب عموم شعب فلسطين، ومن هنا فإن مصير شرق الأردن مطروح على البحث كجزء من هذه الدولة المقترحة، إذ إن صيرورة شرق الأردن، جزء من هذه الدولة يسمح بحل مشكلة " استيعاب عموم شعب فلسطين " حيث يوجد في شرق الأردن (900) ألف فلسطيني الأصل ويبقى بحدود نصف مليون تقريبًا خارج هذه الدولة (140 ألف في سوريا، 300 ألف في لبنان وبضع عشرات الآلاف في البلاد العربية الأخرى). ومن هنا فإن الدوائر الإمبريالية الأميركية لديها الاستعداد الكافي للتضحية " بالملكية " في الأردن لصالح هذه الدولة، بينما تقف الإمبريالية البريطانية في موقف آخر، فهي على استعداد للأخذ بالدولة الفلسطينية في حدود الضفة الغربية والقطاع، ولكنها مع بقاء " مملكة شرق الأردن " لاعتبارات تتعلق بمصالحها الاستعمارية الذاتية (حماية البترول من منابعه حتى مصباته).
وبهذا وجد الملك حسين عرشه موضع بحث عند أسياده الإمبرياليين وفي الوقت الذي استجاب فيه لمخططات الدوائر الإمبريالية (الأميركية والبريطانية) في شن حملة " التطويق والإبادة الشاملة الخامسة "، عمل على تأكيد حكمه والإثبات لذات الدوائر الإمبريالية أنه لن يقبل بسهولة أن يكون عرشه جزءًا من صفقة تصفية القضية الفلسطينية وحركة المقاومة، مؤكدًا استعداده في أكثر من تصريح علني لتقبل مشروع الدويلة الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع والمرتبطة باتحاد ما مع مملكته بالضفة الشرقية.
كيف سارت الحملة ومجابهة المقاومة ؟
أعلن القصر حكومته العسكرية الفاشية صباح 16/ 9 بعد أن أقال حكومة الرفاعي عقب مرور ساعة واحدة على إذاعة الاتفاقية المشتركة بينها وبين اللجنة المركزية لحركة المقاومة. ومنذ اللحظات الأولى بات واضحًا حجم المعركة. إنها شاملة لكل أنحاء البلاد. ومنذ اللحظات الأولى طالبت الحكومة الفاشية " الشعب بتسليم سلاحه ".
على الأثر اجتمعت اللجنة المركزية واتخذت خطوات أساسية سياسية وعسكرية تجاه الحرب الوشيكة الوقوع:
1 - إصدار بيان للجماهير يعلن العزم على النضال حتى إسقاط الحكم العسكري وقيام حكم وطني، ومطالبة الشعب بإعلان الإضراب العام المفتوح (تمهيدًا لتطويره إلى عصيان مدني حتى سقوط الحكم العسكري).
2 - وضع كافة القوى المقاتلة تحت تصرف قيادة واحدة ومطالبة اللجنة المركزية العسكرية بأخذ مهماتها في تنفيذ الخطة الدفاعية عن الثورة والشعب.
3 - في حال وقوع الحرب الأهلية يتم تطوير الوضع بالشمال (من البقعة - الرمثا) لإعلانه منطقة محررة والإعلان عن حكم وطني لحماية الثورة والشعب، وعسكريًا تعبئة جميع قوى الثورة لحماية الحالة الوطنية والاندفاع نحو عمان.
4 - مطالبة جميع الأنظمة العربية أن تأخذ دورها في منع المجزرة وفي مساندة الثورة ضد حملة التطويق والإبادة الخامسة.
ساد يوم 16/ 9 صمت كامل (الهدوء الذي يسبق العاصفة). ومع ساعات فجر 17 الأولى بدأت الحملة العسكرية الشاملة على عمان بالدبابات والقصف الأعمى على عموم المدينة وخاصة الأحياء الكادحة. وعلينا أن نلاحظ ما يلي:
1 - فرقتان ولواء مدرع حاصرت عمان وخاضت المعارك.
2 - كانت عموم القوات الملكية تخضع لوحدة قيادية سياسية وعسكرية وفي عموم البلاد.
3 - حافظت القوات الملكية على تماسكها طيلة الصراع والانحيازات للثورة كانت فردية.
4 - زمام المبادرة كان بيد القوات الملكية، وفرضت على الثورة حرب المواقع في عمان والزرقاء، وهي أقرب للحرب النظامية منها للحروب الشعبية وحروب العصابات.
5 - قذفت هيئة الأركان الملكية بمعظم قواتها في عمان خاصة، وتخطيطها كان قائمًا على إبادة الثورة في العاصمة، عندئذٍ يسهل التفرغ لتصفية الثورة في المناطق الأخرى. وكان تخطيطها قائمًا على إبادة قوى الثورة ماديًا وجسديًا بحد أدنى 4 ساعات وحد أقصى في عموم البلاد خلال ثلاثة أيام.
وبالمقابل خاضت المقاومة معركة الدفاع عن الثورة والشعب بحرب المواقع في عمان والزرقاء، وحرب الغارات والكمائن (شكل من حرب العصابات في عجلون والسلط). وعلينا أن نسجل ما يلي:
1 - خاضت المقاومة معركة الدفاع بعدة قيادات سياسية وعسكرية تقريبًا كل مدينة لها قيادتها.
ورغم وحدة الموقف السياسي الصادر عن اللجنة المركزية في عمان والنداءات للشمال (أربد - الرمثا) والوسط (جرش - عجلون - السلط) ضمن قرارات 16/ 9/ 1970 مما مكن السلطة الرجعية من التعامل مع كل مدينة وقيادتها على حدة بعيدًا عن اللجنة المركزية في عمان.
2 - كانت مدينة عمان هي مركز الثقل في كل الصراع، وباتت هيئة أركان حرب الثورة السياسية والعسكرية مشكلة بحكم الواقع من ثلاث منظمات عمليًا (فتح، الديمقراطية، الصاعقة).
3 - حافظت اللجنة المركزية في عمان (التي ظلت مكونة عمليًا من المنظمات الثلاث المذكورة خلال الأيام الستة الأولى من القتال لتنضم المنظمات الأخرى فيما بعد) على سلامة الخط السياسي وصلابة القتال حتى لحظة وقف إطلاق النار.
4 - جمود المقاومة بالشمال والوسط سياسيًا (عدم تطوير الخطوة الإدارية إلى خطوة سياسية وطنية كاملة) وعسكريًا بتجميد القوات داخل المدن (جرش، أربد، الرمثا) والديمقراطية (أربد، عجلون) والصاعقة (أربد، عجلون، الرمثا) رغم كل النداءات الصادرة من عمان. فبقيت القوات معطلة عن الفعالية ومجمدة داخل المدن، بل أكثر من ذلك لم تستفد من حملة المساندة السورية الواسعة التي حققت ربط كل مناطق الشمال والوسط معًا وتطهير محاور الطرق (خاصة محور مثلث الرمثا، محور النعيمة - مثلث أربد - جرش) وتشتيت وتفتيت اللواء 40 وإلحاق الخسائر الفادحة به. وعندما أخذت المساندة السورية بالانسحاب بقيت قوات المقاومة جامدة حتى أنها لم تحمِ المحاور التي انسحبت منها المساندة السورية مما مكن فلول القوات الملكية (اللواء 40) مع اللواء (99) القائم من الزرقاء من السيطرة من جديد على محاور الطرق وتقطيع أوصال الشمال والوسط عن بعضه البعض.
ومن هنا نلاحظ أن طاقات المقاومة لم تستخدم كاملة بالصراع بل بقيت طاقات الشمال والوسط (السياسية والعسكرية) معطلة إلى حد بعيد. وأمام هذا الوضع، وفي ظل نقص الذخائر المتزايد في عمان خاصة المضاد للدروع والهاونات وفقدان الأمل في وصول إمدادات من الوسط والشمال لمشاغلة القوات الملكية المحاصرة عمان من الخلف ومحاولة اختراق الحصار وجدت القيادة في عمان نفسها مرغمة على العمل من أجل وقف إطلاق النار.
وفعلاً فقد تحرك الأخ ياسر عرفات بهذا الاتجاه ومعه قرار وحيد من اللجنة المركزية " وقف إطلاق النار " ريثما يصل منطقة الشمال لدفع قوات نحو عمان. وبهذا فوجئت اللجنة المركزية في عمان باتفاقية القاهرة مما دفعها لإهمال الاتفاقية لثلاثة أيام بانتظار تطورات الشمال، ولكن صمت الشمال الكامل وضع الاتفاقية موضع الممارسة بعد وصول اللجنة العربية المسؤولة عن تنفيذها.
أولاً: التركيب الذاتي للمقاومة:
كشفت حملة أيلول (سبتمبر) بشكل ملموس صحة الموضوعات النقدية التي طرحتها الجبهة على امتداد الفقرة السابقة، حول التركيب الذاتي للمقاومة (الأيديولوجي والسياسي والعسكري). لقد دفعت المقاومة الثمن كاملاً " لغياب النظرية " عن حياتها وممارساتها التكتيكية اليومية (السياسية والعسكرية) سواء في الساحة الأردنية الفلسطينية أو في الساحة العربية وعلاقاتها العالمية مع حركة التحرر الوطني والقوى والبلدان الاشتراكية، ليتأكد من جديد " أن لا ثورة بدون نظرية ثورية ".
إن غياب الموقف الثوري وغلبة الاتجاه الوطني العفوي في حياة وممارسات المقاومة (الاستراتيجية والتكتيكية) أبعدها عن إمكانية بناء أوضاع ثقافية وسياسية وعسكرية ثورية داخلية، سواء في التكوين الثقافي (الأيديولوجي) للقواعد في فهم حقيقة الصراع الوطني الطبقي الجاري على الساحة الأردنية الفلسطينية بين حركة المقاومة، والقوى الطبقية الرجعية والاستعمارية الحاكمة في الأردن، وارتباط الرجعية الأردنية الفلسطينية والعربية بمخططات الإمبريالية والصهيونية في منطقة الشرق الأوسط، أو في البناء السياسي الداخلي وما يترتب عليه من ممارسات وطنية طبقية يومية في فهم حركة القوى الرجعية، في فهم وممارسة قاعدة وحدة الشعب في الساحة الأردنية الفلسطينية وتلبية البرنامج الوطني الطبقي في صالح الطبقات الوطنية والثورية في البلاد ضد برنامج وخطط الطبقات الرجعية والإمبريالية المتحكمة بحياة البلاد السياسية والاقتصادية والثقافية، أو في البناء العسكري الداخلي القائم على التطوع الثوري بدون امتيازات بيروقراطية (مادية ومعنوية) في صفوف المقاومة. وفي فهم وممارسة قواعد حروب التحرير الشعبية ضد الثورة المضادة.
إن غياب النظرية الفورية الهادية للحركة اليومية والعامة في الثورة هو الذي أدى إلى جملة النتائج التالية في تكوين وممارسة حركة المقاومة:
( أ ) غرقت المقاومة في بحر من الامتيازات والرخاء المادي والمعنوي بعيدًا عن ألوان المعاناة الطبقية والذهنية، إذ أن المقاومة عاشت في بحبوحة عريضة (ثورة غنية) صنعتها الرجعية العربية والطبقات البورجوازية في المنطقة، مما أدى إلى جملة أمراض خبيثة في جسم الثورة، أبرزها انخفاض درجة اليقظة الثورية تجاه مخططات الأعداء وانتشار الحياة البيروقراطية (المكاتب والسيارات، الأموال، العلاقات شبه العسكرية الكلاسيكية بين القيادات والقواعد،... إلخ) والحرص على الاحتفاظ بكافة العلاقات العربية التي أعطت هذه الحياة المريحة " للثورة ".
(ب) غياب الفهم الواقعي والعلمي للعلاقة مع الجماهير في الساحة الأردنية الفلسطينية.
ومن هنا فقد اندفعت بعض قيادات المقاومة باتجاه فلسطنة القضية الفلسطينية تحت شعار " عدم التدخل بالأوضاع الداخلية العربية " وترجم هذا الاتجاه في الساحة الأردنية الفلسطينية بسلسلة من الممارسات الخاطئة التي أدت إلى المساهمة الفعالة في تمزيق وحدة الشعب من خلال الإصرار على المؤسسات الاجتماعية الفلسطينية (هلال أحمر، مؤسسة الشهداء، بيوت الأطفال،... إلخ) والمؤسسات النقابية والمهنية (اتحاد طلبة، عمال، امرأة، فنانين، محامين، صحفيين، كتاب،... إلخ) وتمثلت عملية الفلسطنة عموديًا بغياب أي فرز للطبقات المضادة للثورة عن الطبقات الوطنية والثورية في صفوف الشعب، كما أدت هذه السياسة الإقليمية الضيقة إلى غياب أي برنامج وطني وطبقي في العلاقة مع الجماهير الأردنية. كل هذا أدى إلى تعزيز النزعات الإقليمية - التي يغذيها النظام الرجعي أصلاً - كما وضع الجماهير الأردنية في زاوية ضيقة لا تتلمس مصلحة لها، وطنية أو طبقية في الثورة، باستثناء العواطف القومية العامة. ورغم اندفاعنا في تقديم البديل الثوري لهذا الخط (التأكيد على وحدة الساحة ووحدة الشعب، الجبهة الوطنية الأردنية الفلسطينية، وحدة المؤسسات الاجتماعية والنقابية وتشكيل مؤسسات على هذا النهج، انتصار الدعوة لإلغاء المؤسسات الإقليمية في الساحة في المجلس الوطني السابع، قرارات المجلس الوطني الفلسطيني الاستثنائي في عمان آب - أغسطس - 1970،... إلخ) إلا أن كل هذه الخطوات جاءت متأخرة وبعد صراع مرير، ولم تأخذ طريقها الكامل للتنفيذ.
هذا الوضع استغله النظام الرجعي أبشع استغلال، وحصدت المقاومة نتائجه الصارخة في حملة أيلول(سبتمبر) وما يجري الآن.
(جـ) التحليل والممارسة الخاطئة في فهم طبيعة وحجم التناقض بين الرجعية الحاكمة والعربية عمومًا وبين حركة التحرر الوطني في الساحة الفلسطينية الأردنية.
وتحت شعار تغليب التناقض الرئيسي مع العدو (التناقض الوطني والقومي) على التناقض الثانوي مع الرجعية (التناقض الطبقي الاستعماري) لم يتمكن العديد من فصائل المقاومة من استخلاص قوانين الصراع بين المتناقضات " الثانوية " مما أضعف نشر الثقافة الوطنية الثورية في صفوف الجماهير والقواعد. ورغم إصرار الرجعية على حل التناقض الثانوي قبل التناقض الرئيسي (أي تصفية المقاومة) فإن حركة المقاومة بقيت بعيدة عن فهم وتقدير " الحجم الحقيقي " لهذا التناقض، وبأن الصراع مع الرجعية (وخاصة أمام إصرارها الدائم لتصفية المقاومة) يتطلب تخليص الثورة من النزيف الدائم الذي تتعرض له على يد الرجعية والاستعمار، ويشل معظم طاقتها في مواجهة العدو الصهيوني الإمبريالي. وبتعبير أدق فقد تناست أو نسيت (فالنتيجة واحدة) تلك الفصائل من المقاومة بأن قانون تغليب التناقض الرئيسي مع الصهيونية الإمبريالية على التناقض الثانوي مع الرجعية يكون صحيحًا بمقدار ما تستجيب الرجعية للبرنامج الوطني في تعبئة القوى الطبقية (على اختلاف مواقعها الأيديولوجية والسياسية) ضد العدو الصهيوني والإمبريالية (التناقض الرئيسي) وفي مواجهة إصرار الرجعية الدائم على تصفية الثورة فإن الرجعية تدفع بقوة التناقض الثانوي إلى المقدمة وتجعله البديل في برنامجها اليومي عن التناقض الرئيسي، لأنها ترفض عمليًا وموضوعيًا معاداة العدو القومي (الصهيونية والإمبريالية) بحكم تكوينها الطبقي وارتباطها بالإمبريالية. ومن هنا تسقط موضوعية " تغليب التناقض الرئيسي على التناقضات الثانوية " بسقوط شروطها الأساسية، ويصبح لزامًا على الثورة أن تبادر إلى حل التناقضات الداخلية (مع الرجعية) لتتمكن من متابعة صراعها مع التناقض الرئيسي (الصهيوني الإمبريالي) على أرض صلبة لا على أرض مزروعة بالألغام والرصاص.
إن غياب النظرية الثورية والثقافة الثورية، وغلبة الثقافة اليمينية على قطاعات أساسية في المقاومة أفقد المقاومة المبادرة في الرد ومجابهة مخططات وهجمات الرجعية، ووضعها في موقع دفاعي بين فكي كماشة (مطرقة إسرائيل وسندان الرجعية)، أي المبادرة " في التعبئة الجماهيرية والتنظيمية الثورية، في مجابهة وإحباط مخططات الرجعية والإمبريالية، في حل التناقض مع الرجعية لصالح الثورة إلى الأبد ".
(د) العلاقة مع الأنظمة العربية:
طيلة السنـوات الثلاث المـاضية لم تنطلـق معظـم فصائـل المقاومـة في بناء عـلاقاتها مـع الأنظمة العربية انطلاقًا من مواقف هذه الأنظمة من مسألـة قـوانين " عملية تحـريـر فـلسطين "، " الصـراع مع الاستعمار والإمبريالية "، بحكـم الترابط الجدلي اليومي والحي بين " مسألة الصراع مع إسرائيل والصراع مع الإمبريالية والطبقات الرجعية العربية المرتبطة بالإمبريالية " نظرًا لغلبة الأيديولوجية البورجوازية في صفوف معظم فصائل المقاومة (خاصة الإطارات الأساسية)، ولهذا بقيت الثقة بين معظم فصائل المقاومة والأنظمة العربية " واقفة على رأسها " تحت شعارات " عدم التدخل في الأوضاع الداخلية العربية " في سبيل " الحصول على مكاسب مادية آنية - سلاح، مال، مواصلات "، وترتب على هذا غياب البرنامج الثوري البديل لبرامج هزيمة 67، ونكبة 48، وبالنتيجة ممارسة علاقة ديماغوجية (تضليلية) مع الجماهير الفلسطينية والعربية، وإعطاء الأنظمة الرجعية صكوك غفران وطنية مقابل حفنة المساعدات التي تقدمها. وكذلك الصمت على برامج الأنظمة الوطنية العاجزة عن إكمال مهمات التحرر الوطني الديمقراطي. وكل هذا جعل العلاقة مع حركة الجماهير العربية بالضرورة ذات طبيعة عاطفية غير منظمة، وأبعد التحالف العضوي الوثيق والمنظم مع فصائل حركة التحرر العربية لوضع الصراع في حجمه الموضوعي مع الثالوث غير المقدس (الصهيونية + الإمبريالية + الرجعية العربية). هذه العلاقة حلت محل " نظرية الاعتماد على الذات والجماهير" وساهمت في تكبيل حركة النهوض الجماهيري الثوري المنظم محليًا وعربيًا، وتركت حركة المقاومة إلى حد بعيد تحت رحمة الأنظمة العربية (في حياتها المادية والسياسية) وفريسة للتناقضات التي تحكم هذه الأنظمة ومخططاتها في منطقة الشرق الأوسط وبالنسبة للقضية الفلسطينية، بينما دور الجماهير العربية يتراوح بين الالتفاف العاطفي والدعم المادي (المالي والبشري) المحدود.
وبكلمة، كل هذا ترجم في معركة أيلول (سبتمبر) بفقدان المبادرة وحشر المقاومة في مواقع دفاعية أخذت طابع حرب المواقع شبه النظامية لا طابع الحرب الشعبية المتعددة الأشكال (شوارع، بيروت، كمائن، غارات... إلخ) وطويلة النفس تنتقل بالمقاومة من مواقع دفاعية إلى التعادل فالهجوم، وحرب المواقع وحدها ليست في صالح المقاومة بالنتيجة لأن التفوق الكمي والتقني في مثل هذه الحرب هو لصالح الجيش النظامي. والتكوين الذاتي السياسي والعسكري اللاثوري لبعض الإطارات دفعها لتعطيل أكثرية الطاقات عن الصراع الوطني الطبقي ضد الرجعية رغم الخطوات المقررة لإقامة حكم وطني في شمال البلاد والتقدم نحو عمان مما يدفعنا للتساؤل، هل أن الأمور تقف عند حدود غياب الفهم السياسي والعسكري الثوري أم ماذا ؟ على ضوء النتائج السياسية للحملة ونظرًا لهذا الشكل من العلاقة مع الأنظمة العربية فقد سقطت المقاومة في شبكة هذه
الأنظمة ومخططاتها للمنطقة (اتفاقية القاهرة) التي أنقذت العرش الهاشمي وأعطته امتيازات جديدة (مكافأة المعتدي على عدوانه) بمنحه الهيمنة على المدن بأجهزة القمع التي ذبحت الشعب والمقاومة تحت ستار " عودة أجهزة الدولة تحت الإدارة المدنية " إلى الهيمنة على البلاد. وبهذا قامت " اتفاقية القاهرة " بدور حماية العرش بدلاً عن الإنزال الأميركي وأعطته حقنة حياة جديدة ليتابع هجومه المضاد على الثورة والجماهير،لأن من مصلحة الأنظمة العربية الملتقية في مؤتمر القاهرة اتخاذ هذا الموقف، وإلا لماذا لم تتخذ غيره بعد افتضاح المذبحة تحت سمع وبصر وفد مؤتمر القاهرة. وبالاتفاق أيضًا جرى تكبيل المقاومة ووضعها تحت " وصاية وسقف الأنظمة العربية "، لتقف معركة المقاومة عند حدود التراجع خطوتين لصالح " الرجعية الأردنية الفلسطينية " التي تتابع هجومها تحت سمع اتفاق القاهرة والأنظمة الموقعة عليه، ولتكرس الاتفاقية تمزيق وحدة الشعب بين فلسطيني وأردني ليتم استغلالها في سبيل نتائج تتعلق بالتصفية الشاملة للقضية الفلسطينية " مسألة الدولة الفلسطينية ".
ثانيًا: المقاومة بين المدن والقرى (الضفة الشرقية):
( أ ) إن السياسة الإقليمية التي أخذت بها بعض فصائل المقاومة طيلة السنوات الثلاث الماضية (فلسطنة القضية الفلسطينية سياسيًا، وطنيًا، نقابيًا، مهنيًا في الساحة الفلسطينية الأردنية، وشعارات عدم التدخل بالأوضاع الداخلية للأقطار العربية)، قد دفعت باتجاه تعميق الانقسام بين أبناء الشعب الواحد (فلسطيني، أردني) وقد عملت الرجعية الحاكمة على استغلال هذه الممارسات الخاطئة (والتي تقفز فوق الواقع التاريخي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لوحدة الساحة والشعب) لخدمة أغراضه المعادية لكل الطبقات الوطنية والثورية في عموم البلاد وتوظيف استغلاله في خدمة تنفيذ المخططات الإمبريالية الرجعية لضرب وتصفية حركة المقاومة، ودفع أبناء البلد الواحد للاقتتال الأهلي فيما بينهم تحت شعارات زائفة ورجعية " الحفاظ على الأردن والكيانية الأردنية،... إلخ " وخاصة في الجيش والأمن العام.
والأهم من استغلال الرجعية للممارسات الإقليمية الفلسطينية هو تلمس قطاعات واسعة من القوى الطبقية الوطنية الشرق أردنية العزلة عن حركة المقاومة، إذ أن ارتباطها بحركة المقاومة اقتصر إلى حد كبير على الموقف الوطني والقومي العاطفي. كل هذا نظرًا لغياب أي برنامج وطني طبقي في قاموس المقاومة وممارستها اليومية (تتلمسه الجماهير الأردنية بأصابعها العشرة)، يتناول حل معضلات التحرر الوطني الديمقراطي الأردني الفلسطيني على أرض الضفة الشرقية، والخطوات البرنامجية التي أخذ بها الجناح اليساري والراديكالي في المقاومة لم تحفر جذورها الواسعة في صفوف الجماهير الأردنية نظرًا للفترة القصيرة بالممارسة، وإصرار الفصائل الأخرى عمليًا ونظريًا على متابعة سياستها الإقليمية، ويقظة الرجعية ورد فعلها السريع بالحملات العسكرية المتتالية لقطع الطريق على انتشار وتعميق النهج الثوري في العلاقة اليومية بين قضايا الثورة الأردنية الفلسطينية (النضالات والإضرابات المطلبية والنقابية العمالية، تعزيز الحريات الديمقراطية، مساندة القوى الوطنية الأردنية، محاولة نشر الوعي الوطني والطبقي الثوري في صفوف الفلاحين في القرى، وحدة الشعب والكفاح ضد الثالوث الإمبريالي - الصهيوني - الرجعي، المسألة الزراعية ضد كبار الملاك وأشباه الإقطاعيين،... إلخ - قرارات المجلس الوطني الفلسطيني السابع والاستثنائي، قضايا الجبهة الوطنية الأردنية الفلسطينية، المجالس الشعبية المنتخبة، الحكم الوطني والسلطة الوطنية والنضال من أجل إسقاط السلطة العميلة وتطهير أجهزة الدولة من الرجعيين والعملاء).
إن النهج الذي مثل الوجه الملموس الغالب لسياسة حركة المقاومة هو الذي دفع بالجماهير الأردنية إلى تلمس عزلتها عن الثورة عمليًا وماديًا والاكتفاء بالتعاطف القومي العريض، وهذا ما يفسر قلة العناصر الشرق أردنية في صفوف المقاومة من جهة ونجاح الرجعية الحاكمة في تجنيد القطاعات الأوسع من الجنود والضباط ضد حركة المقاومة.
(ب) أكدت تجربة أيلول (سبتمبر) أن الميدان الأساسي لحركة المقاومة هو " المدن والمخيمات "، فهي التي تمثل الغابات البشرية الكثيفة التي تذوب فيها المقاومة، كما أنها تمثل القواعد الأساسية " للالتجاء والإمداد " البشري والمادي والسياسي، وذلك بفعل عوامل الكثافة البشرية وانتشار الثقافة السياسية الوطنية، وكون المدن والمخيمات موطن الحركة الوطنية تاريخيًا وحيث انتشار الثقافة والتنظيمات الوطنية والنقابية والمهنية للطبقة العاملة والطبقة البورجوازية الصغيرة (محامين، مهندسين، معلمين، أطباء، حرفيين، صغار التجار) فإن المدن والمخيمات، شكلت الغابات البشرية الواقية لحركة المقاومة، كما أن نهوض حركة المقاومة والنهوض الجماهيري الوطني والعمالي المتعاطف مع المقاومة والمعادي للإمبريالية والصهيونية والرأسمالية المستغلة (المحلية) وبالمقابل تلمس ضعف واهتراء الرجعية دفع بجماهير المدن، العمالية والفقيرة والبورجوازية الصغيرة وقطاع من البورجوازية المتوسطة، إلى التعاطف مع المقاومة بوجه النظام الرجعي المعادي لطموحاتها الوطنية والديمقراطية (معاداة الاستعمار والصهيونية، ورفض هيمنة شبه الإقطاع وكبار الملاك
والكومبرادور على حياة البلاد الاقتصادية والسياسية وربط البلاد بعجلة الإمبريالية، العمل على تحديث الدولة وبناء اقتصاد وطني، الديمقراطية السياسية البورجوازية).
(جـ) كما أكدت التجربة أن وضع القرى مختلف إلى حد كبير جدًا عن وضع المدن ودورها في حياة الحركة الوطنية والمقاومة بفعل عوامل تاريخية واقتصادية وعوامل لها علاقة بسياسة حركة المقاومة.
تاريخيًا: بقيت الحركة الوطنية بعيدة عن الامتداد الثقافي والسياسي والديمقراطي إلى القرى فقد انحسرت الحركة الوطنية في المدن والمخيمات بفعل برنامجها الوطني العام ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية وغياب البرنامج الديمقراطي عن الريف (المسألة الزراعية، الصراع ضد الإقطاع وكبار ملاك الأراضي والرأسمالية الزراعية، والصراع ضد علاقات الإنتاج الإقطاعية والرأسمالية في الريف، إدخال الآلة والتعليم،... إلخ)، فقد ظل برنامج الحركة الوطنية طيلة العشرين عامًا الماضية مقتصرًا على المواقف الوطنية العامة وبعض النضالات العمالية المطلبية رغم كثرة الشعارات " الاشتراكية "، وبهذا بقي الريف بعيدًا عن الارتباط العضوي الفعال بالحركة الوطنية في الأردن.
اقتصاديًا: في ظل التخلف العام في الريف (سيادة وسائل الإنتاج البدائية) وشحة الإنتاج الزراعي (وسائل إنتاج بدائية، اعتماد مواسم المطر وتكاد تكون دورة الحياة الزراعية في الضفة الشرقية سنة ماطرة وثلاثًا جافة) بالإضافة إلى الاستغلال الطبقي في الريف، فإن الحياة الاقتصادية للقرى الأردنية تعتمد في معظمها على أجهزة الدولة وخطط الرجعية الحاكمة. فإن 50 بالمئة من دخل القرية يأتي من المنخرطين في صفوف أجهزة الدولة وخاصة الجيش الذي يعتبر مورد الرزق وميدان التوظيف الواسع لأبناء القرى بالإضافة إلى البدو. كما أن سوء المواسم الزراعية يجعل القرية تحت رحمة " حسنات " النظام الذي يعتمد سياسة الإنفاق غير المنتج على القرى - خدمات ومساعدات - بدون أية مشاريع للتنمية الزراعية واستصلاح الأراضي،... إلخ. وهنا نلاحظ أن اعتماد القرية الأردنية على " الجيش وصدقات النظام " تزداد نسبتها كلما اتجهنا من الشمال إلى الجنوب حيث تتراوح بين 60 - 90 بالمئة، ويبقى دون الثلث من حجم دخل القرية يعتمد على الزراعة.
سياسة المقاومة: التي اعتمدت في تعاملها مع القرى على تقديم بعض المخيمات الطبية والاجتماعية والتعامل الاقتصادي البسيط مع القرية (شراء بعض حاجات القواعد المجاورة، وغياب أي برنامج ديمقراطي في ممارسات المقاومة بالريف). ومن هنا بقيت القرية الأردنية بعيدة عن تلمس المصلحة الطبقية (المسألة الزراعية وحل مشكلة الفلاح الاقتصادية) في الثورة. كما أن بقاء القرية الأردنية بعيدة عن الاحتلال الصهيوني أفقدها تلمس المصلحة الوطنية في الثورة من حيث الدفاع عن أرض الوطن وأرض الفلاح.
هذا كله عكس نفسه على علاقة القرية بالنظام الرجعي فظلت ترى مصلحتها الاقتصادية مرتبطة بالدولة القائمة، ولا تتلمس مصلحة طبقية بالارتباط بالمقاومة لغياب البرنامج الديمقراطي في مهمات المقاومة بالريف. كما أنها لا تتلمس مصلحة وطنية بالدفاع عن أرض الوطن، فبقيت علاقتها مع المقاومة عاطفية عامة. كما أن السياسة الإقليمية البارزة للمقاومة واستغلال النظام أيضًا لهذه النزعة دفع بالقرية، بشكل عام، إلى الارتماء في حضن عدوها الطبقي والوطني (الرجعي الإمبريالي) وخاضت المعركة بجانبه أو ظلت محايدة عندما شن النظام حملة أيلول (سبتمبر) البربرية لتطويق وإبادة المقاومة.
ومن هنا، ولهذه العوامل مجتمعة، نشهد في الحالة الراهنة ردة رجعية واسعة في الريف ضد الثورة، تتسع كلما اتجهنا من الشمال إلى الجنوب.
إن قيمة ودور الريف في حرب الشعب الوطنية ضد العدو الصهيوني أو هجمات الرجعية لإبادة المقاومة وفرض الحلول الاستسلامية على الشعب والدكتاتورية الرجعية السوداء على البلاد لا تأتي من حجم السكان بالقياس للمدن، بل من طبيعة وحجم دوره في العملية الوطنية سواء باحتضان حركة المقاومة أو معاداتها ودور أبناء الريف في الجيش بالوقوف مع المقاومة والحركة الوطنية أو تنفيذ عمليات القمع والحرب الأهلية ضد الثورة والشعب، وهنا خطورة المسألة، خاصة إذا لاحظنا الثقل الكمي لأبناء الريف الأردني في الجيش.
ثالثًا: الدولة والثورة:
لا نأتي بجديد إذا ذكرنا " أن الدولة أداة قهر طبقي بيد طبقة أو تحالف طبقي ضد طبقة أو تحالف طبقي ". وهذه موضوعة تنطبق على واقع الدولة في البلدان المتخلفة كما تنطبق على واقع البلدان المتقدمة. كما أن هذه الموضوعة لا تعني ولا لدقيقة واحدة أن أجهزة الدولة (الجيش، الأمن العام، البوليس، الإدارة) في ظل حكم مضاد للثورة الوطنية الديمقراطية أو الثورة الاشتراكية، لا يمكن استمالة قطاعات منها إلى جانب الثورة، وخاصة بين القطاعات الدنيا والوسطى، فهذه ظاهرة معروفة تاريخيًا. وهذا يعود إلى حجم ونفوذ حركة الثورة الوطنية أو الاشتراكية في المجتمع أولاً وإلى طبيعة التركيب الطبقي لأجهزة الدولة ثانيًا في هذا البلد أو ذاك.
في الأردن استخدمت الرجعية الأردنية (العرش، الإقطاع، الكومبرادور) والإمبريالية أجهزة الدولة قبل عام 1948 لخدمة قهرها الطبقي الرجعي والإمبريالي الذي جعل من الأردن مزرعة " لحفنة من أبناء العائلة المالكة التي فرضها الاستعمار البريطاني على البلاد وحفنة من كبار الإقطاعيين والملاك والرأسماليين "، وقلعة التآمر على حركة التحرر الوطني الأردنية والعربية، وفي ذات الوقت صمام أمن تاريخي للحركة الصهيونية ومخططات الانتداب البريطاني لتنفيذ عملية " تهويد فلسطين ". وبعد 1948 ووحدة الضفتين تابعت الرجعية الأردنية الفلسطينية المرتبطة بالإمبريالية ذات النهج في توظيف أجهزة الدولة - خاصة الجيش والأمن العام - أداة قهر طبقية لصالح الثورة المضادة (الرجعية + الإمبريالية + الصهيونية).
إن نمو الحركة الوطنية والجماهيرية في البلاد فرض على الثالوث (الملكي- الرجعي- الإمبريالي) سلسلة تنازلات لصالح الحركة الوطنية في 1956، كما أدى إلى نمو الموقف الوطني في وسط قطاعات قاعدية ومتوسطة (جنود، صغار ضباط) ساعدت في فرض التنازلات التي كانت بمثابة تراجع تكتيكي مؤقت في نظر الثورة المضادة، فتم تطهير الجيش الأردني من القيادات البريطانية وإلغاء المعاهدة البريطانية الأردنية، بعد سلسلة عمليات قمع متصلة للحركة الوطنية والجماهير حتى تلك اللحظات وبعد فشل إدخال الأردن في حلف بغداد (انتفاضة 1955 ضد تامبلر رسول حلف بغداد والإمبريالية البريطانية). إلا أن هذا التراجع لم يغير شيئًا من تركيب النظام الرجعي أو تركيب أجهزة الدولة، فسرعان ما نظم القصر بالاتفاق مع المخابرات المركزية الأميركية في نيسان (إبريل) 1957 الانقلاب الرجعي الشهير لضرب الحركة الوطنية وتطهير الجيش من الوطنيين وتثبيت غلاة الرجعيين والعملاء على رأس القيادات الأساسية العليا، ليتم للقصر والرجعية والإمبريالية فرض الدكتاتورية الفردية السوداء على البلاد، وتحويل البلاد من جديد إلى قلعة تخدم
أهداف الثورة المضادة. وبقيت أجهزة الدولة حتى عام 1970 تتعرض لعمليات تطهير متصلة للعناصر الوطنية، لتلعب دورها كاملاً في عمليات القمع والإرهاب المتصلة، وتشن حملات " الإبادة والتطويق " المتتالية على حركة المقاومة والقوى الوطنية في الساحة الأردنية الفلسطينية، وضرب الجماهير بالمدفعية والدبابات العمياء لإرهاب الشعب وإركاعه أمام هجمات الثورة المضادة.
إن حملة أيلول (سبتمبر) أكدت " تماسك " أجهزة الدولة (الجيش، البوليس، الإدارة) كأداة في يد الإمبريالية والرجعية الملكية، ورغم قصف عمان والزرقاء بمختلف الأسلحة طيلة عشرة أيام، فإن الانحيازات التي تمت للثورة كانت ذات طابع فردي ومحدود، وفاقت أسوأ الاحتمالات المتوقعة في صفوف المقاومة.
وفي صفوف الأمن العام كان الطابع القاعدي الغالب هو الحياد بين المقاومة والجيش عكس الوضع في الإطارات العليا المرتبطة بالنظام، وفي المناطق التي احتلتها القوات المسلحة باتت أمام أمر واقع وأخذت تقوم بالمهمات الرجعية المطروحة عليها (التفتيش، الاعتقالات، التعذيب،... إلخ) لفرض أجواء بوليسية إرهابية على هذه المناطق.
أما الجهاز الإداري، فقاعديًا لا مجال لاختبار موقفه بفعل الحرب الناشئة وتعطله عن العمل اليومي بينما الإطارات القيادية (الوزراء، كبار الموظفين، السفراء) وهم ذوو تكوين يميني ورجعي فقد حافظت على ولائها للرجعية الملكية، وهي في هذا منسجمة مع واقعها الطبقي والأيديولوجي.
إن حملة أيلول (سبتمبر) أعطت بشكل صارم لوحة دقيقة عن تركيب الجيش والأيديولوجية اليمينية الرجعية السائدة في صفوفه.
1 - الجيش الأردني " مؤسسة محترفة " والعلاقات الداخلية التي تحكمها (الأيديولوجية والمادية) هي علاقات رب العمل بالعامل. وقد عملت الرجعية الملكية على عزل الجيش - بكل طاقة وأساليب ممكنة - عن التيارات الأيديولوجية والسياسية، وطنيًا وتقدميًا؛ فالثقافة الوطنية ممنوعة، والانتماء الوطني السياسي ممنوع، العناصر الوطنية داخل الجيش موضع ملاحقة وتطهير دائمين.
وبالمقابل فالثقافة الرجعية التي تضع الملك موضع رب العمل هي السائدة، وليس رب عمل فقط بل رب عمل تحوم حوله هالة من التأليه طبقًا لنظرية " حق الملوك الإلهي " في الحكم والسيطرة على البلاد والأفراد، كل هذا في غلاف ديني بنسبة العائلة المالكة إلى نسل الرسول، وتحت شعارات " الله، الملك، الوطن" والوطن الذي يوافق عليه الملك " موطن الرجعية والإمبريالية والثورة المضادة ".
وحتى يبقى الجيش معزولاً عن حركة الجماهير، خاضعًا في حياته اليومية للأيديولوجية الرجعية، فقد رفض النظام الرجعي إدخال نظام خدمة العلم والتطوع في الجيش، رغم وجود دولة إسرائيل على جزء من أرض فلسطين والادعاء الزائف بتحرير فلسطين، لأن خدمة العلم يترتب عليها تعريض الجيش للتيارات الوطنية وتكاثر الإطارات البشرية الوطنية في صفوفه وتدريب المواطنين على استعمال السلاح. كما رفض النظام الأخذ بالتجنيد الإجباري لأبناء البلاد ولمدد محدودة، خشية من ذات العوامل. وعندما فكر في الأخذ بقانون التجنيد الإجباري طرحه عام 1969 لقطع الطريق على انتظام المواطنين في صفوف العمل الفدائي، ثم ما لبث أن تراجع عنه وألغى القانون لأنه سلاح ذو حدين (امتصاص المواطنين في معسكرات أشبه بمعسكرات الاعتقال لإبعادهم عن العمل الفدائي وفي ذات الوقت الاضطرار لتدريبهم على استعمال السلاح والاحتكاك بأفراد الجيش الآخرين).
ورغم كل هذا فقد بقيت " المؤسسة المحترفة " تتعرض لحملات التطهير المتصلة للعناصر الوطنية أو حتى التي يشتم منها رائحة وطنية.
2 - اعتمدت الأسلحة الأساسية في الجيش على البدو (قيادات وجنود)، وخاصة الدروع، وألوية الأمن - قوى القمع المباشرة ولم يقتصر الجيش على استيعاب بدو الساحة الأردنية الفلسطينية بل تخطاها إلى بدو العراق وسوريا والسعودية حيث ينتقل البدو من حياة الفقر والبؤس إلى أحضان نظام يؤمن لهم المكاسب المادية والمعنوية الثابتة، ومنذ الصغر تتم التربية على يد النظام.
وقد بلغت نسبة البدو غير الأردنيين في الجيش (بدو العراق، سوريا والسعودية) حوالي 30 بالمئة وثلاثين بالمئة من أبناء بدو وقرى الأردن وخاصة جنوب البلاد الأكثر تخلفًا بالواقع الاقتصادي والسياسي المعتمد على النظام إلى حد كبير والمرتبط به مصلحيًا وحياتيًا. بينما نسبة أبناء المدن الكبيرة، حيث التعليم والحركة الوطنية، لا تزيد كثيرًا عن 10 بالمئة، كثير منهم في الشؤون الإدارية والمهنية (تموين، ميكانيك،... إلخ). وفي وسط هذه النسبة تُجْرَى التطهيرات المتصلة للعناصر الوطنية (علينا ألا نفهم المسألة جامدة، ففي وسط أبناء البدو تتواجد عناصر وطنية بين الضباط حيث توفر لهم شيء من الثقافة العامة والإطلال على العالم الخارجي من خلال البعثات والدوريات في أميركا، إنكلترا، باكستان).
3 - نسبة أبناء الضفة الغربية حوالي 20 بالمئة في الجيش، الطابع الغالب هو الموقف الوطني العريض دون تحديد في الالتزام في صفوف الجنود وضباط الصف وقطاع من الضباط الصغار. بينما في صفوف الكبار الكثير من عتاة الرجعيين وخدمة العرش. والالتزام الوطني بدون تحديد تنظيمي عطل طاقات هذا القطاع عن الفعل داخل الجيش، كما أن عيون رفاقهم في السلاح والمشبعين بالأيديولوجية الرجعية الملكية والمرتبطة مصلحيًا بالنظام، حاصرت دورهم الوطني وشلت طاقات كثيرة.
هذه لوحة تركيب الجيش الأيديولوجية والاجتماعية، ومن هنا تتضح جملة نتائج:
( أ ) أن المسألة ليست مسألة أردني وفلسطيني بل هي تعود للتركيب الأيديولوجي والاجتماعي والاقتصادي للجيش (لاحظ أن أبناء الريف والمدن في الضفة الغربية لا يعتمدون على الجيش في الحياة الاقتصادية لطبيعة التركيب الاقتصادي في القرية الفلسطينية، عدم وجود إقطاع بل كبار ملاك أراضي، خصوبة الأرض، مواسم الأمطار، تقدم وسائل الإنتاج، الدورة الزراعية الثنائية والثلاثية، حركة السوق في المدينة، الريف قوة شرائية، انتشار التعليم المهني والعلمي، أطباء، مهندسين، السياحة، الهجرة في المنطقة العربية وأميركا ودورها في الحياة الاقتصادية،... إلخ).
(ب) إن غلبة عنصر البدو يجعل من الجيش أداة قمع عمياء بيد الرجعية الملكية.
(جـ) الرهان على عمليات انقلابية في الجيش جاءت حملة أيلول (سبتمبر) لتؤكد عدم إمكانية هذا الرهان فضلاً عن عدم صحته أيديولوجيًا وسياسيًا. وهذا لا يعني عدم الامتداد الوطني والتقدمي في صفوف الجيش، بل العكس هو الصحيح، فإن هذا الواقع يفرض على عموم الحركة الوطنية وحركة المقاومة أن تعطي اهتمامًا خاصًا لإنقاذ الجيش من قبضة الرجعية والإمبريالية والنضال من أجل تطويره إلى مؤسسة وطنية (تطهيره، خدمة العلم، طرد المرتزقة والعملاء، إدخال العناصر والإطارات المتعلمة والمثقفة في صفوفه وبشكل واسع،... إلخ). ومن هنا يتحدد دور القطاعات الوطنية في الجيش في أن تكون جزءًا مرتبطًا عضويًا بالحركة الوطنية والمقاومة وعبر عملية النضال الجماهيري.
(د) للوصول إلى موقف وطني ضد الإمبريالية والصهيونية، وطبقي - وطني ضد الرجعية الملكية بين أبناء الريف الشرق أردنيين في الجيش لا بد من معالجة قضية الريف الأردني في جدول أعمال المقاومة والقوى الوطنية ليتلمس أبناء الريف مصلحة وطنية وطبقية في الثورة والالتفاف حولها.
وبالنسبة للبدو فإن الحل ليس سريعًا بل يعتمد سياسة النفس الطويل لإشاعة الثقافة الوطنية في صفوف الجيش وتحريرهم من هيمنة الثقافة الرجعية الملكية.
كما أن طرح برنامج وطني والنضال في سبيله على امتداد الساحة الأردنية - الفلسطينية سيتلمس من خلاله ابن الضفة الشرقية مصلحته الوطنية والطبقية في الثورة، وسيسهم بشكل فعال في صحة معالجة المسألة لصالح الثورة الوطنية الديمقراطية في البلاد.
إن تجربة أيلول (سبتمبر) جاءت لتؤكد بالملموس وتحت قصف المدفعية والدبابات والرشاشات، طبيعة تركيب أجهزة الدولة، ودورها كأداة قهر بيد الثالوث الطبقي المضاد (الملكية+ الرجعية الأردنية - الفلسطينية+ الإمبريالية). فهل تستوعب حركة المقاومة هذا الدرس ؟ وهل تستطيع بعض فصائل المقاومة أن تتعرف على ما يجري حولها ؟ وإلى أين ستقودها أيديولوجية الرجعية التي تتغازل معها ؟
رابعًا: الأوضاع العربية واتفاقية القاهرة:
مثلت اتفاقية القاهرة " نموذج " موقف الأنظمة العربية المجتمعة في المؤتمر من حركة المقاومة ومن النظام الملكي الرجعي في الوقت ذاته. ودفعت المقاومة ثمنًا باهظًا لطبيعة علاقاتها مع الأنظمة العربية على امتداد الثلاث سنوات الماضية.
إن التكوين الطبقي والأيديولوجي والسياسي للأنظمة العربية أفرز سياسة ثابتة تجاه المقاومة مؤداها: بقاء المقاومة تحت سقف الأنظمة العربية حتى لا تشكل أية متاعب أيديولوجية وسياسية ووطنية للأنظمة وفي ذات الوقت تقديم حفنة من المساعدات لها وبالتحديد لبعض فصائل المقاومة لإغراقها في بحر سياسة هذه الأنظمة في المنطقة العربية، واستخدامها ورقة تكتيكية ضاغطة في برنامج الصفقة السياسية لتصفية القضية الفلسطينية، وضاغطة على الجماهير العربية في هذه الأقطار، وكل نظام من موقعه الذاتي وشبكة علاقاته الدولية.
وقد استجابت بعض فصائل المقاومة لهذه الصيغة في العلاقات تحت شعارات ديماغوجية " عدم التدخل في الشؤون الداخلية، التكتيك بالإفادة مالاً وسلاحًا من الأنظمة ". وبهذا ابتعدت هذه الفصائل خطوة خطوة عن " الاعتماد على الذات والجماهير العربية "، وعن التعامل مع الجماهير من خلال فصائل حركة التحرر الوطني العربية لا من خلال الأنظمة الحاكمة، لتقع بالنتيجة أسيرة مساعداتها المادية والمعنوية بالضرورة. فليس ممكنًا والحالة هذه تجاوز الأنظمة. والأهم من هذا كله أن طبيعة العلاقات القائمة حجبت عن المقاومة تقديم البرنامج الثوري البديل لبرامج هزيمة 67 ونكبة 48 لتصبح أوضاع المقاومة امتدادًا للأوضاع والتناقضات العربية رغم أن الممارسات العاكسة ليسار المقاومة التي لم يعد الطابع الغالب لحركة المقاومة في سياستها الاستراتيجية والتكتيكية اليومية التي تعرضت لحملات تطويق أيديولوجية وسياسية ومادية على يد الأنظمة العربية ومعظم الأنظمة الوطنية.
إن حملة أيلول (سبتمبر) أبرزت مواقع الأنظمة بشكل صارخ والتي تلتقي عمليًا (باستثناء الموقف السوري) عند نقطة " بقاء المقاومة تحت سقفها " وبقاء الملكية الرجعية في عمان " ولم يكن هذا جديدًا على كل فصائل المقاومة، فقد أكدت حملة التطويق والإبادة الرابعة ذات الدروس - حملة حزيران (يونيو) 1970 - ولكن بعض فصائل المقاومة ترفض باستمرار الاستفادة العملية والموضوعية من التجربة الملموسة، وإن كانت تتغنى لفظيًا - أحيانًا وليس دائمًا، بالدروس المستخلصة من تجربة الواقع حتى لا تترسخ في ثقافة القواعد والجماهير وتفرض عليها انتهاج سياسة وطنية جذرية في صياغة العلاقات العربية.
إن الأنظمة الرجعية واليمينية التي وقفت مع اتفاقية القاهرة منسجمة مع طبيعة موقعها الطبقي وارتباطاتها الإمبريالية، للحفاظ على الملكية الرجعية التي تمثل حلقة أساسية من حلقات الثورة المضادة في المنطقة.
كما أن الأنظمة الوطنية التي وافقت على الاتفاقية كانت أيضًا منسجمة مع نفسها، فهي تريد بقاء المقاومة ضمن حدود معينة لاستخدامها في الضغط على الإمبريالية والصهيونية من جهة ولكنها لا تريدها " مقاومة ثورية " في التسوية السياسية المنتظرة. وبذات الوقت هي تريد بقاء الملكية الرجعية لتبقى نافذة على الإمبريالية العالمية والأميركية خاصة وعامل اطمئنان لإسرائيل كجزء من محاولة الوصول لتسوية سياسية مع أميركا وإسرائيل، وحتى لا يفرض انهيار الملكية الرجعية لصالح الثورة الوطنية تطورًا جديدًا في منطقة الشرق الأوسط يفرض التزامات من نوع جديد على الأنظمة الوطنية.
من هنا جاءت اتفاقية القاهرة التي تمثل نسخة جديدة عن الاتفاقات السابقة ولكنها تتناسب مع طبيعة الحالة الناشئة عن حملة الثالوث الإمبريالي، الملكي، الرجعي الأردني - الفلسطيني حيث أنقذت العرش الذي سقط في نظر الجماهير العربية والرأي العام العالمي بكافة اتجاهاته الأيديولوجية والسياسية. وأعطت له امتيازات جديدة بحل ازدواجية السلطة في المدينة لصالح الرجعية (عودة البوليس إلى المدينة). وكأن تجربة الحملات الأربع السابقة لا وجود لها ودروس الحملة الخامسة لا مكان لها في حياة المقاومة والجنود والشعب والأمة العربية. وكأن الرجعية الملكية يمكن لها يومًا أن تلتزم بأي اتفاق لا ينسجم مع مصالحها الطبقية وارتباطاتها بالإمبريالية. والآن تنطلق الرجعية في متابعة حملتها من اتفاق القاهرة بعد أن ضمنت بقاءها وتجديد التعامل معها من جميع دول اتفاقية القاهرة دون احترام لاتفاق القاهرة وللاتفاقات المنبثقة عنه.
نتائج الحملة:
إن الإشارة المطروحة لأبرز دروس حملة أيلول (سبتمبر) تشكل المقدمات للنتائج التي ترتبت على هذه الحملة وأبرزها:
1 - إن التركيب الذاتي لحركة المقاومة هو الذي أعطى سلسلة الممارسات النظرية والسياسية والعسكرية والنقابية التي أدت إلى تراجع المقاومة خطوتين إلى الوراء بعد حملة أيلول (سبتمبر) (التراجع عن مواصلة النضال لتحقيق السلطة الوطنية، حل ازدواجية السلطة في المدن طبقًا لاتفاق القاهرة، أي في صالح الملكية الرجعية). وهذا تولد عن:
( أ ) ممارسات بعض فصائل المقاومة السياسية والتي أضاعت الحلقة المركزية في النضال لإحباط المشاريع التصفوية (حل التناقض مع الرجعية لصالح الثورة)، وعكس هذا الموقف نفسه حتى عشية بدء الحملة (الأسبوع الأول من أيلول - سبتمبر) كما أن هذا الهدف المرحلي لم يكن ثابتًا طيلة مجابهة الحملة. وبتعبير أدق إن بعض فصائل المقاومة لم تكن حاسمة وجادة تمامًا في حل التناقض مع النظام الرجعي. واتضح هذا من موقفها في مناطق الوسط والشمال، وأثر على مجموع عملية الصراع الناشبة؛ لأن وضوح الهدف السياسي يؤدي إلى سلسلة من التكتيكات السياسية والعسكرية لمتابعة معركة تحرير البلاد من الرجعية (طالما أن الرجعية تصر على تغليب التناقض الثانوي معها على التناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني الإمبريالي)، حماية الثورة وحتى تتفرغ بكل طاقتها لمتابعة الكفاح المسلح والجماهيري ضد العدو الصهيوني والحلول التصفوية،... إلخ.
(ب) طبيعة علاقة بعض فصائل المقاومة مع الأوضاع العربية والأنظمة العربية التي جعلتها (وجَرَّت معها يسار المقاومة) تحت سقف ورحمة الأنظمة العربية لأنها غير قادرة على تجاوزها وبالتالي الاعتماد على الذات والجماهير ورفض الاستجابة لمواقعها التوفيقية مع الملكية الرجعية.
(ج) طبيعة تركيب المقاومة السياسي والعسكري فرض عليها مجابهة الحملة الرجعية الإمبريالية بحرب المواقع رغم الحديث المتراكم عن حرب التحرير الشعبية " ولم تتمكن المقاومة من تطوير قتالها إلى " حرب شعبية " رغم النداءات الطويلة.
(د) تعطيل العديد من طاقات المقاومة السياسية والمسلحة عن المشاركة في الشمال والوسط بفعل غياب الموقف السياسي الحاسم الذي قيد القوات بمواقف دفاعية (حرب دفاع مواقع بيد المقاومة) دون الاندفاع نحو فتح الصراع مع الرجعية في طول القطر وعرضه وبأساليب تتداخل فيها حرب العصابات مع الكمائن والغارات على القوات الملكية وحرب الشوارع في المدن. والمقاومة لم تعد نفسها عمليًا وموضوعيًا لهذه الحرب الطويلة النفس. بالإضافة إلى تخاذل العديد من الإطارات وضيق أفقها في فهم المهمات المطروحة عليها لمجابهة الأزمة وتطوراتها.
إن التجربة التي وقعت بصورة مكثفة في حملة أيلول (سبتمبر) تفرض على كافة فصائل المقاومة مراجعة نقدية صارمة لممارساتها السياسية والعسكرية والمالية والتثقيفية، لمجابهة التطورات الجارية واللاحقة. وعلى يسار المقاومة بالذات المبادرة في هذه العملية وطرحها على الجماهير وإلا أضاعت دروس التجربة وغرقت في بحر ديماغوجية اليمين والتناقضات العربية.
إن المقاومة دفعت ثمن سياستها الخاطئة، وبات عليها أن تفهم جيدًا قوانين الثورة وترابطها الجدلي (وحدة الساحة الأردنية - الفلسطينية، العلاقة مع الأنظمة العربية والجماهير، الإمبريالية العالمية وعلاقاتها،... إلخ). وهذا يترتب عليه برنامج عمل وطني ديمقراطي في الساحة الأردنية - الفلسطينية يستجيب لتعبئة جماهير الضفتين بشكل منظم وعلمي وقادر على حل مشكلات العلاقة مع الريف والجنود. وبغير هذا تقع المقاومة أسيرة أمراضها وتكون بعد هذه التجربة قد دخلت مرحلة الشيخوخة شاءت أم أبت. هنا وفي هذه المرحلة بالذات يقع على كتف يسار المقاومة دور هام وتاريخي وطنيًا وقوميًا.
2 - بات مشروع الدولة الفلسطينية كجزء من صفقة التسوية مطروحًا على الشارع الفلسطيني أكثر من أي وقت سابق. فقبل الحملة كان محصورًا بين الأوساط الرجعية الفلسطينية العليا الملكية الرجعية (أمثال الجعبري، كنعان، شحادة، الفاروقي،... إلخ)، استجابة لمخططات إسرائيل والإمبريالية.
بعد حملة أيلول (سبتمبر) باتت الدوائر الدولية تطرحه (الأميركية - البريطانية رغم اختلاف النظرة، والسوفييتية لحل مشكلة شعب فلسطين وتأمين تسوية شبه نهائية للقضية الفلسطينية)، كما أن دولاً عربية تطرحه (المغرب وتونس قبل الحملة طرحتا المشروع على " فتح " تحت شعار نظرية خذ وطالب البورقيبية "، تصريحات هيكل عشية استقالته من وزارة الإرشاد ج. ع. م.، تصريحات الملك حسين بعد الحملة واتفاقية القاهرة)، ثم تصريحات القادة الإسرائيليين قبل الحملة وبعدها.
إن المسألة الأكثر خطورة، إن حملة أيلول (سبتمبر) أشاعت مناخًا في صفوف قطاعات شعبنا ولأول مرة منذ 1948 مستعدة لتقبل فكرة الدولة الفلسطينية للخلاص من الحكم الملكي الوحشي والبربري. وفعلاً فإن الخطة الإسرائيلية - الإمبريالية - الرجعية تلتقي عند نقطة توفير المناخ الموضوعي لولادة هذه الدولة ومحاولة توفير الإدارة الفلسطينية للأخذ بها.
في إسرائيل تُجْرَى محاولة خلق " قوة ثالثة " فلسطينية للدخول في صفقة التسوية الشاملة ومشاركة شعب فلسطين في الإقرار بدولة إسرائيل والتنازل عن جزء من أرض فلسطين. وهي قوة بديلة عن " الوجوه والإطارات الرجعية التقليدية التي خدمت العرش الهاشمي " والاحتلال ذاته بعد 1967، وعن حركة المقاومة، وذلك تحت شعار" رفض العودة لحكم الملكية الرجعية في عمان، وحق تقرير المصير في الضفة الغربية والقطاع ". وتجد الدعوة استجابة في صفوف قطاعات شعبية في الأرض المحتلة ويتقدم لها إطارات من العناصر البورجوازية والبورجوازية الصغيرة غير الملوثة في تاريخها الوطني (أطباء، مهندسون، معلمون، محامون،... إلخ).
وفي الضفة الشرقية فقد فشل النظام الرجعي في اعتماد الرجعية الفلسطينية المتعاملة معه لتنفيذ سياسة التسوية، نظرًا لخيانتها الوطنية تاريخيًا ورفض الجماهير لها، والتفاف الجماهير حول المقاومة الفلسطينية، كما فشل في تصفية المقاومة على حلقات أو تطويقها وإبادتها كاملة خاصة بحملة أيلول (سبتمبر) البربرية.
وخطة السلطة تقوم الآن على محاولة خلق " القوة الثالثة " من داخل حركة المقاومة بديلاً عن الإطارات الرجعية الفلسطينية المهزومة شعبيًا، وعن عموم حركة المقاومة. فبعد حملة أيلول (سبتمبر) ظهر اتجاه في أوساط قطاعات شعبية فلسطينية في الضفة الشرقية - بعد فشل المقاومة في إزاحة الرجعية - مستعدة لأي حل يريحها من حكم الملكية الرجعية. والحكم يطلق التصريحات لصالح الدويلة الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع، وفي ذات الوقت يعمل على أن يحقق سياسيًا ما فشل في تحقيقه عسكريًا وخاصة بالحملة الأخيرة: " تمزيق وحدة فصائل المقاومة وتصفية يسارها " تحت شعارات " التعاون مع " فتح " وجيش التحرير، بديلاً عن عموم فصائل المقاومة، ليتسنى له وللإمبريالية ضرب عصفورين بحجر واحد " تجربة عملية تصفية الثورة على حلقات بالوسائل والإغراءات السياسية، وتهيئة المناخ لقمع باقي فصائل المقاومة إذا فشل في جر بعض المنظمات إلى مشروع الدويلة الفلسطينية،. وبعد اتفاقية القاهرة تتعامل الثورة المضادة في عمان مع المقاومة بهذا الأفق.
وبذات الوقت يتابع عملية تجريد المقاومة من غاباتها البشرية في المدن بمتابعة سياسة الإرهاب والقمع البوليسي وإرهاق الشعب يوميًا لفرض مناخ بوليسي على البلاد ودفع جماهير المدن إلى الحياد بالقوة والانسلاخ عن حركة المقاومة والقوى الوطنية. حتى يسهل تصفية المقاومة في الحملات القادمة، المقاومة المجردة من الجماهير في المدن، والمحصورة بين الأغوار والقرى المضادة خارج المدن.
كل هذا في إطار متابعة تمزيق وحدة الشعب بين أردني وفلسطيني كجزء من العملية الجارية لإقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية و القطاع، والمحافظة على الملكية الرجعية في شرق الأردن، وطرح مشروع دولة اتحادية بين الدولتين الأردنية والفلسطينية فيما بعد، ليكون شعب فلسطين بين مطرقة إسرائيل وسندان الملكية الرجعية والإمبريالية.
وإذا فشلت مخططات الإمبريالية والرجعية في فرض هذه الحلول يكون النظام قد أعد كامل قواه لشن حملات إبادة جديدة على المقاومة والقوى الوطنية بعد أن مزق وحدة الشعب بزرع الروح الإقليمية الرجعية في صفوف أجهزة الدولة والشعب، وأضعف حركة المقاومة بالمناخ البوليسي المخيم على البلاد ومحاولته الجارية لتصفية المقاومة على حلقات بالأساليب والإغراءات السياسية.
ما العمل على ضوء التطورات الجارية في المنطقة:
إن تصفية القضية الفلسطينية، وحركة المقاومة والقوى الوطنية عمليًا، باتت مجسمة بخطوات متتالية على ضوء تجربة حملة أيلول (سبتمبر):
1 - متابعة الحملة سياسيًا وبوليسيًا ضد المقاومة والجماهير، لعزل المقاومة والقوى الوطنية عن الجماهير العريضة، لتصبح عارية تصارع وحدها (بفعل الأجواء البوليسية القمعية المتواصلة والإصرار الدؤوب على حصرها بين الأغوار والريف الذي يشهد ردة رجعية شاملة الآن). أي الأخذ " بنظرية توجيه الضربات المتتالية للمقاومة وبكافة الأساليب القمعية والتكتيكات السياسية "، حتى تصل المقاومة إلى حالة موضوعية يسهل فيها قمعها وإبادتها كليًا أو ترويضها والزج بها بالمشاريع الإمبريالية الرجعية المشبوهة.
متابعة حملة توفير المناخ للدويلة الفلسطينية (بالعنف المتصل المسلح والبوليسي والسياسي ضد المقاومة والشعب) لتتقبل قطاعات أكبر من شعبنا مشروع الدويلة المقترحة، خلاصًا لها من العذاب التاريخي ومن رصاص ومدفعية وإرهاب الملكية الرجعية. وتستخدم بالإضافة إلى القمع المتصل سياسة تمزيق المقاومة بالتلويح لفريق بالإغراءات المادية والسياسية (التعامل معها، حرية المواصلات، التنقل والحركة) والتضييق المتصل على الفريق الآخر، لخلق " القوة الثالثة " من داخل حركة المقاومة لتصبح بعد إرهاق المقاومة بين اختيارين " الأخذ بالتسوية المقترحة بفعل العقلية التجريبية التي تحكم العديد من إطارات بعض فصائل المقاومة أو التصفية لها في ظل ظروف موازين القوى ليست في صالح القوة الثالثة ".
2 - الإفادة السريعة من دروس أيلول (سبتمبر) بعد أن استوعب النظام دروس حزيران (يونيو) جيدًا لإحكام القبضة الحديدية على أجهزة الدولة (تطهيرها من العناصر الوطنية واليمينية المعتدلة) تعميق شق وحدة الشعب إلى أردني وفلسطيني، انطلاقًا من المحافظة على مملكة شرق الأردن، بعيدة عن مخططات تحويل الضفة الشرقية إلى جزء من الدولة الفلسطينية المقترحة وإعادة تنظيم الأوضاع العسكرية النظامية وتسليح القرى والعشائر لمتابعة الحملات المسلحة ضد الثورة والحركة الجماهيرية في سبيل إعادة البلاد إلى عهد الدكتاتورية الرجعية السوداء.
3 - وبذات الـوقت تـواصل إسرائيـل استثمار المناخ الذي ولدته حملة أيلول (سبتمبر) في صفوف شعبنا في الأراضي المحتلة، لخلق " القوة الثالثة " البديلة عن الإطارات الرجعية واليمينية التقليدية وعن حركة المقاومة المسلحة، في سبيـل المطالبة " بالحكم الذاتي " و" استغلال رفض الجماهير العودة إلى حكم الملك حسين بفعل التجربة التاريخية عامة وحملة أيلول (سبتمبر) خاصة ". وعلينا أن نلاحظ الطبيعة الطبقية للقوة الثالثة من الإطارات غير المشبوهة وطنيًا في السابق وتكوين بورجوازي وبورجوازي صغير.
4 - الإمبريالية والأوضاع الدولية تدفع باتجاه " تسوية " لأزمة الشرق الأوسط، يومًا بعد يوم تزداد القناعة (ومن مواقع مختلفة) بضرورة مشاركة شعب فلسطين في الحلول المطروحة (مشروع الدولة الفلسطينية) لإنهاء مشكلته بمشاركته في الإقرار بالتسوية ووجود إسرائيل.
5 - إن كل هذا ليس معزولاً عن الأوضاع العربية، فالأنظمة العربية تقف بالنتيجة مع الملك حسين وفي أفضل الأحوال مع بعض فصائل المقاومة التي لا تشكل خطرًا ذاتيًا مباشرًا عليها. وهذه الأنظمة مستعدة لأي حل يمكن التوصل إليه مع الإمبريالية وإسرائيل للقضية الفلسطينية ومنذ عام 1948 ولكنها غير قادرة على فرض هذه الحلول لأنها تقف في قفص الاتهام، مع سعيها الدائم لتنفيذ الحلول الاستعمارية المطروحة.
وبالمقابل فالأنظمة الوطنية (باستثناء الموقف السوري) وخاصة الموافقة على قرار مجلس الأمن التصفوي ومشروع روجرز ليست بعيدة عن المشاركة بتسوية يشترك فيها شعب فلسطين وتكون الدولة الفلسطينية من ثمرتها المباركة من هذه الأنظمة. ووضع هذه الأنظمة الذاتية واندفاعها نحو الأخذ بقرار مجلس الأمن التصفوي، يفسر الكثير من علاقاتها مع حركة المقاومة، ومع الملكية الرجعية. (قرارات مؤتمر طرابلس، مجلس الجامعة العربية، مؤتمر الملوك والرؤساء أيلول - سبتمبر - 70، واللجان والاتفاقيات المترتبة على هذا كله) وقد جاءت التطورات العربية التي رافقت حملة أيلول (سبتمبر) والأحداث الراهنة (وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، انكشاف موقف العراق الرسمي بعد الحملة الديماغوجية القومية والثورية اللفظية) في صالح الثورة المضادة (الإمبريالية + الصهيونية + الرجعية العربية واليمين في المنطقة العربية. وبالتأكيد فإن الثورة المضادة في المنطقة عمومًا وفي الأردن خصوصًا ستعمل على استثمار هذا الوضع لمصالح مخططاتها وخطواتها المعادية لحركة التحرر العربية عمومًا، والأردنية الفلسطينية خصوصًا.
ومقابل مخططات وممارسات الثورة المضادة، ما العمل أمام حركة المقاومة ؟ وكيف تصرفت حتى الآن ؟
لقد قفزت بعض فصائل المقاومة عن الدروس السياسية والتنظيمية والعسكرية لحملة حزيران (يونيو)1970 والحملات السابقة (الدروس المحلية والعربية والدولية) وما يترتب عليها من برامج عمل وممارسات يومية على كل الأصعدة السياسية (التحالفات الوطنية، وحدة الساحة الأردنية - الفلسطينية وقوانين الثورة الجدلية - فهم التناقض مع الرجعية الملكية والرجعية العربية - تصحيح العلاقة مع الأنظمة الوطنية العربية)، والتنظيمية (تركيب الأوضاع الداخلية، تطهير العناصر المتخاذلة واليمينية الرجعية من صفوف المقاومة، تصحيح العلاقات الداخلية نحو علاقة ديمقراطية مركزية مع القواعد وديمقراطية ثورية مع الجماهير)، والعسكرية (التسليح، التدريب، التثقيف،... إلخ). وبهذا بقيت بعض فصائل المقاومة تراوح في مكانها، بينما تحاول الفصائل التقدمية في المقاومة استخلاص الدروس ودفع المقاومة والحركة الجماهيرية باتجاهها. ونظرًا لطبيعة موازين القوى داخل المقاومة (التركيب الذاتي للمقاومة، موقف الأنظمة العربية من القوى الثورية في المقاومة، وضع حركة التحرر العربية ودورها في تصحيح أوضاع المقاومة... إلخ) فإن المقاومة دفعت غاليًا ثمن سياسات بعض فصائل المقاومة ورفضها الاستجابة العملية " السياسية والعسكرية والتنظيمية " لدروس السنوات الثلاث الماضية وخاصة تجربتي حملة شباط (فبراير) 70، حملة حزيران (يونيو) 1970، والآن وبعد حملة أيلول (سبتمبر) وكل التطورات والأخطار التي تتهدد القضية الوطنية وحركة المقاومة هل تستوعب بعض فصائل المقاومة الدروس الجديدة أم تقفز عنها؟ وفي المرحلة الراهنة ماذا يعني القفز عنها ؟
ملاحظات أولية:
إن حركة المقاومة تعيش في هذه المرحلة بالذات أزمة طاحنة، سياسيًا وتنظيميًا وعسكريًا، ويتوقف على فهم وممارسة مهمات المرحلة الراهنة مصير قضية الثورة والقضية الفلسطينية بذات الوقت وأبرز الملامح التي صدرت حتى الآن تركزت على:
طمس الأزمة الداخلية (السياسية والتنظيمية) في معظم فصائل المقاومة، والصمت على الأخطاء السياسية العسكرية التي وقعت في الشمال والوسط والتي كان لها دور كبير في اختلال ميزان القوى السياسية والمسلحة أثناء الحملة وبعدها. وهذا يعني متابعة ذات الإطارات المسؤولة عن الأخطاء الاستراتيجية التكتيكية لمسؤولياتها وكأن شيئًا لم يقع.
لم تجر حتى الآن في اللجنة المركزية للمقاومة أية محاكمة أو مراجعة نقدية لمجموع سياسات المقاومة على امتداد السنوات الماضية، وخاصة قبل وأثناء وبعد حملة أيلول (سبتمبر).
ومثل هذه المراجعة سيترتب عليها بالضرورة جملة نتائج سياسية وتنظيمية وعسكرية تشكل ملامح برنامج العمل في المرحلة الراهنة. ورغم مطالبتنا بمثل هذه المراجعة فإن بعض فصائل المقاومة تقفز عنها باستمرار وتترك المقاومة في دوامة العمل اليومي الجزئي والذي لا ينتهي بغير حلول جذرية وعلى الأقل متقدمة عما هو قائم.
مقابل هذا كله فإن بعض فصائل المقاومة ناشطة في الدعوة " لهياكل إدارية و تنظيمية وعسكرية " فارغة المحتوى ومن طبيعة ديماغوجية لا تخدم النهاية تلاحم قوى الثورة ووحدة مواقفها الأساسية والتكتيكية تجاه المهمات الراهنة المطروحة على المقاومة والحركة الوطنية في البلاد.
إن بعض فصائل المقاومة تحاول بعيدًا عن أية دراسة لبرنامج العمل الراهن والسياسة الوطنية والقومية المطلوبة تعميم مسألة الوحدة الإدارية التي فرضتها عملية التراجع على المقاومة بعد حملة أيلول (سبتمبر)، كما تطرح هذه الفصائل مسألة وحدة القوات العسكرية معزولة عن شروطها الوطنية والثورية، وحدة القوات بلا برنامج وهدف وطني تجاه " مسألة الجبهة الوطنية "، مجابهة مخططات الرجعية والإمبريالية، تمزيق فصائل المقاومة بحجة التعاون مع فريق دون فريق، الترجمة العملية واليومية لوحدة الساحة الأردنية - الفلسطينية وعلاقة إحباط المشاريع التصفوية بالوضع في عمان بعد هجمات الرجعية الحاكمة، الدولة الفلسطينية، العلاقة مع الأنظمة العربية، حركة التحرر العربية. وباختصار برنامج التحرر الوطني الديمقراطي في الساحة الأردنية الفلسطينية.
إن محاولة تعميم الخطط الإدارية التراجعية التي فرضتها حملة أيلول (سبتمبر) على المقاومة إلى خارج الأردن (لبنان مثلاً) ومحاولة التخاطب الديماغوجي (المضلل) لمسألة الوحدة الوطنية بطرح " وحدة القوات العسكرية، معزولة عن الشروط الوطنية والقومية المطلوبة (سياسيًا، عسكريًا، تنظيميًا، ماليًا، تثقيفيًا وإعلاميًا) هي عملية قفز في الهواء عن حقيقة الأزمة التي تعيشها المقاومة في هذه المرحلة ولا تؤدي بالنتيجة إلا لمزيد من التمزق في حركة المقاومة واحتدام الصراعات الداخلية (وحدة بلا هدف مرحلي نظريًا وممارسة يومية)، وطرح المسألة بشكل مقلوب لإدخال المقاومة أمام قواعدها والجماهير الفلسطينية - الأردنية والعربية في معركة مزيفة بين من يريد وحدة القوات ومن لا يريدها مستغلاً بذلك الحالة العاطفية العامة والغامضة حول ضرورات الوحدة الوطنية بعد حملة إبادة دامية للثورة والشعب. كما أن طرح المسألة بهذا الأفق يخدم بالنتيجة حملات الثورة المضادة وترك المقاومة عاجزة عن تحقيق وحدتها الوطنية. وفوق هذا كله إن طرح وحدة القوات والحياة الإدارية معزولة عن شروطها الموضوعية هي عمليًا دعوة لتجريد الثورة من أصلب فصائلها الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية، وتجريد المقاومة الفلسطينية من الفعل الثوري في واقع المقاومة
وحركة الثورة الفلسطينية - الأردنية والعربية حتى يتسنى لبعض فصائل المقاومة قيادة المقاومة ضمن آفاقها العاجزة عن استيعاب قوانين الثورة ووضع الثورة في مأزق تاريخي يهددها بالاحتضار أو الركوع أمام مخططات الأعداء.
إن الدعوات المزيفة للوحدة الوطنية منزوعة من برنامجها السياسي ومهماتها الراهنة هي دعوة مضللة وبالنتيجة مشبوهة فهي شبيهة بدعوة مؤتمر طرابلس لتوحيد المقاومة في منظمة واحدة " لتطويع المقاومة كليًا " تحت سقف الأنظمة العربية ".
إن المسألة المطروحة في حقيقتها هي دراسة الأزمة التكوينية لحركة المقاومة (أيديولوجيًا وسياسيًا وتنظيميًا وعسكريًا)، وصياغة برنامج عمل لجبهة وطنية موحدة، برنامج للتحرر الوطني الديمقراطي على ضوء تجربة الثلاث سنوات بشكل عام وتجربة أيلول (سبتمبر) ودروسها ونتائجها بشكل خاص لمجابهة كافة الأخطار والمشاريع المتعلقة بقضية الثورة والقضية الفلسطينية خاصة وحركة التحرر العربية عامة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب مشاركة جميع فصائل المقاومة بصياغة سياسات الثورة على ضوء تجربة الثلاث سنوات الماضية بشكل عام وحملة أيلول (سبتمبر) بشكل خاص في ظل مناخ تسوده روح المسؤولية والعلاقات الديمقراطية بعيدًا عن ضجيج الشعارات الديماغوجية والتصريحات الفردية غير المسؤولة.
إن الظرف العصيب الذي تمر به بلادنا وحركة المقاومة يتطلب جهدًا جماعيًا منظمًا لصياغة مجموع سياستنا الديمقراطية في هذه المرحلة وإلى حوار هادئ مفتوح ندعو جميع فصائل المقاومة والقوى الوطنية في البلاد للخروج ببرنامج يحدد المهمات الراهنة لحركة المقاومة ويضع الوحدة الوطنية الحقيقية والثابتة على كافة المستويات السياسية والتنظيمية والعسكرية.