التظاهرات الثقافية في الجزائر من 2007 إلى 2015

حكاية ميزانيات تفوق الـ5,5 مليار دولار وذهنيات ثقافية جديدة لا تقدر بثمن

آخر التحضيرات التي ترافق احتفاء تظاهرة قسنطينة عاصمة للثقافة العربية 2015، هو تأكيد كل الدول العربية مشاركتها، بعد أن رفضت غالبيتها قبل ذلك تنظيمها، الجزائر ولأنها الميسورة وحاملة الأفق الثقافي العربي تعتزم على تنظيمها بغلاف مالي حدد بأكثر من 15 مليار دينار جزائري أي 200 مليون دولار، في حين رصدت قبل ذلك تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية 2011 مبلغا إجماليا قدر بـ 5,2 مليار دولار، أما سنة 2007 فقد وصلت ميزانية الجزائر عاصمة الثقافة العربية إلى حدود 550 مليون دولار، وهي ميزانيات تفوق في تقديرها العام ميزانيات دول كثيرة وكذلك ميزانيات مشاريع تنموية أخرى سميت بمشاريع القرن.. فهل الثقافة التي تبرر فيما بعد فواتيرها في مصاريف الإيواء والإطعام هي مشاريع القرن والنهوض بالثقافة.. تحاول ”الفجر” هذا الأسبوع، المقارنة بين الميزانيات الثلاث.. بين التظاهرات الثلاث، وبين البقيات الصالحات التي خرجت بها الجزائر بعد كل تظاهرة.
الجزائر عاصمة الثقافة العربية.. مشروع ألف فاتورة وفاتورة
بلغة الأرقام تقول وزيرة الثقافة في تقييم خاص حول تظاهرة الجزائر عاصمة الثقافة العربية لسنة 2007، إنها وصلت إلى إتمام مشروعها الخاص بألف كتاب وكتاب بل وتجاوزته وحققت أكثر من 1246 عنوان، كما أنجزت في ذات الإطار 47 مسرحية متجاوزة الرقم أيضا بمسرحيتين، السينما أيضا حققت رقم 70 فيلما موزعة بين أفلام تلفزيونية، وثائقية وطويلة، كذلك هو الأمر بالنسبة للأسابيع الثقافية العربية التي وصلت إلى حدود 18 دولة عربية، في حين غطت الأسابيع الثقافية الوطنية الـ48 ولاية كاملة، تواصل الوزيرة تفاصيل الأرقام فتحتسب الجولات الفنية التي وصلت هي الأخرى إلى 62 جولة فنية شارك فيها أكثر من 500 فنان، هذا بالإضافة إلى 10 إقامات إبداعية وموسيقية، كذلك تضاعف عدد المهرجانات في حين وصل عدد الندوات إلى حدود الـ 50 ندوة موزعة بين ندوات المراكز والمكتبة الوطنية، مع تأكيد كبيرة على الزيادة التي قدمتها الوزيرة في كل مرة على شاكلة الزيادة خير من النقصان.
إلى غاية هنا كل هذه الأمور طارت مع الريح، بمعنى أنها لحظية.. قد لا نهمل بالتأكيد تأثيرها العام على الثقافة الجزائرية حتى لا نكون موضوعيين، حيث أنها خلقت نوعا من الاحتكاك بين المشهد الثقافي العربي والجزائري، غير أن الميزانية المهولة تجعلنا نسأل عن الذي ظفرت به الجزائر بعد كل هذا من منشآت ثقافية وهي الباقية.. تقول الوزيرة في هذا الصدد، إن الجزائر ظفرت بمتحف المنمنمات والخط العربي الكائن في قلب القصبة وهو قصر مصطفى باشا الذي خضع للترميم في إطار التظاهرة، وكذا متحف الماما (الفن المعاصر والحديث)، تتحدث الوزيرة أيضا عن الأسطوانات التي جمعت التراث غير المادي لمجموعة من الفنانين يمثلون أعمدة الفن الجزائري، ومع كل هذا كانت هناك انتقادات كبيرة لكيفية الاختيارات التي عرفها كل من الكتاب، السينما والمسرح، كذلك بعد العرض كانت هناك سقوط في الرداءة حسب الكثير من النقاد والمتابعين للتظاهرة، ومع كل هذا كانت الوزيرة في كل مرة تدافع على أفكارها وتؤكد أن ما تقوم به هو الأصلح والأنفع للثقافة، ومع هذا الإصرار جرف التيار الكثير من المثقفين التي تقلدوا مناصب مدراء الثقافة في ولايات الوطن، أو فتحوا دور نشر حتى يستفيدوا من مشاريع دعم الكتاب، وهناك من فتح بالموازاة علب اتصال للاستفادة كذلك من برامج السينما والسمعي البصري.. المهم صار هناك حراك وخلقت التظاهرة تقليدا ما تواصل بين الولايات من خلال الأسابيع الثقافية وكذلك مع المهرجانات التي تابعت محافظاتها ذات اللعبة.
متابعة: هاجر قويدري

الذهنية الثقافية الجديدة التي خلقتها عاصمة الثقافة العربية 2007
في العالم تخلق التظاهرات الثقافية تقاليد معينة، أعرافاً تتمكن من جعل الحدث الثقافي محافظا على وجوده وعلى جمهوره، ولكن في الجزائر عاصمة الثقافة العربية كانت البداية لظهور ذهنية جديدة، نحاول في ملحقنا هذا الحديث عنها لأنها بالفعل استمرت وتوضحت وإلا ما الذي يفسر احتضان الجزائر المكرر للعواصم الثقافية والإسلامية والثقافية على امتداد عشرية، وعليه يبدو أن الوزيرة خليدة تومي قدمت جرعة إدمان زائدة لكل الذين رافقوها في تظاهرة الثقافة العربية سنة 2007، فأصبحوا لا يستطيعون البقاء من دون تظاهرة.
عن هذه الذهنية يحدثنا الممثل حسان كشاش: ”في الحقيقة كل تظاهرة تقدم إضافة ولا يمكننا أن ننكر ذلك حتى لا ننحاز إلى طرف ما، لكن الأهم من كل هذا هو رجع الصدى لهذه التظاهرات ويتم ذلك قبل وبعد التظاهرة، غير أن الأمر الذي أركز عليه كثيرا في الاستثمار في العنصر البشري، كل هذه التظاهرات من واجبها أن تهتم بالعنصر البشري، وليس بالفواتير والحسابات، علينا في نهاية كل تظاهرة أن نسأل كم هو عدد القراء الذي كسبهم برنامج ألف كتاب وكتاب وإلا ما معنى ذلك؟؟ الكتب التي تذهب للمستودعات لا فائدة منها، والمسرحيات التي لا يتجاوز عدد عروضها العرضين لا فائدة منها أيضا، والأفلام التي لا تصل الوطن كاملا لا تستحق ميزانياتها، لذا من الضروري أن نبحث في هذا الجانب وهو المكتسبات البشرية.. والحقيقة أقولها مرة أخرى لقد حدث انتعاش في الثقافة مع هذه التظاهرات، عدد كبير من المسارح وصالات العرض أعيدت إلى الواجهة، والسبب هذه التظاهرات، لذا ليس من المهم أن نخوض في العقليات أو الذهنيات، وحتى لا أختلف معك كثيرا صحيح يحدث هذا معنا ولكن بالنسبة للشركات الخاصة للمؤسسات التي وجدت في الثقافة حيزا اقتصاديا جديدا، إذن هي حسابات اقتصادية، وهذا غير مهم على الأقل بالنسبة لي كمتابع للحياة الثقافية في الجزائر، أريد طرح الحساب الثقافي، أريد أن أؤكد أن المشكل الأكبر في هذه التظاهرات هو الاتصال، ونقص العمل الجواري في الجزائر، لا نجيد إجراء التغطية الإعلامية وهنا أقصد المؤسسات التي تعرف كيف نوصل المعلومة إلى الجهة الإعلامية المكلفة”.
فعلا الذهنيات السيئة ترسخت بصورة كبيرة داخل المؤسسات والشركات ولكن هل يدرك حسان كشاش أن الواقفين أو غالبية الواقفين على هذه المؤسسات والشركات هم من الفاعلين في المشهد الثقافي، ومن الكتاب والسينمائيين والمسرحيين، بالتأكيد لا يوجد قانون في العالم يمنع المثقف من إنجاز مشروعه الاقتصادي غير أن الذي يحدث في الجزائر هو أكبر من رؤية ثقافية -اقتصادية.. وحتى لا نكون أكثر قسوة لكنا قلنا إنها مشاريع نهب باسم الثقافة لا غير.. كما أن الشركات هي ذاتها التي تتكرر في كل مرة وفي كل تظاهرة ولا نشهد في عملها أي تطور يذكر..
  
تلمسان.. الاستثناء الأكبر بميزانية 5,5 مليار دولار
تلمسان غير، وميزانية تلمسان غير، كما تقول الأغنية، حيث أنها صاحبة الميزانية الأكبر والاهتمام الأكبر، مع أن البدايات شهدت ذات الكر والفر، خاصة وأن وزارات أخرى حاولت الدخول إلى لعبة التظاهرات الثقافية حتى لا تترك الوزيرة خليدة تومي سيدة الصورة الثقافية الجزائرية الوحيدة، ومع ذلك رصدت التظاهرة برنامجاً هاما ً على مستوى المنشآت وكذا البرنامج حيث توجت التظاهرة بمشاركة 29 بلدا إسلاميا، عبر افتتاح رسمي وشعبي، ربطت فيه المواعيد الدينية بالحدث على غرار المولد النبوي الشريف، تلمسان التي تزخر بتاريخ عريق وتراث عمراني هام شهدت إعادة بناء القصر الملكي الزياني، وكذا إنجاز قصر الثقافة (الإمامة)، كما شهدت  إنشاء أربعة متاحف ومركز للمخطوطات، ليصل عدد المشاريع الخاصة بالتراث المادي إلى 99 مشروعا يشرف عليه حوالي 50 مكتب دراسات.
كما شهدت تنظيم 12 ملتقى علمي، لمناقشة قضايا التاريخ والأدب المتعلق دائما بالحاضرة الفكرية تلمسان، أهمها ”ملتقى حول الشعر النسوي بتلمسان” و”ملتقى الإسلام في المغرب العربي ودور تلمسان في انتشاره” و”ملتقى حول مفكرو وأعلام تلمسان” إلى جانب ”ملتقى الأمير عبد القادر وتلمسان” وغيره، بالإضافة إلى دمج عدد من المهرجانات المرسمة وإعطائها صبغة التظاهرة، مثل ”المهرجان الثقافي الدولي للخط العربي” و”المهرجان الثقافي الدولي للمنمنمات والزخرفة” و”المهرجان الدولي للرقص الشعبي”. الجولات الفنية امتدت إلى تسعة ولايات مجاورة، من خلال عدد من الجولات الفنية حيث برمجت 1000 فنان وموسيقي من خلال 200 حفل موسيقي.
هذا كما قدمت 19 مسرحية ثم إخراجها من طرف المسرح الوطني محي الدين بشطارزي والمسارح الجهوية والتعاونيات الخاصة، أما الكتاب فقد تم نشر 365 عنوان، وتركز هذه المطبوعات على التاريخ والتراث المادي واللامادي لتلمسان وعلى الأدوار المتعددة التي لعبتها هذه المدينة الضاربة بجذورها في عمق التاريخ.
ومع هذا وفي نهاية التظاهرة باشرت مصالح البحث والتحري التابعة للشرطة القضائية لأمن ولاية تلمسان، عملية تحقيق معمقة في فواتير تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية على خلفية رسائل تكون قد وصلتها، وهي في معظمها خاصة بفواتير الإطعام والإيواء، حيث رفض والي ولاية تلمسان تسديد الفواتير المبالغ فيها بحوالي خمسة مرات من قيمتها الحقيقية، الوالي أيضا حمل المسؤولية الكاملة لوزيرة الثقافة خليدة تومي هذه المهزلة، بل وقدموا فواتير إحدى المطاعم التي تربط صاحبها علاقة بالمشرفين إلى 4 ملايير سنتيم في مجموع ما استهلكه الحاضرون من الحلويات والمشروبات خلال تنظيم الملتقيات بقصر الثقافة والندوات الصحفية بالنادي الدولي للصحافة وهي مبالغ لم يتقبلها أي عقل.
مما جعل الوزيرة تتعرض لأسئلة شفوية من طرف مجلس الأمة حول القضية، كما فقدت الكثير من علاقاتها بعد عدد من الخلافات مع الولاة والوزراء، ولكن خليدة باقية في منصبها وفي كل مرة تظهر تظاهرة جديدة الله وحده يعلم إن كانت لوجه الثقافة أم لوجه آخر، عدد كبير من المثقفين يرفضون الحديث في هذا الموضوع البعض منهم يشعر بالولاء أحدهم يقول هذا ويصر على عدم ذكر اسمه: ”قبل هذه التظاهرات لم يكن هناك شيء.. لا نشاطات ولا اعتبارات للمثقف. بعد هذه التظاهرات صارت القيمة المادية مهمة، الآن كل شاعر يقدم نشاط يأخذ حقه وهذا يحسب على خليدة، لقد أوجدت الوزيرة رؤية جديدة للثقافة بعدما كان كل شيء بلا قيمة، وعليه كل الولاء لها لأنها أنعشت الثقافة.. أما عن الرداءة أو الأصالة في المادة الثقافية المقدمة فهذا أمر لا يمكن حسابه الآن.. كل هذا لا يحدث فجأة بل يتطور كما يتطور المثقف.. كذلك أنا سعيد بتظاهرة قسنطينة هذا كله يجعلنا على المحك، والحقيقة أنني أعرف الكثير من المثقفين العرب ينتظرون المشاركة في التظاهرات الجزائرية لما تحتويه من تعامل جيد واحترام مادي ومعنوي”.
ومع هذا تحضر الجزائر والوزارة نفسها مرة أخرى نفسها لتظاهرة جديدة هي تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية لسنة 2015.

قسنطينة.. الميزانية الأقل بعد ضياع سطوة الوزيرة
بدأت الترتيبات الخاصة بتظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، بحيث تحدثت السلطات المحلية عن إعادة بعث مشروعي فتح درب السياح ومصعد سيدي مسيد المتوقف عن الخدمة منذ سنوات، وعليه رصدت السلطات مبلغ 18 مليار دينار من أجل التهيئة الخاصة بالطرقات فقط، والتي وصلت إلى حد الآن 197 عملية، كما ستعرف الولاية إنجاز ستة ملحقات خاصة بدار الثقافة، وكذا إعادة تأهيل وتجهيز 7 قاعات للعرض السينمائي وإنجاز قاعة عرض كبيرة تتسع لـ 3000 مقعد فضلا عن إنجاز متحف وطني للفنون والتاريخ بالإضافة إلى إنجاز وتجهيز قصر الثقافة وأجنحة عرض جديدة فضلا عن إعادة تأهيل كل من دار الثقافة محمد العيد آل خليفة والمدرسة الفنية حسبما يفيدنا مدير الثقافة جمال فوغالي: ”جانب من الميزانية سيخصص للترميمات التي ستنعش المدينة خاصة وأنها تحتوى على عدد من المعالم الأثرية المهمة والمتضررة كثيرا جراء الإهمال، وعليه جاءت هذه التظاهرة لتعجل لعمليات الترميم وتعطي حق هذه البنيات العمرانية الثقافية حقها، تعديلات أخرى وإنجازات كثيرة ستعرفها المدينة من أجل عرس قسنطينة وعرس الجزائر لاستقبال الثقافة العربية، كما تحرص السلطات المحلية على ضرورة استلام المنشآت قبل افتتاح التظاهرة”.
أما عن برنامج التظاهرة الثقافي فقد صرّحت الوزيرة خليدة تومي، أن البرنامج سيكون جاهزا في الفصل الأول من سنة 2013 بشقيه التجهيز والعرض، مؤكدة أن التحضير سوف يستغرق الوقت الكثير، نظرا للمشاكل والعراقيل التي تواجه العاملين عليها. نظرا للملفات الموازية مثل الفنادق، النظافة، النقل والمنشآت القاعدية، كل هذا من شأنه أن يكون على حساب الثقافة.
ومع هذا التذمر يضيف جمال فوغالي: ”هناك مشروع ثلاثة متاحف جديدة وقاعة عروض كبرى وملحقات خاصة بقصر الثقافة، وعدد من المكتبات، فضلا عن إعادة الاعتبار لصالات السينما المتوفرة التي أكدت تسليم إداراتها لطاقات شبانية محلية ستستفيد من تكوين إداري ومالي خلال مرحلة الترميمات.
في هذا المزمار سألنا زهور ونيسي، عن استعدادها لقسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015 فقالت: ”أنا لا أستعد..  المؤسسات تستعد، أنا يمكنني المشاركة من خلال ندوات أو مساهمات ولكن لا خوف على قسنطينة هذه المدينة تضم تحت جناحها عدد كبير من العلماء ولا تحتاج إلى الكثير.. إنها مدينة العلم والعلماء..”.
وعليه لا يمكننا أن نقول إن التظاهرات الثقافية في الجزائر هي استغلال للمال العام بقدر ما هي كذلك رؤية ثقافية ما، على الرغم من التفاوت في الميزانيات.

التعليقات

(0 )

المزيد من الأخبار