صفحات من تاريخ البحرين

 

 

المشرق

 

 

صمود قبائل (عبد القيس) بوجه الرِّدة عام (12هـ)

بقلم كمال عبد الرحمن النعيمي

 

 

لن نتوقف طويلاً مع (الرِّدة), فقد كتبنا عنها في مجالات أخرى بما يكفي حسب اعتقادنا لتغطية هذا الإعصار الناري وما خلفه من مآس وخسائر عامة كانت الجزيرة العربية في غنىً عنها, لولا ذلك الطيش المبني على الطمع والجهل معاً الذي أصاب الرؤوس الخاوية دون معنى, فوقعت الجزيرة تحت الهول الذي دفع ثمنه المتآمرون على الإسلام والمسلمين, ولم يكن الأمر سهلاً على جيوش الحق وهي تدحر جموع المرتدين, فإذا لاحظنا أن الردة قد اشتعلت في زمن الرسول e حيث ادعى النبوة مسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد الأسدي والأسود العنسي(1) والنبي محمد مازال على قيد الحياة, لأدركنا صــعوبة الموقفين (العام والـــخاص) بعد وفــاة النبي e (2).

 فـ (الموقف الخاص) ونقصد به (موقف المدينة المنورة) مركز قيادة الجيوش الإسلامية قد بات في مأزق حقيقي حينما أصر الخليفة أبو بكر الصديق t  على إرسال جيش أسامة بن زيد لمحاربة الروم في الشام(3) تنفيذاً لأمر النبي e بإنفاذ هذا الجيش, هنا أصبحت القيادة العسكرية في المدينة المنورة في موقف لا تحسد عليه, فلم يعد فيها جيش نظامي كافٍ للدفاع عنها, أما (الموقف العام) فهو موقف الجزيرة العربية عامة, حيث امتدت أصوات الردة من أطراف البصرة إلى البحرين (عدا المسجدين) أي مكة والمدينة كما يقول (المسعودي) في كتابه مروج الذهب(4), وإزاء هذين الموقفين (الخاص والعام) كان على الخليفة الصديق t والمسلمين أن يواجهوا صعوبات جمة, منها أن الردة انتشرت في الجزيرة بشكل سريع وخطير, ولم يكتف المرتدون بإعلان ارتدادهم عن الإسلام, إنما هاجمت جماعات منهم مركز القيادة الإسلامية في المدينة, ووصلوا إلى أبي بكر الصديق t وهو يصلي في مسجد المدينة(5), وتمكن مع بعض الصحابة والحراس من طردهم خارجها, ثم طاردهم إلى (الأبرق)(6) .

في هذه الأجواء الصعبة المحيطة كانت المدينة قد تعرضت مرات عدة لهجمات المرتدين الذين كانوا يتحينون الفرص للانقضاض عليها وإزالة آخر وأهم قلعة من قلاع الإسلام .

في هذا الموقف الشائك العصيب وفي الطرف الآخر من الجزيرة صمدت قبيلة عربية مسلمة وثبتت على الإيمان وعاهدت الله ورسوله على الصمود بوجه (الرِّدة) مهما طالت واستطالت, لذلك يمكن تصور حالتها على أنها أشبه بانتحار جماعي بطيء, فإذا كانت المدينة المنورة التي هي قلب الإسلام النابض, تعاني من الهجمات والمؤامرات المستمرة مما يجعلها في موقف خطير لا نظير له, فكيف بقبيلة (عبد القيس) المسلمة الصامدة في البحرين وكل من حولها قد ارتد وأصبح عدواً للإسلام والمسلمين(7) .

 

البحرين والإسلام

 

بعد صلح الحديبية أرسل النبي e عدداً من الرسل إلى الملوك والحكام والأمراء في الجزيرة العربية ومن حولها, وأرسل منهم العلاء الحضرمي إلى (المنذر بن ساوى ملك البحرين) فدخل الإسلام(8) .

وهكذا انتشر الدين الحنيف في أرجاء البحرين, ثم عين النبي e بعد ذلك (العلاء) والياً على البحرين, وحدث أن مرض النبي e في أواخر أيامه وكذلك مرض (المنذر), وتوفيا بوقت متقارب(9), فعاد العلاء إلى المدينة المنورة تسبقه أخبار الرِّدة, وانقسمت بعده البحرين إلى رجال عاهدوا الله ورسوله على الثبات على الإيمان وإلى قبيلة أخرى انقلبت على أعقابها مرتدة عن جادة الحق والصواب, وكان رجال الإيمان في البحرين هم قبائل (عبد القيس), أما سبب انقلاب أعدائهم التقليديين (قبيلة بني بكر بن وائل) فهو عداء شخصي قديم بين القبيلتين, وهكذا أصبحت قبيلة (عبد القيس) في موقف خطير للغاية, وبخاصة بعد أن استنجدت (بكر) بـ (كسرى ملك الفرس)(10), لإعانتهم على (عبد القيس) وتحت ذريعة أنهم يبغون حاكماً للعرب بدلاً عن الخليفة الصدِّيق(11) .

وهكذا أخذت المواقف تتعقد والأمور تتشابك والحصار يضيق شيئاً فشيئا على (عبد القيس) المؤمنة الصامدة الصابرة, فقد أرسل كسرى (المنذر بن النعمان بن المنذر) ليقود (بكراً) ويبدأ بالقضاء أولاً على (عبد القيس) ثم يتجــه بعد ذلك لاحتلال الجزيرة العربية(12) .

هنا اضطرت (عبد القيس) إلى الاستنجاد مباشرة بأبي بكر الصديق t فقام رجل منهم يدعى (عبد الله بن حذف)(13) بكتابة هــذه الأبيات وإرســـالها إلى الخليفة أبي بكر t :

ألا أبلغ أبا بكـر رســــــولا           وفتيان المدينــــــة أجمعينـــا

فهل لكم إلى قـــــــوم كرام           قعود في (جواثـــــا) محصرينا

كأن دماءهــــم في كل فــج            شعاع الشمس يغشى الناظرينا

توكلنــا على الرحمن أنـــَّا             وجدنـــا الصبر للمتوكلينـــــا

فلما نظر أبو بكر t إلى هذه الأبيات اغتم غمًّا شديداً لما ذكر فيه من حصار (عبد القيس) وقد اجتمعت عليهم الفرس وبنو بكر(14), فقرر إنجادهم بجيوش المسلمين ورفع الحصار عنهم .

 

العلاء الحضرمي ومعارك البحرين

 

أمر الخليفة أبوبكر t القائد العلاء الحضرمي بالمسير إلى البحرين بعد أن عقد له علماً وضم إليه ألفي رجل من المهاجرين والأنصار(15), وكان العلاء رجلاً تقياً ورعاً وشهماً غيوراً, روى أربعة أحاديث عن النبي محمد e وكان أحد كتاب النبي, وإلى جانب ذلك كان شجاعاً مقداماً صاحب شخصية قوية نافذة شديد الثقة بنفسه وجيشه يحبهم ويحبونه, كما كان سريع القرار يعتمد في قتاله على مبدأ (المباغتة), فكان يباغت العدو من مكان لا يتوقعه, كما فعل بعبور صحراء الدهناء ليصل إلى البحرين بأسرع وقت مستطاع من اتجاه لا يتوقعه المرتدون بالرغم من مخاطر عبور هذه الصحراء, وبذلك سبق القائد خالد بن الوليد في قطعه الصحراء عندما سار من العراق إلى الشام, كما باغت العلاء أهل فارس بعد معارك البحرين في وقت لا يتوقعه الفرس عندمـــا عبر البحر إليهم(16) .

وهكذا وصل العلاء إلى البحرين, حيث كان القتال مستعراً بين الفرس وبكر من جهة وبين عبد القيس من جهة أخرى, ولكثرة الأعداء فقد تراجعت عبد القيس إلى حصن (جواثا)(17) وهي تقاوم تلك الأعداد الغفيرة من الأعداء, ولكن سماعهم خبر وصول العلاء رفع معنوياتهم وحثهم على مواصلة الجهاد, فأرسل المحاصرون خبراً إلى العلاء بأن يكون هجومه (ليلاً) على الأعداء(18), فأجابهم إذا سمعتم جلبة المعركة في الليل فاخرجوا من الحصن وقاتلوهم من جهتكم واعلموا أنني قد دخلت معسكرهم(19), ومع بداية الليل صار العلاء يقوي عزيمة جيشه وينهاهم عن الجزع والفشل, ثم أرسل رجلاً من أصحابه ليتجسس أخبار الأعداء, وعاد بعد فترة ليقول أبشر أيها الأمير فإن القوم سكارى(20) وقد أخذهم النوم, فتقدم العلاء بجيشه رويداً رويدا, فلما شاهدهم وهم بهذه الحال انقض عليهم, ولم يشعر الفرس وبنو بكر إلا وخيول المسلمين قد أكبت عليهم وحوافرها تطأهم, فاستيقظوا فزعين, ولكن سيوف المسلمين لم تمهلهم ليسترجعوا وعيهم, وبالوقت نفسه خرجت (عبد القيس) من الحصن وانقضت على الأعداء فوقع المنقلبون تحت سيوف المسلمين من كل جانب, وعلى الرغم من اشتداد القتال بين المسلمين وأعدائهم, إلا أن الأعداء هزموا بنصر من الله, وبين ذاهل ومندهش, وبين جريح وهارب, فقد لاذ ما تبقى من الأعداء بموضع يقال له (الردم)(21), واجتمعت (عبد القيس) من جميع نواحي البحرين فصار عددهم أكثر من ستة آلاف(22) بقيادة العلاء, فخطب فيهم قائلاً : يا معشر عبد القيس اعلموا أنكم في جهاد كجهاد من جاهد بين يدي رسول الله e وليس بين هؤلاء وأولئك فرق(23) .

ثم سار العلاء مع جيوشه لتطهير جزيرة (دارين)(24) من الأعداء, وليس لها سوى طريق واحد وكان بينهم وبينها خليج, فاقتحمه المسلمون بقيادة العلاء على خيولهم وإبلهم وحميرهم وغير ذلك وفيهم الراجل, ودعا العلاء والمسلمون, وكان من دعائهم : (يا أرحم الراحمين يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حي يا محيي الموتى يا قيوم لا إله إلا أنت . .)(25) فاجتازوا الخليج بإذن الله, قال أبو هريرة وكان معهم : (مشينا على الماء !)(26), وبعد ذلك انقضوا على من في الجزيرة من الأعداء ومزَّقوهم تمزيقاً .

بعد ذلك سار العلاء بجيشه إلى (الردم) واشتبك مع من فيه من الأعداء, فانهزموا بين يدي المسلمين(27), وهكذا انهزمت (بنو بكر) فلحقوا بالبراري والفلوات هائمين من سيوف المسلمين, وهرب المنذر بن النعمان إلى (جفنة) واستجار بأهلها(28), وانهزمت الفرس فسار بعضهم إلى مواضع مثل (الزارة والقطيف والخط) وهي قرى بالبحرين(29), ثم كتب العلاء إلى أبي بكر الصديق (رض) يخبره بما فتح الله عليه ونصر المسلمين في البحرين .

 

كلمة

ثمة معارك في تاريخ البشر تأخذ شهرة أوسع من أهميتها ودورها الخطير في الحضارة الإنسانية, ومعارك أخرى تتجلى فيها كثير من الدلالات والمعاني السامية ولا تنال حظها من الشهرة والانتشار لأسباب, والأمثلة كثيرة ولعل أهمها هي معركة (جواثا) في البحرين, معركة نادرة في التأريخ ولكنها غائصة في عباب المجهول, لا يتعرض لها المؤرخون إلا لمحاً أو صدفة أو إيجازاً أو اختصاراً, ولكنها في حقيقة الأمر معركة من طراز خاص لا تقل أهمية عن كثير من معارك المسلمين الأخرى, فمن خلال الظروف الموضوعية لها نجدها معركة ذات مميزات وخصائص فذة, من ذلك أنها معركة صفحات, الصفحة الأولى اشتباك (بني بكر) و (عبد القيس), الثانية هجوم جيش الفرس وبكر على (عبد القيس), الثالثة القتال التراجعي للمسلمين ثم مرحلة الحصار, الرابعة هجوم المسلمين من خارج الحصن (جيش العلاء) وداخله (عبد القيس) على جموع بكر والفرس, ثم بعد ذلك بدأت المطاردة وأعقبتها صفحات أخرى حيث تم تطهير مواضع (دارين) و(الردم), وأخيراً تطهير أرض البحرين كاملة من أرجاس المرتدين وأعوانهم من الفرس .

ولنا أن نذكر دائماً أن مسلمي البحرين كانوا في تلك الظروف الحرجة بين فكي كماشة من نار, ففي الوقت الذي هوجم فيه الصديق t وهو يصلي في المسجد, وكانت المدينة المنورة عرضة لغارات وهجمات المرتدين المستمرة, فإن عبد القيس في البحرين قد ضربت بصمودها مثلاً سامياً تفخر به الأمة الإسلامية .

فالإنصاف والحق أن يلتفت المؤرخون والباحثون والدارسون إلى هذه المعركة الخالدة والتعمق بمفاصلها وحيثياتها, وأتمنى لو قامت جهة ما في البحرين وما أجدر مركز الوثائق التاريخية في البحرين بذلك . بإقامة ندوة أو إصدار كتاب عن هذه المعركة بالذات كما يحدث في بلادنا الإسلامية, حيث يقوم بلد ما بإقامة ندوات أو محاضرات أو إصدار كتب خاصة بالمعارك الإسلامية التي وقعت في ذلك البلد .

أتمنى !  .

 

 

 

الهوامش

 

1 ابن هشام, السيرة النبوية, حققه د. همام سعيد ومحمد عبد الله, مكتبة المنار, الأردن الزرقاء, 1409هـ - 1988م, مجلد 4 ص327 * المسعودي, مروج الذهب, دار الكتب العلمية , بيروت, 1406هـ - 1986م, جـ 2 ص331 * أحمد بن زيني دحلان, الفتوحات الإسلامية, المكتبة التجارية الكبرى, مصر, 1354هـ, جـ1 ص5 .

2 ابن هشام, مصدر سابق, مجلد 4 ص421 * دحلان, مصدر سابق, ص5 + ص6 .

3 دحلان, ص3 .

4 المسعودي, جـ 2 ص329 .

5 عمر أبو النصر, مع الجيش العربي في صدر الإسلام, مكتبة عمر أبو النصر, بيروت, 1969 ص63 .

6 المصدر السابق, ص65 .

7 ابن أعثم الكوفي, الفتوح, دار الكتب العلمية, بيروت, 1406هـ - 1986م, مجلد 1 ص40 .

8 ابن حزم, جوامع السيرة النبوية, مؤسسة علوم القرآن (دمشق بيروت), 1404هـ - 1984م, ص24 .

9 الطبري, تأريخ الرسل والملوك, مطبعة السعادة, القاهرة, جـ 2 ص176 * زهير صادق رضا, أبطال من التأريخ العربي الإسلامي, دار الشئون الثقافية, بغداد, 1989م, ص348 .

10 ابن أعثم, مصدر سابق ص40 .

11 المصدر السابق, نفس الصفحة .

12 المصدر السابق, ص41 .

13 الطبري, مصدر سابق, جـ 2 ص380 * ابن الأثير, الكامل في التاريخ, جـ 2 ص170 * ابن أعثم, ص42 .

14 ابن أعثم, ص42 .

15 الطبري, جـ 2 ص176 * ابن الأثير, مصدر سابق ج2 ص119 .

16 زهير صادق رضا, مصدر سابق ص433 .

17 دحلان, مصدر سابق, جـ 1 ص29 * ابن أعثم, ص42 .

18 الطبري, جـ 2 ص480 * ابن أعثم, ص44 .

19 ابن سعد, الطبقات الكبرى, بيروت, 1957م, جـ 4 ص359 * ابن أعثم, ص45 * زهير صادق, مصدر سابق ص421 .

20 دحلان, ص29 * ابن أعثم, ص45 .

21 ابن سعد, مصدر سابق, جـ 2 ص360 * ابن الأثير, مصدر سابق ص121 * ابن أعثم, ص45 .

22 ابن أعثم, ص45 .

23 ابن أعثم, الصفحة السابقة .

24 ابن الأثير, أسد الغابة في معرفة الصحابة, ط طهران, جـ 4 ص10 * ابن أعثم, ص46 .

25 دحلان, ص29 .

26 دحلان, ص30 .

27 الطبري, جـ 2 ص482 * ابن الأثير, جـ 2 ص123 * دحلان, ص29 .

28 ابن أعثم, ص46 .

29 ياقوت الحموي, معجم البلدان, جـ 2 ص367 .