ISSN 1993-8616

العدد الثالث - 2007


يوم في متحف مالي الوطني






© متحف مالي الوطني
على غرار العديد من المؤسسات الثقافية الأفريقية، يواجه المتحف الوطني في مالي حالياً مسألة لا تخلو من الحساسية، ألا وهي مسألة استعادة ممتلكاته الثقافية الموجودة في متاحف بلدان الشمال. لكن هذا البلد يطرح تساؤلاته ضمن سياق أشمل، إذ يتوقف أيضاً عند مكافحة أعمال نهب هذه الممتلكات والإتجار بها بشكل غير مشروع.








"يزور متحفنا ما بين 000 20 و000 25 شخص سنوياً. وهم يأتون من جميع أنحاء العالم". يقول لنا صموئيل سيديبيه، مدير المتحف الوطني في مالي.

عند سفح الرابية التي تأوي القصر الرئاسي في باماكو، ينتصب المتحف الوطني. وفي الحديقة المحيطة به، لا تخشى العصافير الاقتراب من الزوّار المسترخين على العشب، وسط طقطقة عدسات التصوير. زوجان إسبانيان يخلِّدان مرورهما في هذا المكان.. وعلى بعد خطوات، شابان أستراليان أنهيا زيارتهما للتو، ويهمّان بالتقاط صورة تذكارية أيضاً.

"يزور متحفنا ما بين 000 20 و000 25 شخص سنوياً. وهم يأتون من جميع أنحاء العالم". يقول لنا صموئيل سيديبيه، مدير المتحف الوطني في مالي منذ قرابة... عشرين عاماً. من المعروف أن هذا الرجل يمضي القسم الأكبر من وقته في مكتبه وسط أكوام الورق. يستقبل زوّاره وفي يده قطعة سندويش. كان "متحفه" يُدعى في الماضي المتحف السوداني في باماكو. لكنه تحول إثر استقلال مالي، عام 1960، إلى "المتحف الوطني". وقد ازدهرت هذه المؤسسة منذ ذلك الحين، إذ ارتفعت ميزانيتها من 9 ملايين فرنك أفريقي عام 1992 إلى حوالي 350 مليوناً حالياً. كما يُقدَّر عدد القطع الأثرية لمجموعات المتحف بزهاء 7000 قطعة.

في صالة أطلق عليها اسم "مالي عبر آلاف السنين"، حكاية تاريخ الإنسانية، وتطور التقنيات، والممارسات الثقافية، ونشأة المدن، وحركات التبادل الثقافي في مالي، تسردها على الزائر سلسلة من القطع والأدوات، بدءاً من الأقراص والأطباق، وصولاً إلى قوالب سك النقود والسنادين والفؤوس على أنواعها. وتثبت هذه الأدوات المصنوعة من الحديد أن الإنسان كان يتحكم بالحديد قبل القرن الثالث عشر بزمن طويل.
.



© المتحف الوطني، مال
قصة التمثال الصغير

في الصالة نفسها يقف أمامي تمثال صغير. وهو ليس بتمثال عادي. ففي أسفل قاعدته المصنوعة من زجاج وقائي كتِبت هذه الكلمات: "هِبة من السيد جاك شيراك، رئيس الجمهورية الفرنسية – 1997". ولهذه الهبة قصتها. فبمناسبة عيد ميلاده، تلقى الرئيس الفرنسي هذه القطعة الأثرية علماً أنه يُعدُّ من كبار هواة الفن الأفريقي. وبعد تحقيق معمَّق أجرته الصحافة، تبيَّن أن القطعة صادرة عن حفريات غير مشروعة جرت في مالي. أثارت القضية ضجة إعلامية، وقرر الرئيس شيراك في أعقابها تقديم الهدية كهبة إلى المتحف الوطني في مالي. إنها طريقة لإعادتها إلى موطنها الأصلي، مما يشير إلى حساسية مسألة إعادة ممتلكات الفن الأفريقي الموجودة في متاحف الغرب.

ويشرح صموئيل سيديبيه قائلاً: "نهب ماضينا الثقافي حكاية لا تنتهي. وأعتقد أنه يجب خوض هذه المعركة على جبهات عدة، بين طلب الاستعادة النهائية لممتلكاتنا، والاستعادة المؤقتة لبعض منها بمناسبة تنظيم معارض جوالة، والتصدي لأعمال النهب". وسيديبيه ملمّ تماماً بهذا الموضوع، فهو حائز على جائزة الأمير كلاوس لعام 2007، وهي مكافأة تمنح لأشخاص ينشطون لمواجهة الإتجار بالممتلكات الثقافية. وقد وضع نظاماً لمنح رخص بالتصدير إلى مجمل القطع الثقافية الخارجة من البلاد انطلاقاً من مطار باماكو. وتصدياً للإتجار على نطاق أوسع، يدعو سيديبيه أيضاً إلى تطوير شراكة على المستوى الإقليمي بهدف تنسيق التصدي للإتجار بواسطة فرق مراقبة منتشرة في القرى والمواقع الأثرية حيث تجري الحفريات.




© متحف مالي الوطني
مواجهة شاملة

ويرى صموئيل سيديبيه أن على اليونسكو أن تلعب دوراً "مركزياً" في مكافحة أعمال نهب القطع الفنية واستعادتها. ويضيف قائلاً: "إن مجرد بعث رسالة إلى متحف أوروبي لاستعادة ممتلكات ثقافية لا يحلّ المشكلة. بل يجب أن تكون المعركة شاملة. ولا شك أن مشاركة اليونسكو بشكل أنشط في هذه المعركة أمر ضروري".

فيما خلا المعركة الطويلة الأمد لاسترجاع الممتلكات الموجودة في متاحف بلدان الشمال، يعمل سيديبيه على أن يبقى متحفه مكاناً حياً. ففي الصالة المخصصة لصناعة النسيج في مالي، تعرَض الأزياء التقليدية في جوار الألبسة العصرية المصنوعة من الأقمشة القطنية كالـ"بوغولان" الذي يرمز حالياً إلى الهوية المالية، سواء في غرب أفريقيا أو في أوروبا.

متحف باماكو مكان يفيض بالثقافات والأنشطة. ويدعو مديره الزوار لحضور أيام "خميس الموسيقى"، حيث يُقدم موسيقي كل يوم خميس حفلاً أمام حوالي ألف شخص في باحة المتحف. كما تنظم برامج لعرض الأفلام وعروض أزياء. ويختم سيديبيه بالقول: "إن الثقافة ليست شيئاً ثابتاً، وإنما هي قائمة على الحركة".

سيرج دانيال، باماكو