المقالات | اضغط هنا للمزيد

صوت العراق - Voice of Iraq - كتاب جديد: سكة حديد برلين- بغداد, دروسٌ وعبرٌ للعراقيين بقلم: حسين عبد الزهرة مجيد
كتاب جديد: سكة حديد برلين- بغداد, دروسٌ وعبرٌ للعراقيين


بقلم: حسين عبد الزهرة مجيد - 03-07-2010 | (صوت العراق) | نسخة سهلة الطبع
Sean McMeekin, The Berlin- Baghdad Express. London: Allen Lane, 2010

إذا كانت التجارة, والتي بُنيت أصلاً على المنفعة في العرض والطلب, هي "عيارة", فماذا نقول عن السياسة المبنية على الإحتلال والتوسع؟! ولو نظرنا نظرةً سريعةً على الدوائر الخمس الملونة في الخريطة, لعرفنا بما لا يقبل الشك أن أمريكا لن تتخلى يوماً عن الإمبريالية, كما أن إسرائيل لن تتخلى عن التوسع في يهودا, والسامرة. أما نحن العرب, فلن نتخلى عن غبائنا الموروث. قالوا, وقلنا الكثير بشأن الغزو الأمريكي على العراق, لكنهم لم يعطونا سبباً واضحاً له. فالرجلان, الأمريكي والعراقي, صاحبان قديمان, شربا وأكلا معاً, ويعرف أحدهما الآخر أحسن مما أعرفه أنا, أو تعرفه أنت, فما حدا مما بدا؟ والدليل على ذلك أن القوات الغازية كانت قد نزلت في الفاو, وما زال صاحبنا يعتقد أنه "تشويش", وهو الذي كان لا يمل في كل محفل من ترديد عدائه للإمبريالية, حتى ظننا أنه خبير في معالجتها, فكيف كان يفهمها, أم هي الكلمات في الشعارات؟ نتساءل, ليس غير. والأنكى أن القوات الغازية تمضي على الخطة الإستعمارية نفسها, والتي إحتلت بها البلد نفسه قبل أقل من قرن من الزمان. تحتل البصرة. ثم تنطلق في خطين, الأول إلى العمارة, حيث تعسكر هناك. أما الثاني, فينطلق ماضياً إلى بغداد, ثم تسقط الموصل تلقائياً. والنتيجة إن القوات الغازية عام 1914, ثم هذه القوات الغازية عام 2003, تستغرقان الفترة نفسها في الإحتلال, لا زيادةً, ولا نقصان.

والأمر لم يأت بفعل ساحر, لكنها النظرة الدولية المنظمة للعالم. والإمبريالية الأمريكية, كذلك المستعمرون الإنكليز, قدماء ومحدثون, لهم أفكارهم ورؤاهم التي لا يستهان بها, ذلك لأنهم يطبقونها على أرض الواقع, ولسان حالهم يقول إننا قادمون. أسقطوا قبل عقد من السنين جدار برلين, وصاروا يخشون على نظامهم في العقد القادم من السنين, فلربما ظهرت قوة أخرى جديدة, منافسة. والأنظار هنا تتجه إلى الصين أو الهند, فماذا نفعل؟ نسقط جدار برلين الثاني في بغداد, وهذا ما تم بالفعل.

إذاً, الخطر قادمٌ من الصين, فاحذروه! وقبل مائة عام, كان الخطر في ألمانيا القيصرية, والتي كانت تطمح في الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط, فكانت تمد الدولة العثمانية بكل ما تحتاجه من مال وعتاد وخبرة, على أمل مساعدتها في التخلص من الهيمنة الأنكلو فرنسية, وهذه هي قصة هذا الكتاب الممتع. كان مركز الثقل لدى الألمان هو سكة حديد قطار برلين- بغداد السريع, وبموجبه يرتبط الشرق الأوسط مباشرة ببرلين, حتى الخليج- عربياً أم فارسياً, غير متأكدين حتى اليوم, وهذه ورقة أخرى بأجلٍ غير معلوم. تمضي القوات الألمانية الغازية على الخط, وتصل أسرع من البواخر القادمة من بريطانيا. وحين قامت الحرب العالمية الأولى, كان القطار مازال يمضي وئيداً في جبال الأناضول, ولابد من خطة أخرى مساعدة تمثلت في سعي الألمان إلى إثارة الفتن والثورات الداخلية لإضعاف دول الحلفاء. سعت ألمانيا أولاً إلى إضعاف جارتها, روسيا القيصرية, فتلاعبت بأماني وطموحات الأقليات غير الروسية فيها, ويأتي اليهود الروس في المقدمة. سار القطار الألماني من سويسرا حاملاً لينين إلى موسكو, ليسقي القيصرية الروسية السم الزعاف. أما في بلادنا, وشمال أفريقيا, وآسيا الوسطى, فقد بدأت ألمانيا تتتلاعب بورقة رابحة, هي الإسلام, وصارت تمول الحركات الجهادية باسمه, ويأتي على رأسها أشكال العداء للسامية الجديدة, وذلك لجعل القوات البريطانية مكشوفة في مصر والهند خصوصاً. إختارت برلين لهذه المهمة الصعبة أشخاصاً لا يقلون دهاءً عن البريطاني المنحرف لورنس العرب, يأتي في مقدمتهم البارون المنحرف أوبنهايم, وكيرت بروفير, والنمساوي إيلواس موزيل, ممن قدموا خدمات إستشراقية جليلة للألمان, أهمها "الحرب المقدسة". لكن هذا الشعار أثبت فشله لدى الألمان, ولم يزد عن كونه شعاراً خالياً من مصداقية العمل, كما أثبت الإنكليز عدم خشيتهم منه, فهو بلا ضرر بالنسبة إليهم, وما هو خطر ثورة السنوسييين في واحة الجغبوب النائية؟ لا شيء! والنتيجة أن إحدى الحملات الإستكشافية الألمانية صرفت كل أموالها, وعاد أصحابها إلى برلين "بطرك اللبسان"! وحتى العثمانيون أنفسهم نصحوا حلفاءهم الألمان بعدم الذهاب إلى الحجاز, حفظاً على سلامتهم, ثم إنتهى بهم المطاف إلى التخلي عنهم, فتعرى الألمان. وسارع البريطانيون إلى إستغلال اللعبة, فأثاروا العرب على العثمانيين, فكان قرار بلفور الشهير عام 1917. والعجيب أن مؤلف الكتاب يورد مذكرة سرية, صادرة عن وزارة الخارجية البريطانية قبل أيام قليلة من قيام الحرب العالمية الأولى, تعزو قيام ثورة تركيا الفتاة إلى اليهود الشرقيين, وهم خبراء أفذاذ في استمالة قادة الحركات السرية المناهضة. في الوقت نفسه, أقنع البريطانيون شريف مكة بالثورة على الدولة العثمانية, والتي يقول فيها المؤلف إنها حركة جهادية أخذها البريطانيون من الألمان, ثم أتموا اللعبة, فحاربوا الألمان, وحاربوا الترك بسلاحهم, فساندوا قبائل ابن سعود الوهابية, وها نحن اليوم أمام دولتين عظمتين, شكلتا السياسة في القرن العشرين, وما بعده, وهما المملكة العربية السعودية أولاً, ثم إسرائيل ثانياً. أما حينما نأتي إلى ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى, فنجد أن من كان يدعو إلى الجهاد في الحرب الأولى, قد أصبح الآن من أعدى أعداء السامية, وسارع فوراً إلى مساندة النازي هتلر, ومن ضمنهم أوبنهايم نفسه, وهو يهودي الأصل. حينها لم تكن معاداة اليهود من مهمات الحركة الصهيونية في إسرائيل الحديثة, بل هي أصلاً من ملايين المنشورات الدعائية التي كانت تسقطها الطائرات الحربية الألمانية في أثناء الحرب العالمية الأولى. وفي بداية الأربعينيات من القرن الماضي, كان المفتي أمين الحسيني يناشد هتلر بمحو اليهود من الخريطة كلها. هنا نعرف أن ما يسمى "بمعاداة السامية" لم يكن حركةً ضد اليهود, إنما هو نظرة عالمية منظمة, ومحسوبة في إطارها التاريخي من السياسات الدولية.

أخيراً لم يبق من قطار برلين- بغداد اليومَ غير خطين حديديين, وكان العراقي إذا فاز في لعبة "الدنبلة", يصرخ من مقعده قائلاً:

سكة حديد,
من بغداد,
لإسطنبول
عنقرة,
وهرز بو مشكالة ..
إدعش ( الرقم 11)
دنبلة!

نقرأ هذا الكتاب المهم لكي نفهم, ونتعض, ونبني دولتنا الجديدة على أسس باقية من الوطنية الصحيحة, العاقلة والمتزنة- هذا لو أردنا طبعاً.

husseinmajeed82@yahoo.ie




Google

المقالات | اضغط هنا للمزيد