الانتداب البريطاني وثورة العشرين
حيدر الحيدر
* لم يكد يمضي وقت طويل على الاحتلال البريطاني للعراق في اواخر عام 1914 حتى اندلعت الثورة العراقية الكبرى ثورة العشرين التحررية ....

هذه الثورة تعد واحدة من اهم الاحداث الثورية في القرن العشرين .

ولعل الحديث عنها يتطلب التعرف على بداية الزحف البريطاني على العراق في اثناء الحرب العالمية الاولى ...

* أول نزول للقوات البريطانية :

كان اول نزول للقوات البريطانية على ارض العراق في شهر ايلول سنة 1914 من منطقة الفاو ،وهي بلدة تقع اقصى الجنوب تطل على الخليج وتبعد عن مركز البصرة بـ 105 كم تقريباً .وقد ارسلت القوات البريطانية من الهند بقصد ازاحة العثمانيين عن الخليج وحماية منشآت النفط في جنوب غرب ايران ( عبادان ) . حتى وصلت بغداد بعد جهود وخسائر كبيرة بعد اكثر من سنتين ونصف السنة ، دافعت خلالها القوات العثمانية دفاعاً مستميتاً .

* معركة الشعيبه :

في عام 1916 وبعد ان بسطت القوات البريطانية سيطرتها التامة على البصرة بدأت تلك القوات بالزحف من جنوب العراق لتقصد ولاية بغداد التي تشكل اهمية استراجية كبرى

بالنسبة لطرفي الحرب .

فكانت معركة الشعيبة وهي اولى المعارك الحاسمة ، حيث تصدت عشائر العراق في الفرات الاوسط ، كذلك قوات من المتطوعين الكورد بقيادة الشيخ محمود الحفيد حيث قدمت الى الشعيبة لمناصرة العشائر العربية فكبدوا القوات البريطانية خسائر جسيمة في البداية ولكن اخطاء تكتيكية من قبل القائد العثماني ( سليمان باشا ) والانسحاب التكتيكي للقائد الانكليزي الجنرال ( مليس ) أدت الى انهيار الجبهة العثمانية وانتحار سليمان باشا .. وقد سببت هذه الهزيمة غير المتوقعة تراجع العشائر العراقية ، ليبسط الانكليز سيطرتهم على الناصرية والعمارة والكوت والتوجه نحو بغداد ..



* حصار الكوت وهزيمة الجيش الانكليزي

توقف تقدم القوات البريطانية نحو بغداد في ( سلمان باك ) إذ تراجعت القوات الانكليزية بإتجاه الكوت ، فكانت بداية لهزيمتها ، حيث حوصر الجيش الانكليزي في مدينة الكوت لمدة ستة اشهر وهذا ما يطلق عليه ( حصار الكوت ). ثم استسلم القائد الانكليزي الجنرال ( تاوزند )

وكانت تلك من اكبر الهزائم التي مني بها الجيش الانكليزي في الحرب العالمية الاولى ...

ومما عجل في انهيار الجيش الانكليزي الضربات الموجعة التي جابهتهم من قبل قوات العشائر العراقية في مناطق الحي والصويرة والنعمانية .

ورغم هزيمة الانكليز في حصار الكوت الا انهم استطاعوا بقوات اخرى السيطرة على بغداد اثر

فرار الجيش العثماني منها بإتجاه سامراء بعد ان قاموا بنسف مخازن البارود بالقرب من باب الشيخ في بغداد ، فسقطت بغداد بقيادة الجنرال ( ستانلي مود ) في 11 آذار 1917

بينما كانت الحرب العالمية في أوجها .



* متى شاهد البغداديون الطائرات لأول مرة ؟

لعل من الطريف ان نذكر شيئأ عن البغداديين في تلك الفترة منها مشاهدتهم للطائرات الحربية لأول مرة ، فلم يكن البغداديون قبل الحرب قد شاهدوا اية طائرة وحين سمعوا بخبرها صاروا في دهشة من أمرها ، ولا يدرون أيصدقون ام يكذبون ذلك الخبر العجيب .

ان اول ظهور للطائرة في سماء بغداد كان في 5 / تشرين الاول / 1915 ففي مساء ذلك اليوم شاهد الناس نقطة سوداء محلقة في السماء وهي تئز أزيزاً مرعباً وصار أشقياء وفتيان المحلات البغدادية يصعدون الى المنائر وفوق سطوح الدور يوجهون نيران اسلحتهم اليها دون جدوى ، وتلك الاسلحة لم تكن سوى بعض الوراور القديمة .

وفي يوم 13 / تشرين الثاني ظهرت طائرة في سماء بغداد ثم هبطت قرب جسر ديالى بغية قطع خط التلغراف بين بغداد وسلمان باك فإرتطمت بأحد اعمدة التلغراف وسقطت ..

واعتبر البغداديون سقوطها نصراً من الله لجيش المسلمين على الكفار . فقالوا :

( شوَّرْنا بيهم ) على حد تعبيرهم البسيط


* سوء الادارة المدنية احد اسباب اندلاع الثورة :


بعد سيطرة القوات الانكليزية على بغداد في 11 آذار 1917بقيادة الجنرال

( ستانلي مود ) قررت الحكومة البريطانية تشكيل ( الادارة المدنية في العراق )

التي ترأسها السير (ارنولد ولسن) حتى ايار 1918 فتبعه السير (بيرسي كوكس) الذي الغى العديد من المؤسسات الادارية العثمانية ، وانشأ محلها مؤسسات عسكرية لإدارة الشؤون المدنية ، ووضع على رأسها ضباطاً من رتب عالية ، فحكموا بشكل صارم ، وتصرفوا مع العراقيين بشكل مهين . فكان لتلك التصرفات ردود افعال معاكسة ، تعد واحدة من اسباب اندلاع ثورة العشرين. اضافة لمحاولة بريطانيا ربط العراق بمستعمراتها كما كان الحال مع الهند آنذاك . فثار العراقيون من اجل تحرير بلادهم من السيطرة البريطانية .

* انطلاق الرصاصة الاولى لثورة العشرين :

بسبب سوء معاملة الانكليز للعراقيين ومحاولة اذلالهم وربط العراق بالكومنولث البريطاني. انتشرت الروح الوطنية بين العراقيين للتحرر من السيطرة البريطانية .

فانطلقت الرصاصة الاولى للثورة عام 1920 ضد الاحتلال الانكليزي ليمتد لهيبها في كل اجزاء العراق . و شرارة اندلاعها هو اعتقال الشيخ ( شعلان عناد ابو الجون )شيخ عشيرة بني حجيم في الرميثه ...

ففي 30 / حزيران 1920 سار الشيخ شعلان لملاقاة الحاكم الانكليزي في مقره ،

فحدث جدال خشن بينه وبين الحاكم الانكليزي فأمر بتوقيفه ومن ثم ارساله الى الديوانية مخفوراً بالقطار الذي سيأتي من البصرة .. فسجن ابو الجون في سجن الرميثه ( السراي ) وحين وصل خبر اعتقاله الى العشيرة إنتفض رجالها الاشداء الذن امتازوا بالحس الوطني كسائر عشائر العراق ، وهاجمواالسراي مباشرة وانقذوا الشيخ شعلان بعد ان قتلوا عدداً من الحراس .. وهكذا انطلقت اول رصاصة في اعلان الثورة العراقية في 30 حزيران 1920

والتي استمرت ستة اشهر تقريباً ..


* ألكورد ودورهم في ثورة العشرين :

في الوقت الذي كانت قوات العشائرالعربية في الفرات الاوسط تخوض المعارك الحاسمة ضد الانكليز ، هب ثوار كوردستان بوجه الاحتلال ووقعت معارك عنيفة بينهم وبين قوات الاحتلال في السليمانية وهورمان وعقرة وخانقين وكفري وغيرها من المدن الكوردستانية . ففي كفري على سبيل المثال ثار الكورد بقيادة ( ابراهيم خان ) أواخر تشرين الاول 1920 وتمكنوا من الاستيلاء على المدينة وتحريرها من سيطرة البريطانيين وقتل القائد الانكليزي ( كاردن ) واستمرت المعركة 23 يوماً . كما ان بعض العشائر من الكورد الفيليين في خانقين وديالى ومندلي وبدرة والحي والصويرة والنعمانية قد كبدت الانكليز خسائر كبيرة .. هذا ما يؤكده( الشيخ صلال الموح )في مذكراته وهو من قادة ثورة العشرين وعاش احداثها وكتب عنها بالتفصيل .



* بغداد ودورها في ثورة العشرين :

في شهر رمضان 1920 انطلقت اول بوادر الثورة من جامع الحيدر خانة في شارع الرشيد ببغداد .. حيث اجتمع اعيان بغداد في هذا الجامع من العلماء والشيوخ والمثقفين والشعراء والخطباء وقاموا بالقاء الخطب الحماسية والقصائد الرنانة مطالبين بالاستقلال كقصائد الشاعر الكبير محمد مهدي البصير وعيسى عبد القادر وكان من بين الحضور آنذاك مفتي بغداد وعبد الوهاب النائب وجعفر ابو التمن الذي تم اختياره للاتصال بالعشائر وتم ارسال الرسائل لجميع العشائر في كل انحاء العراق للتحرك ... فتحركت العشائر وعزموا على قطع سكك الحديد بين بغداد والسماوة وقطع امدادات البريطانيين من البصرة . كما كانت جوامع بغداد والكاظمية وحسينياتها وغيرها من المدن منابر للثوار فابرزوا دورهم الوطني في امداد الثورة والتضامن معها .



*اشهر المعارك بعد امتداد لهيب الثورة :



معارك عديدة خاضها الثوار في في الفرات الاوسط وانتشرت الى كل مدن العراق ومن اشهر تلك المعارك :

* معركة الرارنجية التي ضربت مثلاً رائعاً في البطولة والفداء

* معارك العارضيات والهاشميات

* معارك الكفل والحلة

* حصار مدينة الكوفة من قبل الثوار

* معارك عشائر زوبع وقطعهم سكك الحديد بين بغداد وسامراء

* معارك العشائر الكردية في السليمانية وخانقين وعقرة وكفري وغيرها من المناطق .

* معارك الكاكائية في جبال هورمان .

* المعارك التي اشتركت فيها عشائرمن الكورد الفيليين مع اخوانهم من العشائر العربية في ديالى ومندلي وخانقين وبدرة والحي والنعمانية والصويرة



*الطوب احسن لو مكواري :

هذه الاهزوجة الشعبية المشهورة رددها الثوار بعد المعركة الحاسمة عند قنطرة الرارنجية حينما انقض الثوار على القوات البريطانية بحيث تعذر على الانكليز استخدام مدافعهم . وكان سلاح الثوار الفؤوس والمكاوير اضافة لإيمانهم بشرعية قضيتهم .. واستطاعوا الانتصار في المعركة.. فأخذوا يرددون الاهزوجة المشهورة ( الطوب احسن لو مكواري ) بقصد المقارنة بين اسلحتهم البسيطة واسلحة القوات البريطانية المتطورة . ولعل من المناسب ان نذكر نماذج من الاهازيج التي تدل على التلاحم الوطني بين الكورد والعرب في ثورة العشرين ، منها :

* تجار الحي فدوه الشانه : هذه الاهزوجة اطلقها اهل الحي حين تبرعت امراة كردية تدعى

( شانه) بكل ما ذخرته من ليرات الى الثوار .

* ثلثين الجنه لهادينا وثلثه الكاكه احمد واكراده : لمساهمة الكورد بشكل فعال في هذه الثورة.

* وهنالك المئات من هذه الاهازيج في جميع المعارك التي خاضها الثوار ، تمتلئ بها صفحات كتب مآثر ثورة العشرين يحفظها عن ظهر قلب احفاد اولئك الثوار .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيدر الحيدر ــ 30 /6 / 2009
دراسة قدمتها في الحلقة الاخيرة من برنامج ( قريباً من الماضي )
من قناة الحرية الفضائية .

[http://www.gilgamish.org] GILGAMISH