آسفي القديمة التي كان الفرنسيون يصطادون بها الأسود!

خصصت مجلة «مغربنا» التي كانت تصدر في عهد الحماية، عددين خاصين عن مدينة آسفي ما بين 1949 و1953. ومن بين الدراسات التاريخية التي احتوى عليها أحدهما، نجد مقالا للمؤرخ والعالم النفساني شارل بانز الحاصل على الدكتوراه في الآداب والأستاذ المحاضر بالمعهد العالي للدراسات المغربية الذي تخصص، بحسه الأكاديمي البارز، في إظهار الجوانب الخفية والقيمة –على حد وصفه- من تاريخ المغرب القديم.

مشاهد من آسفي المحروقة والمهجورة بعد جلاء عساكر الملك إمانويل الأول

لم تعش آسفي تحت الاحتلال الفعلي للبرتغال سوى ما يقارب 33 عاما ابتداء من 1508م حتى سنة إخلائها في 20 أكتوبر 1541م بعدما استخلصت من قبل السعديين القائمين وقتها على مملكة مراكش، وكان خروج البرتغال بصفة تلقائية من آسفي على خلفية ضغط الأحداث بمنطقة السوس بحصن أكادير، وهو الأمر الذي توقفت عنده العديد من الدراسات المغربية والبرتغالية وفصلت في أحداثه وخلفياته الاقتصادية والعسكرية التي جعلت البرتغال يغير بوصلة سياسته التوسعية الخارجية نحو وجهة أخرى باتجاه الساحل الإفريقي وأمريكا اللاتينية.

 
آسفي
المسار الحضاري لآسفي قبل و بعد الاحتلال البرتغالي

 

 

                                                 عبد العزيز بنعبدالله

 

مدينة آسفي عاصمة إقليم ثري ، كانت تسمى (Acra) ( وصف وتاريخ المغرب - كودار ج 1 ص 77 ) وربما أشار إسم (أكرة) أو (عكرة) إلى مرور الفينيقيين بالمنطقة وهم الذين وصلوا إلى خليج غينيا فأطلقوا اسم (Acra)  على مرسى (غانا) وذلك انطلاقا من الإسم الذي أعطاه الكنعانيون العرب لإحدى مراسي فلسطين وهي (عكرة) أو (عكة) ولعل لتسمية المدينة بعد الإسلام ب(آسفي) علاقة بدارالسلام (بغداد) عاصمة الإسلام آنذاك حيث تبنى المغرب اسم إحدى عواصمها وهي (البصرة) فأطلقها على مدينة عرفت ببصرة الكتان أو (بصرة الذبان) تقع على بعد حوالي (18) كلم من سوق أربعاء الغرب شرقا والنسبة واحدة وهي (آسفي) بين الحاضرة المغربية ومدينة (آسيف) (من أعمال بغداد قرب (إسكاف) ومنها أبو الحسن البصري الآسفي (معجم البلدان ج 1 ص 230 )

 وقد تكونت سهول مابين أبي رقراق ونهر (تنسيفت) في العصر الكمبري   Cambrienأي منذ ما بين (500) و (570) مليون سنة حسب الجيولوجيين.

 وقد اكتشف بالمغرب صنف يشبه (رجل النيانديرتال Néandertal ) (1) هو عبارة عن جمجمتين عثر عليهما عام 1962 في جبل (إيرهود) على بعد (70) كلم شرقي آسفي وهذا الكشف هام جدا لأنه يمثل النموذج الوحيد للرجل النيانديرتالي بالشمال الإفريقي عرف لحد الآن.

  وقد عثر على هياكل عظمية للفيل الإفريقي elephas africanus وشاهدها (حانون) خلال رحلته ((Périple d'Hannon على ساحل المغرب بين آسفي والجديدة.

 L. Mayet et Ch. Deperet- Monographie des éléphants pliocènes d'Europe et de l'Afrique du Nord - Lyon, Imp Rey, 1923 (224 p.) (11 pl. et 47 fig.)

 

والسهول الممتدة بين (تنسيفت) و(أبي رقراق) هي التي ستعرف بعد الفتح الإسلامي ببلاد (تامسنا) منتشرة شرقا إلى شعاب الأطلس الأوسط (خنيفرة وبني ملال ووادي زم وخريبكة) وكان ابن بطوطة قاضيا عليها في العهد المريني وقد سطا البرغواطيون على المنطقة منذ القرن الثالث الهجري متخذين من مدينة (شالة) على نهر (أبي رقراق) عاصمة لهم ولعل حدها الجنوبي قد بلغ سهل (آسفي) أوائل القرن الثاني الهجري حيث ظهرت نحلة صالح بن طريف البرغواطي وكانت لتامسنا منذ ذاك أهمية كبرى جعلت النيجر تقتبس اسمها لإحدى مناطقها وقد كان (يدر بن يعلى اليفرني ) ( 383هـ/ 993 م) أميرا على تامسنا وظل البرغواطيون قابضين على زمام الإقليم بكامله إلى أن حاول المرابطون القضاء عليهم في أوائل القرن السادس الهجري حيث استشهد شيخ المرابطين (عبد الله بن ياسين) في (كريفلة) عام (542 هـ) فثار (ابن هود الماسي) على (عبد المومن بن علي الموحدي) فسيطر على تامسنا ولم يبق تحت حكم الموحدين سوى مراكش (وفاس كما في الحلل الموشية ص 121) فقتله عبد المومن بوادي ماسة وبسط نفوذه على جزء من الإقليم لأن نفوذ البرغواطيين ظل قويا إلى أن حاول (يعقوب المنصور) تقليصه بنقل فريق من بني هلال إلى تامسنا وأشهرهم (جثم وبنوجابر وسفيان والخلط) ملأوا المنطقة ما بين سلا وآسفي ومراكش مستقرين في دواوير يشتغلون بالزراعة وتربية الماشية بدل النجعة (Transhumance) وقد حلت (سفيان) في العهد المريني بأطراف تامسنا مما يلي (آسفي) ينتجعون أرض السوس وحاحا إلى عام (776 هـ) حيث قضى عليهم السلطان عبد الرحمن بن أبي يلفوس (تاريخ ابن خلدون ج 6 ص 22 ) وقد غزا يعقوب بن عبدالحق المريني (تامسنا) عام (657 هـ/ 1258 م) وأشار (ابن الخطيب) السلماني في (نفاضة الجراب) عند زيارته لآسفي عام ( 761هـ/ 1359م ) إلى (مرستان آسفي) الذي لم يعد له وجود لأنه اندثر على ما يلوح - إبان الاحتلال البرتغالي - وكان مديره هو أبوالضياء منيربن أحمد بن محمد الهاشمي الجزيري وقد أشار ابن مرزوق في "المسند الصحيح الحسن" (نخب منشورة في هسبريس ج 2 عام 1925) إلى أنه كان يوجد بين آسفي وجزائر بني مزغانة (الجزائر العاصمة) محارس ومناظر تتخابر فيما بينها بإشعال النيران في أعلاها وفي كل محرس رجال مرتبون ونظار وطلاع يكتشفون البحر فلا تظهر في البحر قطعة تقصد ساحل بلاد المسلمين الا والتنيير يبدو في المحارس للتحذير وقد أشار البكري (قسم إفريقية والمغرب في المسالك ص 35 و 48 ) إلى محارس سوسة والمنستير

 وقد احتل البرتغاليون (آسفي) مع البريجة وأكَادير والصويرة حوالي ( 886 هـ / 1481 م ) قبل (ماسة) عام (902 هـ / 1497 م).

 ويظهر من النصوص العربية والإفرنجية أن استيلاء البرتغال على آسفي كان بين 910 و 913 هـ وقد نوه (عمنويل) باستبسال أهل آسفي في الدفاع عن مدينتهم الصغيرة رغم خلوها من الحامية ولولا الحصار الطويـل المعزز بحرا بأسطول لمااحتلوها وبعد جلاء المسلمين عنها عادوا الكرة عليها عند مرور ثلاث سنوات فقتلوا قواد العسكر وزعماءهم وظل التنـاوش موصولا إلىأن اضطر البرتغـال للجلاء عنها بعد نحو ثلاث وعشرين سنة ( الاستقصاج 2 ص  171) وكان احتلالها عام 1508 م حسب صاحب كتاب  Domination portugaise au Maroc  (p. 37).  وكذلك دوكاستر (ق  1- السعديون - البرتغال ص 151 )

 وقد خرج منها البرتغاليون هي وأزمور عام 1542 (ص 51 )

 وكان أمير آسفي يسمى شيخ أو قائد المدينة لأن الرياسة أصبحت لملك البرتغال عام 1500 حيث أصبح يتقاضى هو نفسه العشر على الصادرات والواردات من المدينة وكانت المدينة تؤدي قبل ذلك إتاوة سنوية قدرها ثلاثمائة مثقال عوضت بإهداء فرسين لملك البرتغال ثم بمجموع الأعشار المفروضة على تجارة المسيحيين (دوكاستر - س.أ.- السعديون - م 1 ص 51 / 1934).

 و يذكر المؤرخون المغاربة أن البرتغاليين خرجوا عنها عام 933 هـ / 1530 م وانتقلوا إلى الجديدة إلا أن المؤرخين البرتغاليين يلاحظون أنها بقيت خربة اثنتي عشرة سنة إلى أن أصلحها محمد الشيخ السعدي وقد خرج منها البرتغاليون تلقائيا ولكن تحت ضغط الأحداث التي وقعت في سوس (الاستقصا ج 3 ص 8 )

 

وقد حاول محمد الشيخ الأصغر السعدي تركيز التجارة المغربية الخارجية بكاملها في آسفي بين أيدي الأنجليز وأن يحصل من ملك أنجلترا (شارل الأول) على سفن حربية لمنع كل تجارة مع الجنوب إلا أن السلطان كان يخشى من انقطاع العلاقات بينه وبين الفرنسيين والهولنديين ( دوكاستر - س.أ. - السعديون م. 3 ص 358 (1935)/

 وفي عام 1509 وجه سكان آسفي رسالة إلى (عمانويل الأول) ملك البرتغال وكان قائدا عليهم آنذاك الشيخ يحيى بن تعففت بعد ما قتلوا القائد عبد الرحمن ووجهوا رسولا إلى الملك هو عبد الله اللحياني مع يحيى وازنزغ وقد وصفوا في الرسالة انتهاك البرتغاليين و" أعوانهم المغاربة " الحرمات والزنا بالمسلمات وهدم الجوامع مثل جامع القبور وزاوية سيدي بوعلي والجامع الكبير وصومعة الجامع الأعظم وجامع باب الشعب وجامع باب البحر وجامع ناحية أورير ونهبوا أحباس هذه الجوامع من الجنان والديار والحوانيت.

  و(يحيى بن تعففت) هذا لم يعرف عنه أي تعاون مع لشبونة وممثلها في المنطقة حيث ظلت علاقته موصولة بسلطان مراكش ولم يكن يحظى بعطف المستعمر فكان يعزز موقفه المعارض بانحيازه إلى التشريعات المغربية التقليدية من خلال (المدونة الجنائية) التي أصدرها عام (918 هـ / 1512 م) انطلاقا من الكتاب والسنة في (قبيلة الحارث) وكان الرئيس العسكري للمدينة آنذاك هو Nonode Ataïde  ( نونو دو أتايد) وقد نص على ذلك دوكاستر في وثائقه (السلسلة الأولى - السعديون ج 1 ص 356-326 عام (1934) كما أكده الحبر زميرو في مذكرته (ص 619 ).

 وقد شعر البرتغاليون آنذاك بثراء ناحية الصويرة التي كانت من أغنى المراكز التجارية في عهد السعديين حيث تحدث لنا عن ثرائها الحسن الوزان (ليون الإفريقي) في كتابه حول (إفريقيا) فلاحظ أن البرتغاليين دمروا في القرن العاشر الهجري المنطقة الممتدة من ناحية (الهبط) الساحلية التي تضم القصر الكبير و العرائش وأصيلا إلى حاحا عبر عبدة (دوكاستر س.أ. السعديون ج 2 ص 358 ).

 ولعل هذا العامل الاقتصادي هو الذي سيحدو السلطان المولى محمد بن عبد الله إلى تأكيد ربط المنطقتين (عبدة وحاحا) في ولاية واحدة لاسيما بعد أن تقلص الاحتلال البرتغالي فظهرت أطماع جديدة تبلورت في دسائس حاكها أنجليز وهولنديون.

 وقد لاحظ دوكاستر (السلسلة الأولى - السعديون - البرتغال (ص 120 ) أن فشل البرتغال في الصويرة عام 1510  (915 هـ) في الوقت الذي استطاعوا بسط نفوذهم في آسفي وأكَادير يرجع للفوضى التي كان يعيش فيها الناس حول هاتين المدينتين بينما اصطدم البرتغاليون حول الصويرة بمقاومة أذكت روحها عناصر صوفية من ركَراكَة المصامدة الذين وصفهم الحسن الوزان بالاستقامة والتقوى وقد عاش سيدي محمد الجزولي ودفن بأفوغال الواقعة على مسافة 35 كم من الصويرة حيث يؤكد الافراني والمصادر البرتغالية وقوع أول اصطدام بين البرتغاليين والسعديين وهذا يؤكد أن الحركة الصوفية المنبثقة من هذه الناحية كانت مصدر الثورة ضد الوجود البرتغالي بالمغرب.

 وقد تقلص نفوذ البرتغاليين رغم ما أقاموه على طول الساحل الأطلنطيكي في الجديدة وأزمور وآسفي والصويرة من تحصينات ذات طابع جديد يغاير ما عرفه المغرب قبل ذلك ويمثله (حصن البريجة) ثم انضافت اقتباسات جانبية في عهد الشرفاء خاصة بأكَادير والصويرة وكان البرج عبارة عن حصن مربع الشكل داخل سور أو منعزل عنه وهنالك أنواع مثل برج المنار وبرج الحمام (لاطلاق حمام الزاجل) ويظهر أن البرج في هندسته الأندلسية قد أثر في تصميمات البرج المغربي منذ عهد المرابطين مع آثار محلية أطلسية وقد استعمل المرابطون الحجارة الطبيعية العادية في بناء الأبراج أو القلاع ثم أضاف الموحدون الحجارة المنحوتة والاسمنت المسلح وهو الخرسانة أو الطابيا التي لا تزال ماثلة في أبراج وحصون الرباط (راجع كتابنا "الفن المغربي" باللغتين العربية والفرنسية).

 ولعل الحركة المسيحية بالمغرب كان لها منذ آواخرالقرن الخامس عشر دور مزدوج يهدف إلى التنصير والتمسيح من جهة وتمهيد طرق الاحتلال قبيل النفي العام بإسبانبا ببضع سنوات ففي عام ( 1487 م ) كانت أسقفية آسفي قائمة الذات أي قبل الاحتلال البرتغالي الفعلي بعشرين سنة وقد أسسها (البابا ألكسندر السادس ) وبسط اختصاصها على أزمور والجديدة وتيط والمدينة الواقعة على بعد 45 كلم شمالي شرق آسفي وربما أكَادير وذلك بمرسوم بابوي مؤرخ ب 17 يونيه 1499 والواقع أن هذا النطاق لم يتجاوز حتى بعد الاحتلال البرتغالي مدن آسفي و أزمور و الجديدة وقصبة مركز أكوز Agouz  ( الذي لم يكن قد بني عام 1519 م) وكان بآسفي دير للفرنسيسكان أسس عام 1514 ولم تدم الأسقفية أكثر من ستين سنة نظرا لجلاء البرتغاليين عن المدينة عام 1541 فضمت الأسقفية إلى طنجة وآخر الأساقفة هو كونصالو  (D. Gonçalo Pinheiro) الذي عينه الملك يوحيا الثالث سفيرا بفرنسا وكان أحد الأساقفة وهو سوتيل (D. Joao Sutil) رئيس الجامعة "الكاتدرائية البرتغالية بآسفي" (Pierre de Cenival  / مجلة هسبريس م.9  (ص 27-1) 1929 )

 R.Ricard - L'évêché de Safi (1487- 1542),  Louvain, extr. de la R. d'H. ecclésiastique. 1947

 

وقد لاحظ دوكاستر في وثائقه (ق.1 - السعديون - البرتغال ص 655 ) بناء أول كنيسة مسيحية عام    (920 هـ / 1514 م ) بآسفي غير أن البرتغال ذهبت أبعد من ذلك لتضيف إلى الحركة المسيحية التمهيدية في الجنوب حركة أخرى تستهدف احتلال مدينة فاس.

 وقد نصت رسالة (مؤرخة ب 7 اكتوبر 1534 ) وجهها أسقف لاميكو Lamego إلىملك البرتغال يوحنا الثالث يوصيه بالتنازل عن آسفي وأزمور وأكَادير بعد هدمها وباحتلال مملكة فاس الحافلة بالمدن الغنية بالمياه المعتدلة المناخ بالنسبة لدكالة ومملكة مراكش والتي هي أشبه بالبرتغال ومدنها ضعيفة يسهل احتلالها في حين أن عرب الجنوب رحالة تصعب مطاردتهم. والواقع أن ضغط الجيوش السعدية في الجنوب هو الذي حدا البرتغال إلى التفكير في نقل نفوذهم إلى فاس فقد لاحظ (أندراد) في تاريخه Chronique d'Andrade  أن الشريف مولاي أحمد الأعرج حاصر آسفي عام 941 هـ / 1534 م بمحلة تضم تسعين ألف فارس وراجل وعشرين من الرماة لتقويض السور ومهاجمة المدينة وكان مدفع "ميمونة " يقذف بكويرات من حجر ضخمة إلى حد أن المرء لا يمكنه أن يدير ذراعيه عليها وقد أرسلت إحدى هذه الكويرات إلى لشبونة حيث توجد في كنيسة (براز) (Eglise S. Braz) المعروفة أيضا باسم Santa Luzia وهي محفوظة الآن في المتحف العسكري بلشبونة (دوكاستر - س.أ. - السعديون - البرتغال ق 2 ج 2 ص 633 )

 

وقد نظم افرانسيسكو البرتغال D. Francisco de Portugal ) بفاس الكنيسة التي أقامها الأسرى المسيحيون.

 

وقد بدا البرتغال يفرض يوم الأحد كيوم عطلة في مناطق احتلاله بالجنوب وخاصة في (أزمور) (الرباط  وناحيته ج 2 ص 222 من سلسلة مدن المغرب وقبائله ).

 

والواقع أنه بانهزام البرتغاليين في وادي المخازن بدأت كتائبهم تنهار في الخليج العربي إذ منذ ( القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي ) حاول البرتغاليون الاستعماريون سد البحر الأحمر في وجه السفن العربية على مداخله تمهيدا لغزو الخليج العربي.وكانوا قد أنشأوا عام 887 هـ /1482 م في (ساحل الذهب) أول مستعمرة لهم في إفريقيا.وهنا يبرز دور المغرب في إنقاذ الخليج من ضغط الاستعمار البرتغالي.ففي عام       947 هـ / 1540 م، دخل سليمان القانوني إلى الخليج العربي من الشمال ونازل البرتغاليين في معركة (ميناء مصوع) على الساحل الإفريقي من البحر الأحمر ، حيث اندحر البرتغاليون أمام الأسطول العثماني.غير أنهم لم يكفوا عن مهاجمة المراكز العربية في الخليج، مضاعفين ضغوطهم على المغرب الذي انكفأوا إليه بعد أن قضوا على آخر من تبقى من العرب في الأندلس تقتيلا وتهجيرا. ولكن رد فعل المغرب الأقصى كان عنيفا.ففي عام       986 هـ / 1578 م ، هاجم البرتغال بقضه وقضيضه شمال المغرب بقيادة ملكه الشاب الدون سبستيان        (Don Sebastien). وبعد مرور سنتين على انهزام البرتغال في معركة وادي المخازن ، أي عام  1580م، بدأ وجود البرتغال يتقلص في مستعمراته في المحيط الهندي بعد أن تلقت قطعه البحرية ضربات قاضية من طرف الأسطولين الأنجليزي و الهولندي ، وكانت صلاته بلشبونة قد انقطعت فتوقف ماكان يتلقاه منها من عدة وعدد ؛ كما تضعضعت قواعده بالقارة الإفريقية التي كانت جيوشه تنحدر إليها من الخليج عن طريق بحر القلزم (البحر الأحمر) وشعر المغرب بخطورة احتواء فلول البرتغاليين لحدود المغرب الجنوبية ، وأهمها بلاد مالي ، فسارع إلى احتلالها حماية لها وقطعا لدابر البرتغال. وبذلك انقطع عن فيالقها في الخليج ما كانت تتزود به من مستعمراتها الإفريقية.

 

وكانت هجمة صليبية عززت فيها البابوية الزحف المسيحي على العالم الإسلامي شرقا وغربا باستنفار الدول الكاثوليكية وتعبئة شباب الفاتكان. وكانت الحملة لاحتلال المغرب منسقة بقيادة البابا اقتصاصا من الوجود العربي بالأندلس وتعويضا للمسيحية عن فقدان "روديس" وجزء من هنغاريا. والبابا الإسكندر السادس هو الذي أصدر مرسوم تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بين إسبانيا والبرتغال عام 1494 م غداة الكشف عن أمريكا، ولكن أبى الله إلا أن يهزم هؤلاء الاحزاب وينصر عباده المومنين ؛ فقتل ملك البرتغال وأسر جيشه وفر أسطوله.

 

وتم بعد هذه الفترة إجلاء البرتغاليين عن منطقة البحرين التي احتلوها قرنا كاملا إلى  ( عام 1032 هـ/   1622 م )، أي بعد معركة وادي المخازن بأربع وأربعين سنة ؛ كما طرد البرتغاليون عن مجموع مستعمراتهم على الشط العربي عام 1059 هـ / 1649 م. وبذلك تحرر العالم العربي من هيمنة البرتغال الذين لطخوا تاريخ العروبة والإسلام طوال أربعة قرون.

 

وإذاكان الخليج العربي قد غدا منذ القرن الثالث الهجري المرحلة الرئيسية في تاريخ الملاحة العربية تمر به المراكب في ذهابها وإيابها بين أوربا والشرق الأقصى عبر البحر الأبيض المتوسط ، فإن كلا من الخليج والبحر المتوسط كانا عالة الواحد على الآخر. واستمر هذا التساوق إلى القرن العاشر الهجري عندما أصبح مضيق جبل طارق هو الممر الفاصل بين المحيط الأطلنطي والمتوسط، فكانت مدينة سبتة منطلق المراكب التجارية إلى ديار الهند. وبالرغم عن انتصار أحمد المنصور السعدي في (معركة وادي المخازن) فإنه ظل مسالما لإسبانيا التي اندرجت فيها البرتغال نحوا من (60) سنة متأرجحا بين السياسات الأوربية التي كانت تتجاذبها بهذا الصدد أطماع وأغراض سياسية فقد وجهت ايليزابيت ملكة انجلترا إلى أحمد المنصور رسالة تشكره على الوعد بإعانة (الدون انطونيو) المرشح لعرش البرتغال وتخبره بانهزام الأسطول الإسباني Invincible Armada في (10 غشت 1588) كما توصيه بالأمير (كريسطوف) الذي وجهه والده انطونيو رهينة إلى ملك المغرب (السعديون - السلسلة الأولى ج 2 ص 151) مقابل قرض مالي ووصل كريسطوف إلى آسفي مع مبعوث إنجليزي وكانت المراكز البرتغالية بالمغرب ما زالت محتفظة بحامياتها البرتغالية رغم الوحدة بين الدولتين مما حدا المنصور إلى الاعتقاد بأن هذه الحاميات تساند انطونيو وكان حامل جواب المنصور إلى لندن هو سفيره الرايس أحمد بلقاسم الذي اتصل أيضا بأنطونيو وقد وعد المنصور بتوجيه المال و العتاد والرجال بمجرد إعلان وصول أنطونيو إلى البرتغال ( ص 180 ) ولكن حملة أنطونيو فشلت   ( ص 185 ) وأشيع أن المنصور يرغب في تسليم كريسطوف إلى ملك إسبانيا فلذلك طلبت إنجلترا من الباب العالي التدخل لدى المنصور لتسريح الأمير الشاب ( ص  188) وفي هذا الوقت بالذات طلب المنصور من ملك اسبانيا أن يسلمه مولاي الناصر أخ محمد المسلوخ الذي فر إلى لشبونة غداة معركة وادي المخازن وكذلك ابن أخيه مولاي الشيخ الذي كان بالجديدة فكانت المساومة بين الطرفين ( ص 205 ) غير أن اسبانيا اضطرت إلى إرجاع الناصر إلى المغرب لإنه حاول إثارة مسلمي الأندلس واستقر الناصر بمليلية واستنفر القبائل لمحاربة المنصور في وقعة الركن ( ص 208 ).

 

وبموت أحمد المنصور السعدي ازدادت العلاقات المغربية الأسبانية قوة حيث ورد في (النزهة ) أن السلطان زيدان بن المنصور فر - بعد هزيمته أمام أبي محلي - إلى آسفي هاما بركوب البحر إلى بر العدوة (الاستقصا ج 3 ص 110 ).

 

وقد حاول في نفس الوقت تعزيز صلاته بدول أوربية أخرى مثل هولندا التي وجه إليها عام  (1018 هـ /  1609 م) سفيره القائد حمو بن البشير الذي ركب من آسفي على ظهر مركب ( Utrecht ) مع (سامويل بالاش) ثم نقل في (روتيردام) إلى (لاهاي) رفقة عضوين من (مجلس الولايات العامة) التي استقبله وقدم إلى هولندا مذكرة تحدد رغبات السلطان.

 

والواقع أن الدولة بدأت تتحلل وتنهار بسبب اعتكاف (زيدان) على اللهو وتعيين بعض صنائعه على المراكز الاقتصادية حيث جعل يهوديا على أعشار آسفي فاشتغل بالتجارة حيث صار يبيع القمح للأجانب مقابل مادة (الحديد) التي يدفعها لأهل مراكش بأغلى ثمن (تاريخ الدولة السعدية ص 101) ولعل هذا التفسخ هو الذي حدا (أبا محلي) إلى الثورة على المولى (زيدان) الذي اضطرب إثر انهزامه أمام أنصار (أبي محلي) فقرر التوجه بحرا إلى السوس فاكترى مركبا هولنديا وكذلك مركبا فرنسيا بقيادة كاسطلان فنقل أهله على ظهر السفينة الهولندية ودفع أمتعته وخزانته (73 حملا من الكتب) مقابل أجر قدره ثلاثة آلاف دوكا ووصل المركبان في 16 يونيه 1612 إلى أكَادير فنزل مولاي زيدان وأهله من الأول ورفض كاسطلان إنزال حمولته قبل أخذ الثمن وفي  22يونيه قرر الرجوع إلى مرسيليا ولكن العواصف أخرته فاصطدم في عرض سلا بأربع سفن أسبانية وكانت اسبانيا تعطي لنفسها الحق في حجز كل مركب فرنسي يوجد في المياه المغربية وقد تجلى غضب المولى زيدان في الرسائل الموجهة إلى ملك فرنسا (لويس الثالث عشر) الذي لم يزد على التبرؤ من عامله كاسطلان الذي سجن بإسبانيا (مقدمة السلسلة الأولى من الدولة السعدية ج 3 ) ولذلك فضل لويس عدم اقتبال سفير السلطان أحمد الجزولي (1613 - 1612 ) لأن الكتب لم تكن بفرنسا وقد شدد السلطان الخناق على الأسرى الفرنسيين واعتقل المبعوث الفرنسي في آسفي نظرا لرفض ملك فرنسا استقبال سفير السلطان سيدي فارس وتقاعسه عن التدخل لدى إسبانيا لإرجاع الكتب المنقولة إلى الاسكوريال وتأزمت العلائق بين البلدين فسجن مازي Mazet وكذلك دوبوي Du Puy الذي نكل به الوليد و اعتنق الإسلام.

 

ويرى (لوجندر Le Gendre ) في رحلته أن كسطلان لم يتوجه إلى أكَادير بل اتجه من آسفي نحو فرنسا ويزعم لوجندر أن المولى زيدان كان عازما على التوجه إلى فرنسا على ظهر السفينة الفرنسية بجواهره وحليه للاستنجاد بملكها ولكن كسطلان أقلع بمجرد ما حمل المجوهرات تاركا السلطان في البر وقد نشرت كازيط دوفرانس Gazette de France عام 1631 بحثا قومت فيه الخزانة الزيدانية مع المجوهرات بأربعة ملايين ليرة      ( السلسلة الأولى - السعديون ج 2 ص 431) ( راجع كسطلان حرف الكاف ).

 

وقد أصبح المولى زيدان ألعوبة بين أيدي عملاء أوربيين يتجاذبونه فأوعز سان ماندريي  St. Mandrier المهندس الفرنسي إلى السلطان مولاي زيدان ببناء مرسى في الوليدية نظرا لكون الجديدة والمعمورة والعرائش كانت في قبضة المسيحيين وأكَادير في يد ثوار السوس وآسفي هي المرسى الملكية الوحيدة وكان يود أن تتكفل فرنسا بالبناء وبالفعل تأسست شركة فرنسية لهذا الغرض غير أن المولى زيدان فضل تحمل نفقات الإنجاز فرسم تصميما واستخدم اختصاصيين هولنديين لنسف صخور الشاطئ فثارت قبيلة دكالة ضد وجود الهولنديين بدافع من عائلة بالاش اليهودية فعدل السلطان عن المشروع واكتفى مولاي الوليد ببناء قصبة ويرى صاحب المستندات الغميسة (المقدمة) أن المولى زيدان هو الذي قتل المهندس ماندريي عام  1626وقد كان من أهداف الميناء صيد العقيق واستخلاص الأملاح والوليدية قرية بين آسفي وتيط تنسب إلى الوليد بن زيدان بن أحمد المنصور السعدي الذي قتله الأعلاج عام  1045 هـ / 1635 م  وبين الوليدية ومشتراية أو الغربية وهي الآن خراب واحد وعشرون كيلومترا (الاستقصا ج 3 ص 133 / الاعلام للمراكشي ج 8 ص 225 (خ) / الترجمانة الكبرى للزياني ص 78 / دوكاستر - السعديون (س. أ.)  م.3 (المقدمة) ص 738-55))

 

وبعد مقتل (المولى الوليد) بسنة واحدة وجهت أنجلترا الأميرال (روبير بليك Robert Blake) عام (1046 هـ/ 1636 م) للحصول على حظها في الغنيمة وقد حظي الأميرال بعطف مولاي محمد الشيخ الأصغر بمراكش فساعده على تحرير ثلاثين أسيرا أنجليزيا ومنحه حق احتكار صنع وإصدار ملح البارود وكذلك مكس مرسى آسفي ومرسى الوليدية Ayer ثم كلف عام 1637 بالتفاوض مع أندلسيي الرباط ووجه بعد ذلك في سفارة إلى لندن صحبة القائد (جودر بن عبدالله) لإقرار الهدنة بيت البلدين وحظي من ملك انجلترا بالإذن بتأسيس شركة Barbary Company وقد حضر وقعة بوعقبة هزيمة مولاي محمد الشيخ أمام الدلائيين وكتب عنها وانهارت علاقته بالمغرب عام 1640 (دوكاستر  س.أ. السعديون م.3 ص 247 (1935).

 

والواقع أنه حصل على شراء مكس جميع المراسي وجميع الجمارك بالمغرب (راجع مذكرة بلاك (514 - 490)  حيث وصف الوضع بالمغرب في هذه الفترة التي كانت الشركة الأنجليزية المذكورة تشرف على التجارة بالمغرب وتستورد للسلطان السلع الأنجليزية مقابل الصمغ وملح البارود والذهب بربح قدره 33 ونصف في المائة وهناك (مذكرة أخرى 551 - 548 ) حيث ذكر أن ملاحات الرباط كافية لتموين أنجلترا بالملح (دوكاستر  (س.أ.) السعديون م 3 ص 365 ( عام 1935 ).

 

وكان للشركات الأجنبية دور آخر غير دورها التجاري (فالشركة الإفريقية الأنجليزية Société africaine ) قد أوفدت الألماني ( روينتجن Roentgen) عام 1809 لمحاولة التسرب إلى السودان عن طريق المغرب فتظاهر هذا العالم الألماني بالإسلام وتوجه إلى (الصويرة) للالتحاق بالقافلة التي تذهب كل سنة من المغرب إلى إفريقيا الوسطى ويقال بأنه قتل رغم مساعدة رفيقين منهما علج ألماني (وصف وتاريخ المغرب-كودار ج 2 ص 579)

 

وكان لهولندا دور هام في هذا التآمر تبلور في نشاط فان ليبولو Van Lippeloo   وهو مواطن هولندي اعتقله السلطان مولاي زيدان ( عام 1614 م/ 1023 هـ ) بحجة أنه يدس في آسفي لفائدة (أبي محلي) حيث عثر السلطان على رسالة وجهها إلى التجار المسيحيين فقتله - على ما قيل - دون رعاية علاقته مع هولندا فاتخذت هولندا ذلك ذريعة لتجريم المملكة والواقع أنه لم يقتله لأن أحمد النقسيس بعثه عام 1615 م إلى هولندا لحل مشكل قرصني يرجع إلى اقتصاص الأنجليز لمركب إسباني محمل بالزيوت ونقله إلى تطوان حيث اشتراه (النقسيس) ولكن Heindruck الهولندي فر به فثار أهل تطوان وهددوا بالاقتصاص من الهولنديين الذين يدخلون إلى تطوان فتدخل النقسيس لحل المشكل (دوكاستر - س.2  - السعديون 1907 م 2 ص 390 ).

 

وقد اهتم الملوك العلويون بعد اعتلائهم العرش بتمهيد البلاد وضم شمل الأطراف المتناحرة وخاصة (ملوك الطوائف) المغاربة الذين استغلوا ضعف المخزن السعدي للانقضاض على بعض المناطق أمثال (كروم الحاج ) بمراكش و(عبدالله أعراس) بالحسيمة وأبي حسون بودميعة بسوس والخضر غيلان بالهبط علاوة على قادة الزاوية الدلائية والدواوين الثلاثة في أبي رقراق وقد اتجه المولى إسماعيل نحو الشمال لتحرير جيوب الاحتلال في أصيلا و العرائش وطنجة وتوقفت حركة التحرير عقودا من السنين في عهد المولى عبدالله وثورة عبيد البخاري الذين أصبحوا يولون الأمراء ويعزلونهم فارتكبوا فعلتهم الشنيعة ست مرات بالمولى عبد الله مما أوقف حركة التحرير التي تمكن  ابنه المولى محمد بن عبد الله من استينافها بإجلاء البرتغال عن مدينة الجديدة وتعزيز مرسى آسفي بميناء جديد هو ميناء الصويرة وقد عزز السلطان محمد الثالث عام (1200 هـ/1785 م) ميناء (آسفي) بمائتين من (الطبجية) أي (المدفعية) ومرسى الصويرة ب (2.500 ) من المدفعيين والرماة مواصلا دعم مراسي الشمال مثل العرائش (1.500 طبجي) وأصيلا (200) وتيطاون (800) والعدوتين الرباط وسلا    ( 2000) (الاستقصا ج 4 ص 117 ).

وقد عزز الجانب الاقتصادي في هذه المراسي وخاصة (آسفي) قبل ذلك بنحو ربع قرن حيث سمح عام (1175هـ) بوسق (إصدار) فائض الأصواف المغربية بالخارج (تاريخ الضعيف ص 170 - طبعة دار الطاهري).

 

وقد اتخذ المولى محمد بن عبد الله من مينائي (آسفي) و(الصويرة) مركزين اقتصاديين واتجه في هذه السياسة منذ أن طرده أهل مراكش والحوز فلجأ إلى (آسفي) خاصة عندما منعه عرب الرحامنة والتحق به أخوه المولى أحمد الذي طرده أهل العدوتين من قصبة الرباط احتذاء بما فعله الرحامنة وقد اعترضت قبائل عبدة وأحمر المولى محمدا وضيفوه ببلادهم فنزل بقصبة آسفي وسرح للتجار وسق السلع بالمرسى فأهرعت إليها المراكب الأجنبية بسلعها فدخل الشياظمة وأهل حاحة في طاعته وتباروا في خدمته فورد عليه أهل الرحامنة فعفا عنهم وأسعفهم بالعودة إلى مراكش (الاستقصا ج 4 ص 90).

 

واحتدم الصراع بين أدعيـاء العرش إثر وفـاة محمد الثالـث عام (1204 هـ) فالتحـم مولاي اليزيد عام ( 1206هـ)  في (مشرع حمري) بأزمور مع أخيه هشام فهزمه وفر إلى آسفي مع القائد عبد الرحمن بن ناصر العبدي وقد أسر المولى اليزيد (25) من الإسبان كانوا مع هشام (تاريخ الضعيف ص 236) وحاول بناصر العبدي الفرار في سفينة أسبانية (ص 237) .

 

وقد زاد الوباء الطين بلة حيث ظهر بفاس ومكناس عام ( 1213هـ) فاكتسح الآلاف من الناس وفي طليعتهم كبار الفقهاء والعلماء وانتقل الكثير من الناس مع العسكر السلطاني إلى الجنوب وخاصة آسفي ودكالة اللتين انطلقت منهما الحركة التحريرية الهادفة لضمان الوحدة الترابية بانضمام الصحراء الغربية طواعية من أهلها.

 

 و هكذا استكملت المملكة استقلالها السياسي والاقتصادي بتنحية ذيول الاستعمار البرتغالي الذي حدته أطماعه إلى السطو على الخيرات الإفريقية ومنها الذهب الذي كان يوجه عبر السودان نحو تونس ومصر بالإضافة إلى بلاد الهند التي كان الإسلام قد ترعرع في ربوعها غير أن انهزامهم في المغرب الذي كانوا ينوون انطلاقهم منه للسيطرة على جنوب إفريقيا ومنها إلى آسيا كل ذلك حدا (ألفونس الخامس) ملك البرتغال إلى حمل لقب الإفريقي ولكن اندحارهم في الجيوب الساحلية قد انضاف إليه أن سلطان المغرب قطع طريقهم إلى فاس فتوقفوا بإذن من لشبونة متجهين إلى تعزيز أسطولهم جنوبي المحيط الأطلنطيكي لمواصلة الكشف عن الأراضي الأمريكية والوصول إلى الهند مع إبعاد إسبانيا عن ذلك بعد معاهدة Tordesillas التي فسحت المجال ليوحنا الثاني لتوجيه ضرباته إلى البرازيل المعقل الجديد للبرتغال مع نقل الحرب إلى أقطار أوربا بإسم الكاتوليكية ضد الخلافة العثمانية التي كانت قد احتلت جزءا من الشمال الإفريقي (خاصة تونس والجزائر) وقد حاول الإنجليز توقيع معاهدة مع السعديين ضد البرتغال للقيام بحملة مشتركة في الهند وأمريكيا الجنوبية وذلك عن طريق سفيرهم بلندن مرزوق الرايس ولكن سلطان المغرب أحمد المنصور أبى الموافقة على هذه المغامرة لأن الأمر الذي كان يهمه هو تحرير بلاده دون السطو على حريات الآخرين.

 

وما قلناه في مدن المغرب وآثار البرتغال في ربوعها نقوله في مدينة سبتة وقد أصدرت كتابا اسمه (سبتة ومليلية معقلان أماميان مغربيان في البحر المتوسط)

 

والواقع أن البرتغال - رغم سطوه على المغرب عدة قرون - فإنه كان يضجر من مواصلة الاحتلال إلا أن الكنيسة كانت ترغمه على ذلك ولذلك يمكن القول بأن البرتغال مارست استراتيجية مرنة حدتها إلى نوع من التكيف العقلاني مع مقتضيات الوضع. 

 

فقد أصدر البابا الاسكندر السادس ( 14مايه 1494) غداة الكشف عن أمريكا مرسوما لتقسيم مناطق النفوذ بين إسبانيا والبرتغال (دوكاستر - السعديون ج 1 ص 44 )

 

ومنحت البابوية بمقتضى مرسوم (الصليبية المقدسة) امتيازات لمسيحيي إسبانيا والبرتغال في حروبهم ضد المغرب منها حق أكل البيض والحليب خلال الصوم بل حتى اللحم فصار الجانبان يبيعان هذه الامتيازات لتعزيز صندوق الدولة سنويا بنحو مائتي مليون درهم مرابطي وهذا الاستغلال هو الذي حدا البرتغال إلى الاحتفاظ بالجديدة إلى عام 1770 وإسبانيا بسبتة ومليلية (ص55).

 

ومن مظاهر تقاعس البرتغال عن السطو على بعض الجيوب المغربية ما حكاه (كودار) في كتابه (وصف وتاريخ المغرب ج 1 ص 110) أن البابوية هي التي كانت تدفع البرتغال إلى الحفاظ على المغرب لمساندة فكرة الصليبية ففي عام 1437 م شعرملك البرتغال بتضايق للقيام بحملة ضد طنجة ولكن الفاتكان شجعه على ذلك  (ص110) وكانت إنجلترا آنذاك تمد المغرب بالسلاح ضد الكاتوليك ولذلك كان الأمير أورانج : Prince   d'Orange  يعتبر كل تحالف ولو مع المسلمين مشروعا ضد البابوية التي اتضحت نظريتها بعد معركة بارتلميBarthelemy  (راجع Bulle de la Croisade ودوكاستر - السعديون ج 1 ص 55) وخلاصة القول أن علائق المغرب بالبرتغال ظلت جيدة وعميقة نظرا لانعزالها عن الفكر الاستعماري خاصة بالمغرب منذ أزيد من ثلاثة قرون.

 

 

 

وقد دعمت هذه العلائق بهجرة طواعية لمسلمي هورناشيروس Hornacheros من إقليم استرامادور Estramadur بغرب الأندلس Algarb وهي البرتغال الحالية لسكنى قصبة المرابطين (وهي قصبة الاوداية الحالية) منذ حوالي القرن الحادي عشر الميلادي.

 

 --------

 

المراجع

 

- الاستقصا - خالد بن احمد الناصري

- تاريخ تطوان - محمد داود

- آسفي وما إليه قديما وحديثا - للكانوني- مطبعة مصطفى محمد -مصر 1953 (جزء 1) بيوتات آسفي-    له أيضا (مخطوط) وله (تنوير بصائر الأبرار بتاريخ زاوية تيط وآل أمغار) و( علاقة آسفي ونواحيها بملوك المغرب (مخطوط)

-  أحمد الصبيحي (1363 هـ / 1946 م)

1) (صلحاء آسفي وعبدة) مخطوط الخزانة الصبيحية رقم 418

2) باكورة الزبدة في تاريخ آسفي وعبدة ( خع 1503 د)

3) فضائح القائد عيسى بن عمر (خح 2423  مخطوط الخزانة الصبيحية)

- زاوية تيط : شيوخها من آل أمغار (راجع ممتع الأسماع ص 69 - طبعة فاس)

- الحسن المعدني (الروض اليانع الفائح في مناقب سيدنا ومولانا أبي عبد الله محمد المدعو بالصالح   (خع 1835 د)

- تقييد على مدينة آسفي لأحمد بن الحاج السلمي المرداسي

- مصطفى فنيتر ( قواد الجنوب الكبار : نموذج عيسى بن عمر العبدي (1914 - 1879) - دبلوم تاريخ   (الرباط 1989)

- المراكز البرتغالية بالمغرب : المشاكل الناتجة عن التخلي عن آسفي وأزمور وأصيلا والقصر الصغير (دوكاستر ق. 1 - السعديون - البرتغال م.4 ص 335)

- Bouquerel  J. : Le port de Safi : de l'Antiquité aux Temps Modernes R.C.C. n° 35 Janv. 1969

- Robert Montagne, les Berberes et le Makhzen p. 109 et 351

- Michaux - Bellaire : Santa - Cruz de Mar Pequena et le port d'Asaka, Revue du Monde Musulman     

  T.XV, 1911

- Sources inédites de l'histoire du Maroc - Decastries, série 1 , Saadiens T. 1 p. 183 (1936), P.51 (1934), T.3 

  p. 358 ( 1935) / (Portugal)/ 5 vol. Paris 1934 - 1953)

- Godard, Description et histoire du Maroc- 2 volumes

- A. Antona - La région des Abda - Rabat, Resid. GLE, 1931.

- J.E. CASARIEGO - El Periplo de Hannon de Cartago - Madrid 1947 (95p.)

- Safi et sa région - Casablanca, 1951.

- أسقفية آسفي - قرار بابوي عام 1499 (دوكاستر ق ‍1 السعديون - البرتغال ص 48

- دير الفرنسيسكان في آسفي (دوكاستر ق 1 السعديون ص 649   )

- الكنيسة والأديرة في آسفي ( السعديون - س.أ.- م 3 ص 95 )

- الحكام البرتغاليون - س.أ. - م 3 ص 508 - 107 آسفي (راجع سرنو وهو مكان مرساها اليوم)

- الاتفاقات الدولية في عهد سيدي محمد بن عبد الله - كاييي  Caillé(ص 280)

- ثورة ثمانية من الدواوير ضد البرتغال ( دوكاستر ق 1 السعديون - البرتغال ص  512)

- حصار السكان لآسفي المحتلة ( ص 284 )

- آسفي في أيام البرتغال القديمة Joseph Goulven 1928      

- نقوش آسفي 1908             Dr. G. Kampfmeyer, 1908

- آسفي أكَادير وأرباضهما  Paul Bory, Casa  1941              

- آسفي ومنطقتها - نشر الدار البيضاء Inter-presse      

- الكتدرائية البرتغالية بآسفي    Hesperis IX , 1929 (1-27)

- البرتغال ومقاطعة حمايتها بمراكش (دوكاستر ق 1 السعديون (البرتغال ص  687)

- البرتغال ولجوء ملوك السعديين إليها (دوكاستر ج  2ق 1  (ص  446) (فرنسا)

- البرتغال والسواحل المغربية (حسب مارمول) (الإعلام للمراكشي ج 4 ص 139 الطبعة الأولى)

- البرتغال في شواطئ المغرب (دوكاستر - السعديون س.أ. - م1  ص 508 -55 / م 3 المفدمة و ص 578-62 )

- المغرب البرتغالي 1769 - 1415))         

- Periale Marise, 1928

- Damias de Gois, Felix Moncho, Rabat, 1927

- Denise Valero - Petite histoire des ruines portugaises au Maroc, 1vol., Casablanca, 1952 ( 128 p.)

- R. Gonnard - La conquête portugaise. Découvreurs et économistes - Ed. pol. écon. et sociales - Libr. de

   Medicis (162 P.)

- E. Pelissier - Expéditions et Etablissements des Portugais dans l'Empire de Maroc, in Exploration

   scientifique de l'Algérie, T, VI,  1844 ( 121 - 173)

- A Peretié - aperçu historique de l'occupation portugaise au Maroc,  in Revue  du  Monde Musulman        

   T. XII, 1910

- البرتغال علاقة الأندلسيين مع الجيوب البرتغالية بالمغرب

- R. Ricard - Documentos sobre las relaciones de Andalucia con las plazas portuguesas de Marruecos (1541),  

  Al-Andalus , XIII, fasc., 2, 1948 (275-292)

- R. Ricard - Les places portugaises du Maroc et le commerce d'Andalousie, Annales de l'I. E. orientales IV (1938) (129-156)

 

-  R. Ricard- Les Portugais et l'Afrique du Nord sous le règne de Jean III (1521-1557), d'après la chronique de Fransisco de Andrade, Hesperis, T. XXIV, 1937 (259-345)

البرتغاليون في الشمال الإفريقي (من 1521 إلى 1557 )

- Soussa (Luis de) - Extraits des Annales de Jean III , trad. par Robert Ricard, les Portugais et l'Afrique du Nord de 1512 à 1557, Lisbonne - Paris, 1940.

Vasco de Carvalho

- Domination portugaise au Maroc (1415 - 1769) Ed. SPN Lisbonne

- Auguste Beaumier, Itinéraire de Mogador à Maroc et de Maroc à Saffy, In Bul. de la Soc. de Géog., Paris 1868.

- Soulange - Bodin, Recherches sur les contrées méridionales du Maroc, Les pays du Sous et du Tafilalet; Les caravanes de Tombouctou; Les provinces de Chiadma et de Haha, Arch. des Aff. Etrangères, Mémoires et documents, Maroc 4 , 1630 à 1853 - Manuscrit datant de 1847.

 

 

 

فهرس

 

(منطقة تنسيفت) بين آسفي والصويرة من أغنى مناطق المغرب

(مخطوط جاهز للطبع)

-  آسفي عبر العصور ( من ص 3  إلى ص 14 )

- المراجع (16-15)

- أعلام آسفي ( 43 - 17 )

- المسار التاريخي للصويرة ( 48 - 44)

- المعالم الأسفية (مع تداخلها بالحاحية (57 - 49 )

- ولاة وقضاة آسفي ( 57 (1))

- أعلام الصويرة (74 - 38)

- ولاة و قضاة الصويرة (74 (1))

- المعالم الحاحية (80 - 75 )

- آسفي والصويرة دعم قوي لثراء منطقة تنسيفت (81)

- أرجان والفوسفاط قوام الاقتصاد الحاحي ( 87 - 82 )

- الصويرة جوهرة الجنوب ( (4) 88 - 88)

- اقتصاديات (108 - (5) 88 )

- الصيد ( 110 - 109 )

- أصناف الأسماك في مياه آسفي (112 - 111)

- اجتماعيات (123 - 113)

- ثقافيات ( 127 - 124 )

- الرباطات (128 )

- الآلة الأندلسية ( 137 - 129 )

- الجيش المغربي والعتاد البحري (148 - 138 )

- ميناء آسفي والانطلاق لاكتشاف أمريكا (151 - 145 )

- اليهود والحركة العبرية في المنطقة (157 - 152 )

- الإنسان الأول المستحجر بآسفي (جبل الرهود)( 159 - 158)

- المراجع (162 - 160 )

 

 موقع عبد العزيز بنعبدالله



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
 
2015-05-04 23:31عبد اللطيف القاضي

شكرا على هده المداخلة القيمة و الموثقة لكن لدي توضيح فيما يخص قولكم ان يحي اتعفوفت لم يكن له اي تعاون مع لشبونة و الواقع ه\ا الرجل كان اداة البرتغاليين للتوسع في منطقة عبدة و مراكش و حتى مشارف دكالة و قد حاول الحسن الوزان اقناعة بالعدول عن مولات البرتغاليين لكن بدون جدوى و قد انتهى مقتولا بيد المدعو غانم حوالي 1515اي بعد سنة من قتل قبطان اسفي نونو اتايد و به وجب الاعلام و السلام عليكم

 
2014-04-27 12:53رضوان الحاكمي

السلام عليكم و رحمة الله
بعد تصفحي للكتابتكم الغنية والهادفة وتنوع المراجع المعتمدة التي أبنتم فيها عن حنكة كبيرة في إعطاء هاذه المقالات طابعها العلمي، ارتأيت أن أطلب منكم مساعدة بأعتباري أستاذ باحث في حقل الجغرافيا وأن مجال بحث يتضمن الجزء الشمالي من شياظم و الجزء الجنوبي من عبدة،لهذا أطلب منكم مساعدتي في إعطاء لمحو تاريخية عن هذه المنطقة منطقة تانسيفت و شكرا بريدي الاكترونيelhakimi_radouane@hotmail.fr